من حق أبنائك أن يحققوا أحلامهم لا أحلامك

من حق أبنائك أن يحققوا أحلامهم لا أحلامك

اللوحة: الفنان النمساوي فريدريش أميرلنغ

فواز خيّو

كنت أحب أن يأتيني طفلة، وشاءت الأقدار.. مذ كانت جنينا في الشهر الخامس بدأ تواصلي معها ووكلما أناجيها تتحرك في بطن امها، لهذا ينصح علماء النفس المرأة الحامل والأسرة بإشاعة جو من المحبة في البيت، وسماع الموسيقا، ليؤثر ذلك عل الجنين. 

حتى البقر يحلب أكثر على صوت الموسيقا. 

لم أعد أذكر من قال: احذروا فلانا فهو لا يحب الموسيقا. 

حين سافرت إلى البحرين نهاية عام 2004 لأشهر، وكانت جنينا في الشهر الثامن، وذات اتصال مع هيلانة سألتها: كيف البنوتة؟ صمتت دقيقة، سألتها: أين ذهبتِ؟ قالت: هل تصدّق أنها منذ يومين لم تتحرك إلا هذه اللحظة وأنت تسألني عنها؟ 

ذبذبات الدماغ تصل آخر الدنيا في لحظات وقد أصبح التخاطر أمرا مُسلّما به. 

كانت آية من الجمال حين ولدت، وحظيت – خاصة مني – بكل رعاية. 

كان للمساوئ والأخطاء فضل عليّ أكثر من الأشياء الإيجابية. 

موروثنا السيء يقوم على تفضيل الذكر على الأنثى، ويقوم على تفضيل الابن الأكبر على أخوته، فتنشأ الحساسية وحتى البغضاء بين الأخوة حين يكبرون. 

وكان لديّ عقدة الأخ الأكبر، كل شيء للابن الأكبر، حتى الحلفان يحلفون له فقط، وكأن البقية بلا قيمة. 

في حلقة كوميدية من مسلسل لي لم ينتج، بطل الحلقة كان عنده عقدة من أخيه الأكبر أحمد، وحين تزوج جاءه ولد فسمّاه أحمد، وجاءه ولد آخر وثالث وسماهما أحمد، وحين سئل عن السبب قال: كل ولد عندي هو أحمد، ولا فرق بينهم.

كم دمّرت هذه العقدة علاقات بين الأخوة، يا لموروثنا. 

 فكانت ردة فعلي قاسية على الحالتين، وكانت هيلانة تقاسمني هذه الأفكار.

لم نفرّق بين نور وسرجون مع أن سرجون وحيد، فنشأت المحبة بينهما وكبرا عليها. 

من أهم سمات الرجل الشرقي أنه البعبع في البيت، تتألق رجولته على زوجته وأولاده في البيت، بينما غالبا خارج البيت لا يكون رجلا. تماما كما معظم الحكام العرب والعالم الثالث، وحوش في بلدانهم على شعوبهم، وحُملان مطيعون أمام الأغراب. 

لا أتذكر أني ضربت أحدا منهما وبينما تخافني الحكومات المتعاقبة كنت حملا في البيت. 

في العادة أن الأم حين يتعبها الاولاد تهددهم (هلق بيجي البابا)، وكنتُ العكس حين يتعبوني أهددهم بأمّهم وأقول لهم: (هلق بتجي الماما). 

كانت هيلانة صارمة معهم، لكن بحكمة. أنا ليس لديّ أعصاب لأقسو عليهم. 

تركتُ لهم أن يشكلوا شخصياتهم وقناعاتهم، وأكتفي بالمراقبة والتدخل حين أرى شططا حقيقيا.

من أكبر جرائم التربية في مجتمعاتنا أن الأب والأم يريدان أن يكون الأولاد نسخة عنهما. 

من أنت لتوجد عدة نسخ عنك؟ الله نسخة واحدة، والنبي كذلك، هل أنت درّة عصرك لتخلق نُسخا عديدة عنك؟ 

أنت قاتل هنا، لأنك حرمت ابنك من تشكيل شخصيته وهذا جريمة قتل، حرمته من أن يكون هو، ليكون أنت آخر. 

ثم من حق الأولاد أن يحققوا أحلامهم لا أحلامك. إذا كنت رجلا حقق حلمك ودع ابنك يحقق حلمه، ابنك وديعة مرحلية بين يديك ريثما يكبر، لا مُلكا لك تتصرف به ما تشاء. 

كان دوامي كيفيّا في الجريدة، وهيلانة في وظيفتها، وكنت أقوم على العناية بنور وهي صغيرة. مرة كانت في الصف الأول أو الثاني، لم أعد أذكر، وبخصوص إحدى القضايا قلت لها: يا بابا يجب أن تفعلي كذا. نظرتْ إليّ باستغراب وقالت: يا بابا ليس كل شيء كما تريد أنت. 

وقفت مشدوها للحظات وتساءلت: ابنتي التي رعيتها مذ كانت جنينا تقول لي: ما كل شيء كما تريد أنت. 

تساءلت: كيف للحكومة أو السلطة التي لديها عشرون مليون شخص، فيهم الصحفي والشاعر والمهندس والعامل والمدرس والفلاح والعتال وتريد أن يكون الجميع كما هي تريد؟ 

أعطتني نور درسا هائلا في الديمقراطية وقبول الآخر، وقبول حقه فيما يريد. 

كوني ساخرا وطبيعتي مرحة فأحب أن يحكي الطفل الصغير الكلمات البذيئة، وحين يكبر يتجاوزها طبعا، ومرة كانت نور طفلة في الثالثة من عمرها، مدّت يدها إلى المدفأة فصرخت بها: (إياكي يا بابا، إذا صابك شي أنا بموت. قالت: لتيزي) فانفجرنا ضاحكين كلنا. 

نور وهي في الصف الحادي عشر فازت بمسابقة الاتحاد العالمي للجامعات بين نخبة طلاب العالم، وحصلت على منحة لدراسة البكالوريا الدولية في الهند، وسوف تتابع الدراسة على الأرجح في إحدى الجامعات الأمريكية. 

الأستاذ جميل بدر الذي تدخّل لقبولي في المدرسة، وساعدني في القبول في المسابقة في مطابع الجريدة، ومنعني من الاستقالة، وساهم في نقلي إلى التحرير، وتحمّل مشاغباتي ومشاكلي، له ابن اسمه قصي كان يشتغل في قسم الرياضة، متزوج من ابنة الدكتور أحمد درغام عضو القيادة القطرية، وهو رجل فكر ومنظر للحزب ونظيف، وكان يرسل لي التحيات مع قصي. 

وحين فازت نور في منحة اتحاد الجامعات الدولي وتقرر سفرها، وإذ باتصال من قصي الذي أصبح في الامارات، هنأني وأربكني ورجاني مرارا وأصرّ وأرسل هدية 300 دولار لنور. 

ثمة أناس لا تطلبهم، ولا تتوقعهم، وفي لحظة حاسمة تجدهم سندا حقيقيا، ما أجملهم. 

وسرجون تخرّج مهندسا مدنيا.. منحناهما الحب والثقة فحققا حلميهما وحلمنا معا. 

اترك رد