فساتين

فساتين

ريما ابراهيم حمود

اللوحة للفنانة ريما برناوي

   حين أشرعت عينيّ على العالم الضيق حولي همست أمي في أذني وهي تدسّ في كفي عدسة مكبرة:

  • انظري إليهم من خلالها. 

    وضعتها في جيب فستاني الأزرق، جلستُ بينهم مراقبة؛ الأصوات كثيرة متداخلة.. صراخ.. ضحك.. تمتمة غاضبة.. شتائم، والكثير من الهمس الجانبي الذي يدفنه صاحبه في أذن المجاور له.

التفتُّ إلى أمي فرفعت حاجبها الأيمن مشيرة بعينيها، وهزة من رأسها إلى جيب فستاني، أخرجتُ العدسة، وضعتها أمام عيني اليمنى؛ صارت وجوههم كبيرة جدا وأعينهم واسعة تتدلى حدقاتهم منها على وجناتهم.

 جزعت، حاولت التسلل من بين أقدامهم إليها، قبل أن أصل تعثرت أذني بأصواتهم قريبة.. صاخبة.. متواترة ونهمة: 

– ثوبها الأزرق قصير.

 – شعرها خشن. 

 – سمراء.

– رأيتها تقف مع ابن الجيران أمام الخباز.

– الله يستر على بناتنا وعليها.

سحبت فستاني إلى الأسفل ليغطي ركبتيّ بيد، وباليد الأخرى أمسكت العدسة أنظر منها إليهم.

 حين وصلت إليها جلستُ بجانبها، فردت ذراعها الأيسر وأحاطت بكتفيّ؛ همست في أذني:

– أسمعت ما يقولون؟ 

– نعم.

– احذري أن تفلتيها من يدك.

– حاضر. 

ظلت وشوشاتهم عالقة في أذني، أهز رأسي لأنفضها فتعلو لتصير زعيقا، أصبحُ أطول فأشبك فستاني الأزرق بقطعة تلو أخرى ليصير أطول.. أصير أكبر فتصير عدستي أكبر وأكبر.. وفستاني يزحف تحت قدمي.. أشدّه فيعرقلني لأسقط على وجهي.. تطير العدسة في الهواء.. تنفجر على الأرض.. تختفي الأصوات كلها.. يظل صوتها وحيدا في أذني.. يتكرر.. يختفي.. يعود.. وجهي ملتصق بطين الأرض.. وفستاني معلق على حبال عيونهم وحيدا.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s