الجارية والجنرال: الحب بين الدين والحرية

الجارية والجنرال: الحب بين الدين والحرية

د. ناصر أحمد إبراهيم

أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بجامعة القاهرة

اللوحة: للفنـان الإنكليزي جون فردريك لويس

ميّز كل فترة استعمارية (ومنها فترة الاستعمار الفرنسي لمصر)، وجود نوعين من البشر -المحتل وضحايا الاحتلال – في حيز جغرافي محدد. ولعل دراسة هذا التفاعل بين الجانبين يقدم الكثير من خلال تسليط الضوء على العلاقات الإنسانية التي تنشأ بينهما، ومنها علاقات الحب لما تتميز به من عاطفة قوية، وارتباط بين أفراد من ثقافات مختلفة، يحتم معه طرح القضايا الخلافية الشائكة بين الجانبين، وبذلك يضع فكرة تمازج الثقافات وقبول كل شخص لهوية الآخر على المحك، بعيدا عن الأفكار الرومانسية والشعارات السياسية البراقة.

تقوم هذه الدراسة التي نقدمها في حلقات على تقديم قراءة تحليلية ليوميات ضابط فرنسي يدعى جوزيف ماري مواريه حول علاقة خاصة كونها مع أميرة مملوكية تدعى زليمه، كانت محظية أحد البكوات المماليك الذين لاقوا مصرعهم أمام الفرنسيين في معركة إمبابة (الأهرام) التي على أثرها يدخل بونابرت بجيشه مدينة القاهرة. 


تناولنا في الحلقة الماضية كيف نشأت علاقة الحب بين الضابط مواريه وزليمة، وهنا برز الدين كعقبة لا يمكن تجاوزها إلا بأن يعلن الجنرال إسلامه، وهو ما رفضه، وكشف الحوار بينهما عن اصتدام ثقافتين مختلفتين، وكيف أن الدين يظل عقبة حقيقية تحول بين التقاء الشرق والغرب في الواقع العملي، وبدا أن الحب وحده لا يكفي هنا بل لا بد من التضحية، وكان السؤال الذي صدم زليمة ومواريه في آن: من يُضحي بدينه من أجل محبوبه؟ ومن أجل اكمال الخطوة التوثيقية للزواج؟ لا شك أن المناقشة التفصيلية التي دارت بينهما حول هذه العقبة تشكل في حد ذاتها اكتشاف لواحدة من تجليات الأفكار ومسار مناقشة مكونات الهوية حول القيم والدين ومعتقدات الحياة، وكيف وصلت إلى صيغة حادة من النقاش إزاء تمسك كل منهما بديانته؛ لأسباب موضوعية لها علاقة بمكون الهوية أو لأسباب خاصة لها علاقة بالمنظور الاجتماعي لقيمة ما يمثله الدين في حياة الفرد. ومن هذه الزاوية كيف أدى الحوار حول الدين إلى وضع كل منهما في موقف الدفاع عن النفس من منظور الهوية الدينية؟ وإلى أي مدى أمكنهما تجاوز أو عدم تجاوز هذه العقبة؟ وكيف عبر الحوار حول الدين والحب والحرية في النهاية عن مسار من التناقض بين طريقة تفكير كل منهما في الآخر وفى قيمة الآخر بالنسبة إليه لا سيما في سياق لحظة فريدة من مراجعة الذات على ضوء تبصر حالة الآخر، وهي في مجملها تفيض بلحظة استثنائية لمراقبة ثقافتين تعبران بقوة عن التقاء الشرق بالغرب عبر الاحتكاك العملي الواقعي. 

لا تنتظري أن أصبح مسلماً وأضع العمامة

وقد كان الدين محل اهتمام الطرفين بطرق مختلفة، ولا ننسي أن مراقبين أمثال الجبرتي وشيخ الأزهر عبد الله الشرقاوي، قد استوقفهما تقييم دور الدين في حياة الفرنسيين، وانتهيا إلى أنهم في معظمهم “جماعة دهرية” لا يمثل لهم الدين أهمية في الحياة، ولذلك ظلوا ينعتونهم” بالكفرة الفرنسيس”. 

وربما كان من سوء حظ زليمة أن مواريه كان من التيار الأكثر تمسكاً بهويته الدينية (المسيحية)؛ فقد كان الرجل متديناً، وكانت دراساته قبل التحاقه بالجيش من المنتظر لها أن تؤهله للعمل بوظيفة كنسية. لقد كان الدين بالنسبة إليه يتبوأ مكانة خاصة، علاوة على كونه يشكل مكوناً أساسياً من مكونات هويته واستقراره، وهو ما انعكس في حدة انفعاله وغيرته على ديانته، فيما يُفاجأ زليمة بأن علاقتهما قد تنتهي لهذا السبب!  

والحقيقة أن زليمة كانت متوقعة فتح النقاش حول هذه المسألة، لكن ما لم تتوقعه أن تصبح المناقشة مثار خلاف يؤدي إلى وقف مشروع الزواج. وفيما يبدو كانت تتصور أنه سوف يجاري قادة الجيش الفرنسي في توجهاتهم قبل الدين، أمثال الجنرال بونابرت الذي أظهر منذ المنشور الأول له بالإسكندرية احترامه لدين الإسلام ، بل وراح يؤكد لهم بأنه وجيشه أكثر ايمانا وإخلاصا للإسلام، وهو المنشور الذي عمل منه نسخاً متعددة وُزِعت بجميع أنحاء مصر. وفيما يبدو من حوار زليمة – مواريه، أن إسلام مينو كان حاضرا بقوة في ذهنيتها؛ فهي تريد محاكاة نموذج (مينو – زبيدة)، لأنه الأقرب إلى حالتها؛ والذي صار في قلب مناقشتها معه، حيث أشهر الجنرال جاك مينو إسلامه أمام القاضي الشرعي بمحكمة رشيد، وبحضور عدد كبير من شيوخ وعلماء رشيد، وقام بتغيير اسمه إلى “عبد الله جاك مينو”. تلك الواقعة التي انتشرت وتحولت إلى قضية شغلت الرأي العام في الجيش الفرنسي ، كما انتشرت في أرجاء مصر المحروسة. وازدادت أهمية بعد أن أدت ظروف اغتيال القائد العام لجيش الجنرال كليبير إلى توليه قيادة الجيش وحكم مستعمرة مصر كلها. 

كانت زليمة تتطلع إلى هذا القدر من التضحية من أجل الحب ومن أجل اقترانها به، دون أن يعرضها هي للموقف الأكثر خطورة على حياتها، لكنه صدمها بتمسكه بديانته وثقافته الاجتماعية، معتبرا الدين المسيحي “الهوية المرجعية” التي وُلِد بها وتربي على موجهاتها، لذلك صرح لها بكلمات حاسمة: “لا تنتظري مني أن أصبح مسلماً، وأن أضع على رأسي العمامة، وأخضع لهذه العملية المهينة التي تفرق الدين اليهودي والمسلم (الختان) وأن امتنع إلى الأبد عن تناول الشراب المقوي الذي اخترعه نوح (النبيذ)”. 

نابليون يعترف: المشكلة في الختان والخمر

والواقع إن بونابرت نفسه الذي حاول التأثير على جيشه لأجل مجاراة الدين الإسلامي؛ بقصد تعميم الإيديولوجية التي آمل أن توحد بين أبناء المستعمرة والجيش الفرنسي، اعترف في مذكراته بسانت هيلانه بأن ثمة صعوبتين كبيرتين فشل في التغلب عليهما، وهما تحديداً (الختان والخمر la Circoncision et le vin) فلم يستطع اقناع الجيش بالامتثال بحدهما الشرعي. وأشار أيضاً إلى أن الشيخ المهدي اقترح أن يسمح لـ 16 شيخاً من شيوخ الأزهر أن يطرحوا القضية في المساجد على الناس، لأجل تسهيل استصدار فتوى تتجاوز عن “الختان وشرب النبيذ”؛ امتثالا لحديث يتم نسبه إلى نبي الإسلام، بأن هذان الحدين لا ينطبقا على الفاتحين المنتصرين les Vainqueurs. لكن فكرة مشروع فتوى الشيخ المهدي فشلت، بل وجاءت بنتائج عكسية، حيث أثارت استياء الشيوخ وغضبهم، وفجرت ضجيجاً من الناس، على مدار 40 يوماً، لم يتوقف الشيوخ ولا المصريون خلالها عن انتقاد بونابرت وجيشه بسبب هذه المسألة. ويبين بونابرت بأن خطابه الإسلامي الذي كان له بريقه تأثر سلبياً بسبب هذه الحادثة.

وليس هناك أبلغ دلالة على رفض الجيش الدخول أو حتى مجاراة التظاهر بالإسلام، من ردود فعل مواريه نفسه على فكرة زليمة بتحوله الضروري إلى الإسلام كشرط للزواج، ورفض مواريه طلبها بمحاكاة قائده العام الجنرال مينو قائلا: ” لن أحذو حذو الجنرال عبد الله مينو الذي أصبح مثار حديث الجيش كله، لأنني سأكون بدوري مادة لسخرية جميع زملائي” منهيا حديثة بأن” هناك بعض المعتقدات التي يجب احترامها”. 

بيد أن ردها عليه لم يكن أقل منه انفعالاً لأنها تدري أن الارتداد عن الإسلام عقوبته الموت، فوجهت إليه تلك الكلمات “إذاً تريدني أن أترك ديني يا قاسي القلب! وحتى إن أردت، هل تظن أنه ليس في هذا خطر علىّ؟ أبو الفرو الذي أكرم وفادتي مثله مثل جميع المسلمين شديد الارتباط بالإسلام، ولا شيء عنده يفوق شريعة محمد. فإذا رآني وقد أصبحت مسيحية فسيكيد لك مكيدة ويقدمك قرباناً على روح صديقتك التي فاضت” ثم عرجت في ردها على ضرورة انتباهه إلى حالة التعصب للدين، وهو ما يدلل على متابعتها لواقع النظرة إلى الآخر (الاستعماري المسيحي)، فتقول له: “إنك لن تتخيل إلى أي مدى يمكن أن يذهب تعصب المؤمنين. والمسيحيون ليسوا في نظرهم سوى كائنات يلعنها الله ويتبعها البؤس حيثما ذهبت ولا يمكن لأي من مشاريعهم أن تنجح”، وهي هنا تلمح لتوقعها فشل مشروعهم الاستعماري.

الأمل في الرحيل إلى فرنسا

ظل هو ثابتا على موقفه في مسألة التنازل عن الدين، معلناً لها اعتذاره تحت كل الظروف، وأن عليه أن يودعها “وداعاً أبدياً”، وأن انفصاله عنها سيكون قاسياً طالما ظلت عقبة الدين تعترض طريق السعادة التي كان ينشدها معها. ومن الواضح أنه استغل فهمه الواضح لصعوبة موقفها وواقعها المأزوم، وهو وضع جعله في موقع أكثر قوة منها في معادلة الحوار، وهو يسجل في يومياته هذا الموقف الانحيازي لديانته بكل وضوح، وأنه راهن على احساسه بأنها “لن توافق على إنهاء قصة حب لم تكد تبدأ“. 

وبالفعل لم تشأ إنهاء العلاقة، ولا أن تفقد هذه الفرصة التي ساقها إليها القدر، فرهانها على نيل الحرية بات مشروطاً إلى حد كبير باستمرارية علاقتها به، وتحويل هذه العلاقة إلى صيغة من التعاقد الشرعي. إن زواجها منه، كما ترآى لها، سيفرض واقعاً جديداً، يُكسبها وضعاً قانونياً مختلفاً، يربطها بالأمة الفرنسية التي تجرم العبودية وتحرمها كما هو واضح من منشوراتهم الدعائية التي تم نشرها ولصقها على جدران الشوارع والميادين والجوامع. ومعروف أن فرنسا أصدرت قانوناً، قبل مجيء الحملة ببضع سنوات، يقضي بأن العبيد الذين يأتون إلى فرنسا تلزم المحاكم الفرنسية بإصدار أحكاما بتحريرهم. إن مقاربة وضع المرأة بين الشرق والغرب تستدعي عبر نصوص اليوميات وعبر حواراته معها. ولم يندهش مواريه من فكرتها العامة عن وضع المرأة الأوربية؛ لأن خادمتها المارسيلية كانت بكل تأكيد أهم مصادر معلوماتها.

وطابعها العملي في التفكير دفعها لإبلاغه أن هذا التعارض يمكن أن تحله عملية الخروج من مصر، فإذا تحققت معاهدة جلاء الجيش سيكون بوسعها اللحاق به لتسافر معه إلى فرنسا، وأن حريتها من العبودية فوق كل ما عداها من قيم. ولا شك أن تجربتها الأولى علمتها أنها حين فقدت حريتها تحولت إلى جارية، وجعلها تخضع لعملية ليست هينة أو بسيطة من إعادة هيكلة هويتها في الحرملك المملوكي وهي ابنة الرابعة عشر: فمسيحيتها الأولى فقدتها لصالح الإسلام، وتلقت داخل الحرملك – كما هو معتاد – دروساً في القرآن والفقه وفروض الدين وقواعد القراءة والكتابة، وداخل الحرملك أيضاً انحسر استخدامها للغتها الأم (الجورجية) لصالح تعلمها المكثف للغة العربية، وعلاوة على كل ذلك انقطعت صلتها بوطنها الأم الذي باعدت بينها وبينه المسافات، ولم تعد تملك أدنى فكرة لمجرد التفكير في العودة إليه. 

لقد كانت زليمة تبحث لنفسها عن خط حياة مختلف، كانت أفكارها تجعلها تدور حول نفسها، إنها لا تريد الاستمرارية في حياة القصور الفارهة وسط خدم وحياة ملؤها الصخب المادي، وتزينها المجوهرات وما يصاحبها من تلقى انعامات وهدايا السيد المالك لرقبتها أو بالأحرى لجسدها. ولكم قادتها أفكارها هذه إلى أن حياتها مرهونة بالحرية، وهي مطلبها النفيس وضالتها الحائرة، وكما أن الحرية تحقق إرادة الاختيار ، فالحب يجسد الحياة ويمنحها زخماً من الدفء، ومع الحرية والحب سيكون بمقدورها تكوين عائلة خاصة، وهى توجه خطابها إلى مواريه : “هناك (في فرنسا) سيكون أهلك أهلي وشريعتك شريعتي، وسأعز ذويك أكثر من معزتي أهلي الذين طردوني، وسأكون زوجتك ومليكتك بدلاً من حالي هنا كعبدة، هناك لن يكون لي منافسون، وسأملك وحدي قلبك”. واستقرت مع مواريه على اتفاق يقضي بأن يُعلمها لحظة جلاء الجيش حتى تلحق بركبه ومعها ثروتها ومجوهراتها. 

أبدى مواريه ارتياحاً كبيراً لهذا الاتفاق، الذي حافظ به على علاقته بزليمه دون أن يضحي بديانته أو أن يُخادعها بإظهار الإسلام. كانت واقعيته واحترامه لها أكبر من أن يدفع بها إلى توهمات سوف تنتقص من هيبته ومبادئه التي يحافظ عليها. يقول مواريه: “هنا، أخذت يدها، وقبلتها بحنان دليل على الموافقة”. وظلت لقاءتهما تتم داخل الوكالة، لكن اللافت للنظر أنه أخذ مسألة تعليمها على محمل الجد، يقول: “أخذت ألقنها دروس الحساب والنحو، وكانت تستجيب لها جيداً فذاكرتها ممتازة وحكمها متين، ولديها استعداد هائل”. وبين لقاءات التعليم كان الغرام يجد طريقه في توثيق روابط الحب والوصال، وهو يقر بأنه أمضى “في دمياط أمتع الساعات في الحديث معها وفى مطارحتها الغرام”. 

بيد أن مخاوفه ظلت منحسرة في الأوامر العسكرية المفاجئة التي قد تدفع به وبكتيبته للتنقل إلى جهات بعيدة، وهو الذي اعتاد رؤية زليمه. لذلك اتفقا معها على أن يتبادلا كتابة الجوابات إذا اضطرته الظروف إلى مغادرة دمياط إلى القاهرة أو إلى أي مكان آخر. وقد أحزنه أن الفراق وقع بأسرع مما كان يتوقعه، فقد جاءته الأوامر(24 يوليو 1799) بالتحرك صوب أبي قير؛ حيث وردت الأخبار بعملية إنزال عثمانية كبيرة، وراح مواريه بين لزليمه “أن نتائج هذه المعركة قد تكون وخيمة علينا وعلى المستعمرة”. ولم يستطع كتم تخوفه من خطر الموت المحدق به بين كل معركة وأخرى. وبداهة استبد بها خوف مماثل، وما إن بلغه انتصار بونابرت في المعركة، قبل وصول كتيبته التي تباطأت في تنقلها، حتى غمرته فرحة عارمة، وسارع بإخبار زليمة بأن نتيجة الانتصار الفرنسي في معركة أبي قير ستجعله “قريباً منها، وتلقت زليمة الخبر بفرحة غامرة. 


الحب في زمن الاستعمار

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s