الرمزية وفنية البناء القصصي في «العصفورة» لحنان عبد القادر

الرمزية وفنية البناء القصصي في «العصفورة» لحنان عبد القادر

د. محمد حسن عبد الله

اللوحة: الفنان المصري حسين بيكار

إن القارئ لقصة “العصفورة” للأديبة الشاعرة حنان عبد القادر، وهي قصة قصيرة مؤثرة ومصنوعة فنيا بذكاء، يرى أنه قد أحاط بها نوعان من الخطر، كان كل منهما كفيلا بتهميشها وإضعافها، الأول أنها تستدعي مناسبة وطنية (حرب أكتوبر)، وقصص المناسبات عادة تكون ضعيفة أو على حافة الافتعال، ونادرا ما تبقى في ذاكرة القراءة.

 والثاني أن “بطلتها” طفلة، وكما أن الطفولة تعني البراءة، فإنها يمكن أن تكون استدراجاً إلى السذاجة، وهذا يسطح المعنى في القصة، ولكن الكاتبة – بمهارة واضحة- تغلبت على هذين الجانبين، وضفّرت حدثاً ممتداً بحدث ثابت، وطفلة “شقية” تحتويها عواطف “خال” شديد الحساسية والحدب على ابنة أخته. 

     وفي قصة حنان عبد القادر نجد البناء السببي والفني محكماً بدرجة بديعة، حيث تبقى العصفورة رمزاً للحرية التي خاض الخال من أجلها حرباً بذل فيها حياته، ورمزاً للجنة التي آلت حياته بعد الاستشهاد إليها، أما الطفلة، فقد نامت في الحجرة (حجرة الخال)، فأسست بذلك لعلاقة ستأتي فيما بعد، وهي التعلق بسيرة الشهيد وانتظار لقائه. 

تقول عبد القادر: 

“منذ رحيله في الصباح  تنتظره؛ حتى غلبها النعاس؛ فنامت في حجرته.. في هدوء، ربّت رأسها.. تعلقت في رقبته صائحة: أين عصفورتي ..؟؟”

وفي مكان آخر من القصة:

“قفز خلفها بجلبابه الأبيض الفضفاض، رافعا يدا إليها، والأخرى مفرودة كالجناح تحفظ توازنه في الهواء؛ فكان أشبه بملاك يسبح في عنان السماء ممسكا بجناح عصفورة. ظلت تنتظر هبوطه أرضها كثيرا، وهو لا يكف عن التحليق أبدا، كأنما شغله حب العصافير عن حبها”

في مطلع هذا القسم من القصة جاءت كلمة “رحيل” ذات الدلالات عن الابتعاد، وعن الموت، فكانت مقدمة موحية، كما كان الثوب الأبيض الفضفاض مقدمة للكفن وعلامة الدخول في النقيض(السواد)، وكذلك كانت قفزته خلف العصفورة الناجية بحريتها وثبة استشهاد، يخلفه فيه أخوه حسين، وكذلك الأمم العظيمة في تعاقب الأجيال على المبدأ الواحد. 

     وجاءت العودة في الزمن الفائت من خلال الجلباب الأبيض فيها قدر من الحيرة والضياع، وفيها إشارة إلى “عالم آخر”، فقد تضمنت مساحة من الرمز الآتي، ولكنها كان يمكن أن تكون أجود من هذا لو صبرت الكاتبة عليها قليلاً. 

وفي العبارة الأخيرة: “تطلق ناظريها في رحاب صورته؛ فتراه بعين وجدانها، ملاكا يفرد جناحيه متأبطا جناح عصفورتها.. في زرقة سماء لا نهائية”

 لو جاء وصف الصورة بما يدل على يقظة نظرتها، أو دم الحياة الذي يكاد يجري فيها، لكانت النهاية أكثر توافقاً مع البداية. 


«العصفورة» – حنان عبد القادر

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s