أيها المتوحّد … أين أنت؟

أيها المتوحّد … أين أنت؟

د. هشام منصور 

اللوحة: الفنانة السورية لبنى ياسين

ويدّعون أنّ بك توحّدًا، يا زوبعة النسيم اللطيف الذي تغزل في عيادتي خيوط شمسك اللامنظورة، فتُحيك منها عاصفة المشاعر التي تجتاحك متحدّية جهل العلم وعنجهيّة العلماء. 

هي عاصفة مشاعرَ صادقةٍ عشوائيّةٍ تطفو فوق أمواج أحاسيسنا الرتيبة الرّصينة المدجّنة، وتسمو إلى علياء الرّوح حيث تنتظم العلوم في فوضى الكينونة الخالصة. أخال هذه المشاعر شباكًا عنكبوتيّةً تمتدُّ من عينيك إلى هذا المحيط الجافّ الجامد الذي بات يخلو من عبثيّة الرّوح. وأسأل نفسي من الأسير؟ أنت أم عائلتك أم كلّ الذين يحبّونك بصمت؟

خلف هذه النظرات التائهة، خلف هذه الأفكار المتسارعة التي تعصف في مخيّلتك فراشات نورٍ حول مصابيح المساء، أين أنت؟ 

لماذا أنت هكذا؟ لماذا نحن هكذا؟

لماذا يحقّ لنا ألا نفهم لغتك ونعيب عليك أن تجهل لغتنا؟

لماذا لم نتعلّم بعد أنّ الفرادة هي مجرّد وجه آخر لحقيقة مسكننا المتعدّد النّوافذ والأبواب. مسكنٌ تكثر فيه الأبواب والنوافذ وتقلّ فيه المفاتيح.

أنت لا تنظر إليّ ولكنّني أعلم أنّك تراني.

ما أنبل أخلاقك، لا تريد أن تحدّق في أعيننا فتخجلنا إذا تواجهنا بالحقيقة: أنتم لا تعلمون.. إعترفوا أنّكم لا تعلمون.. أيّها الجهلة.. ماذا تعالجون.. أيّة أدوية لأيّة أمراض تعطون؟

وأراك منتصبًا لا مباليًا أمام مدى النّافذة، ترنو إلى الفضاء الأعلى وكأنّك تقول لنا:

لا تطلقوا عليّ اسمًا رنّانًا لا معنًى له سوى ستر عورة جهلكم. “توحّدٌ”، ما معنى هذه الكلمة، ولماذا تعطونني دواءً على أساس كلمة؟ هل تعلمون ما هو مرضي؟ هل بحثتم عن الخلل في خلايا جسدي لتعرفوا ماذا تعالجون؟

الطبّ بلغ شأوًا بعيدًا من الإنجازات وأنتم لا زالتم تبنون تشخيصكم على تصفيق يديّ ورفرفتهما وحبّي للأشكال المستديرة الرتيبة التكرار! 

نعم هذا أنا، لا أعبّر بالكلام، بل كالراقصة في معابد العليّ أعبّر بكلّ جسدي، بكلّ كلّيتي، بكلّ الأصوات التي تجود بها حنجرتي، ويغيب عن بالكم أن العليّ لا يتكلّم لغتنا ولا تغشّه كلمات وضعنا على حروفها نقاطًا منذ بضعة سنواتٍ فقط. 

تريدون أن تساعدوني، ابحثوا عن سبب مرضي ولا تكتفوا بإعطائي مهدّئات لكي أتلقّن أساليبكم في الكلام.

أصدقائي يعرفونني، أزورهم تكرارًا وأمضي الوقت معهم، هم يعرفونني ويعيدون ويكرّرون المعلومات والكلمات والحركات، قد لا أحييهم بنظرة ولكنّني أفرح بلقياهم وأستكين إلى صدورهم فهم دخلوا مساحتي الآمنة، هم يعرفونني ويتواصلون معي، ولا يحكمون عليّ بفراغٍ “أنظروا إليه كيف يرفرف” وكأنهم عثروا على  كنوز سليمان ويهلّلون “عرفت ما به”. لا بل إنّهم يتواصلون معي يلقّنونني، دعوا تلقيني لهم وأمّا أنتم فابحثوا عن سبب فرادتي، وحينما تعجزون عن إيجاد السبب، لا تتحفوا والديّ بكلمة التوحّد بل لتكن لكم نزاهة الإعتراف: الطب لا يدرك ما به هذا الملاك.

نعم يا عاصفة النّسيم أنت على حقّ، فلكّل الفرادات أسبابها، ولكنّنا لا نكلّف نفسنا الجهد والاجتهاد للبحث عنها لأننا سنعجز عن إيجادها في معظم الحالات، ولكن لا تستكن ولا تملّ، أكمل عاصفتك اللطيفة وادفع بنا إلى أحضان المعرفة، لا تدعنا نستكين إلى راحة الجهل وسجن النمطيّة الرّتيبة، وعندما تعبر قرب حديقة من تماثيلنا أطلق عاصفتك في وسطهم، قم واصرخ بوجههم.. لا تقفوا كالأصنام صامتين.. إبحثوا عن السبب.. لاتعالجوا ما تجهلون.. فقليلًا وتعلمون.


صفحة الكاتب في حانة الشعراء

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s