سلسة من الفضة

سلسة من الفضة

حسام أبو العلا

اللوحة: الفنان النمساوي غوستاف كليمنت

ظلت عينا “سيف” تحدقان في ساعته، مر الوقت ولم تحضر “منال”، سيطر القلق عليه، فحبيبته لم تخلف موعدا إلا لظروف قاهرة، دب الخوف في نفسه بعدما ظل هاتفها يرن دون رد ثم أغلق.. عاد سيف إلى منزله مهموما حزينا، كان كل ما يشغله أن يطمئن على منال ولكن كيف يصل إليها وقد أصرت ألا يعرف عنوان بيتها، أو أحد من أصدقائها أو أهلها، وأيقن أنها قررت الاختفاء من حياته عندما اكتشف أنها أغلقت صفحتها على الـ”فيس بوك”. 

لم يغمض جفن سيف ومرت الليالي بصعوبة، وظل في حيرة من هذا الاختفاء المفاجئ لحبيبته بعد أيام من الاتفاق على الزواج.. وعمق جراحه أن منال كانت بمثابة النبض الذي أعاد إلى قلبه المشاعر والأحاسيس التي افتقدها منذ أعوام. 

كان سيف يعمل طبيبا للنساء والتوليد وهو ابن أحد أشهر الأطباء، بعد تخرجه فى الجامعة عمل في المستشفى الاستثماري الذي يملكه والده، كما فتح عيادة خاصة، كان يتسم بالخجل الشديد ودماثة الخلق، كما كان ودودا في تعامله مع المريضات حتى اكتسب ثقة عدد كبير منهن، وكان محبوبا من أغلب زملائه.. لم يفكر في الزواج حيث كان منغمسا في عمله لرغبته في تحقيق مزيد من النجاح، لكن أمام إصرار والده وافق على الارتباط بابنة رجل أعمال شهير شريك لوالده في المستشفى الاستثماري.. منذ اللحظة الأولى للزواج لم يتحرك قلب سيف نحو زوجته وكان في قراره نفسه يدرك أنه زواج قائم على “مصالح مشتركة” بين والده ووالدها، لم يضجر في البداية من تجمد عواطفه ومشاعره وكان حريصا على معاملتها برقة ولطف، لكن مع الوقت استفاق على صفات بزوجته تتناقض مع شخصيته ما أصاب حياته بكآبة حيث اكتشف أنها بلا طموح ولاتضع هدفا لتحقيقه، وحياتها ما بين التسوق والتنزه، كما أن حياة البذخ والثراء التي ترعرعت فيها أفقدتها تحمل المسئولية، فلا تهتم به، ونادرا ما سألته عن أشياء تخصه في حياته والعمل. 

وبرغم أنه لا يمر يوما إلا ويولد طفل على يديه، فإنه لم يتمنى أن ينجب من زوجته خشية أن تهمله، حاول مرارا أن يغير من شخصيتها لكنها كانت عنيدة متمردة، وتقابل نصائحه بتهكم وترحل إلى منزل والدها الذي كان يفيض عليها من ماله، فضلا عما تحظى به من التدليل فقد كانت ابنته الوحيدة. 

لاحظ كثير من زملاء سيف ومريضاته افتقاده للابتسامة التي كانت لا تفارق وجهه، فكر كثيرا في الانفصال عن زوجته لكنه كان يخشى تأثر عمل والده مع والدها، أبلغ إدارة المستشفي بأنه سيغيب نحو شهر من العمل لرغبته في الحصول على أجازة من أجل الراحة لشعوره بإرهاق، استغرب والده فهو يعلم أن نجله يعشق عمله فكيف يطلب أجازة طويلة لم يطلبها عندما تزوج، اتصل به هاتفيا فأخبره بأنه في طريقه وحيدا إلى إحدى المدن الساحلية، شعر بأن خلافا دب بين نجله وزوجته، ذهب إلى منزل سيف فلم يعثر على زوجته، اتصل بها وعلم أنها في منزل والدها. 

في مساء اليوم التالي ذهب والد سيف إلى منزل والد زوجة نجله وتمكن وصديقه من إقناع الزوجة الشابة بضرورة العودة لزوجها وإنهاء الخلاف بينهما، بصعوبة اقتنعت، وفي الصباح استقلت سيارتها وذهبت لزوجها بناء على طلب من والدها الذي كان حريصا على إرضاء شريكه، وفي الطريق انقلبت سيارتها إثر حادث مروع نتيجة السرعة، ولقيت مصرعها في الحال. 

صدمة كبيرة عاشها سيف خصوصا بعد أن أخبره والده بأن زوجته كانت في طريقها إليه من أجل إنهاء الخلاف بينهما، ظل أسيرا لتأنيب ضميره ثم عاد إلى عمله، وكان يقضي معظم وقته ما بين المستشفى وعيادته الخاصة.. مرت ثلاثة أعوام ولم يفكر سيف في الزواج مرة أخرى لانشغاله في عمله، لكن دوما يتهامس مع ذاته بأمنية كان يحلم بها بأن يعثر على إنسانة تشبهه في الصفات ليستكمل معها طريق الحياة.

وبالرغم من أن سيف كان يلتقي دائما بزميلات ومريضات من بينهن جميلات، فلم تخطف قلبه إلا منال المريضة التي كانت تترد عليه في عيادته، لاحظ هدوءها ورقتها وخجلها الشديد وأناقتها، لكن كان أكثر ما كان يحيره الحزن الذي يكتسي وجهها الجميل ويسيطر على نظرات عيونها، تردد قبل أن يحدثها عن ظروفها الاجتماعية حيث كانت تأتي إلى العيادة وحيدة، وفي إحدى المرات وجدها شديدة الحزن وكانت تجيب على أسئلته بصعوبة، تخلى عن خجله وعرض عليها أن تحكي له ما تعانيه من ظروف ومشاكل، فاعتذرت وانصرفت سريعا، شعر بإحراج شديد لتدخله للمرة الأولى في خصوصيات مريضة وزاد من حزنه رد فعل منال التي اختفت نحو شهرين، فأدرك أنها غضبت من حديثه ولن تأتي لعيادته مرة أخرى، ثم فوجئ بها تدخل عليه وتطلب منه أن تتحدث معه بعيدا عن العيادة، واتفقا أن يلتقيا في اليوم التالي، مرت الليلة طويلة على سيف وصورة منال لا تفارق عيونه، وزادت حيرته بعد طلبها أن تلتقي به بعد غيابها الغامض.

 استيقظ سيف من نومه باكرا استعداد ليوم ليس تقليديا بحياته، فتح نافذة غرفته، تسلل ضوء الشمس إلى قلبه محملا بدفء وأمل طالما افتقده سنين، ألغى كل مواعيده وارتباطاته في المستشفى والعيادة وتفرغ للقاء منال، ظل يبحث وسط ملابسه عن أكثرها أناقة، كان يخلتجه شعورا بأنه قد يكون على موعد مع السعادة التي حرم منها في حال صارحته منال بأنها تبادله نفس المشاعر والأحاسيس، وفي غمرة نشوة عواطفه كان “يفرك عيونه” خشية أن يكون حلما، وكان يتهامس مع نفسه بضرورة كبح جماح فرحته انتظارا لنتيجة الموعد، وصل سيف قبل اللقاء بنصف ساعة، ظلت عيونه تلاحقه عقارب ساعته، كأنه يستجدي الوقت بأن يمر، وجاءت منال في موعدها، واستقبلها بعيون يغمرها الشوق والحنين. 

في بداية الحديث اعتذرت له عن غيابها بعدما طلب منها أن تكشف له حقيقة ما تعانيه في حياتها والذي بسببه تبدو دائما مهمومة وحزينة، بدأت حديثها بسؤال لسيف لماذا طلبت مني أن أحكي لك ظروفي؟ 

فرد: شعرت بأنك في حالة من الشجن وكانت عيونك تريد أن تتحدث ولكنها كانت تهرب مني. 

فقالت: منذ أن جئت لعيادتك وأنا أرى في شخصيتك الفارس الذي اتمناه، وعلمت بظروفك الاجتماعية وكنت اتعجب لعدم زواجك بعد وفاة زوجتك، وتفاجئت بطلبك بأن أحكي لك ظروفي فارتبكت وانصرفت سريعا وترددت كثيرا أن اراك مجددا خشية أن أضعف أمامك لكني في النهاية لم أقاوم رغبتي في أن أراك واتحدث معك.

ولمح سيف الدموع في عيون منال وهي تسرد حكايتها: 

انفصلت عن زوجي بعد أن اكتشفت تعدد علاقاته النسائية، وكانت صدمة قاسية لأنني كنت زوجة مخلصة كل ما يشغلها أن تسعد زوجها، ومنذ الانفصال رفضت عدد كبير من الأقارب والمعارف فقد كنت خائفة من تكرار الفشل وأن يكسرني مجددا لقب “مطلقة”، لم أجد صديقة أو أحد من أهلي يقف بجواري في محنتي، فأدركت أن الوحدة أرحم بكثير من أن يكون بجوارك بشر ولا يشعرون بك.

رغم ما شعر به سيف من ألم لما مرت به منال إلا أن السعادة كانت تغمره بعدما علم أن ظروفها تناسبه، كما خفق قلبه بأحاسيس مراهق يعرف الحب للمرة الأولى، وتمنى لو أنها تتخلص من خوفها من الزواج، تكررت اللقاءات بينهما وفي كل مرة كانت ترفض منال أن تعطي سيف أية معلومات عن أهلها أو مكان إقامتها، وعندما أضافته على “فيس بوك” لاحظ أنها صفحة باسم مستعار ويبدو أن كل أصدقاءها لايعرفون شخصيتها، الغموض الذي كانت تصر منال أن تحيط به نفسها أثار قلقه لكنه التمس لها العذر لما مرت به من ظروف قاسية.

مر أكثر من شهرين التقيا خلالها عدة مرات وزاد الانسجام بينهما وعانقت مشاعرهما النجوم والسحاب، ولم يغمض لهما جفن في ليالي كثيرة حيث كان الاتصالات الهاتفية بينهما لا تنقطع إلا مع الصباح الباكر، حتى طلب منها تحديد موعد لزيارة أهلها لإتمام إجراءات الزواج، فوعدته بأن تخطره بالموعد في اللقاء المقبل، وأعطته سلسلة من الفضة وطالبته بأن يرتديها وأظهرت نسخة أخرى من السلسلة وأكدت له أنها ستظل ترتديها حتى اليوم الأخير في حياتها.. الموقف رغم ما يعكسه من مشاعر جياشة أثار قلق سيف.

ثم اختفت منال وقطعت كافة السبل بحبيبها، أغلقت هاتفها وصفحتها على “فيس بوك”، ظن سيف أن اختفاؤها لتراجعها عن قرار الزواج، أصيب بحالة من الحزن وشعر بصدمة كبيرة وعزم أن يحقق مزيد من النجاحات في عمله وألا يفكر في الزواج لأن قراره كان مرهونا بالعثور على من يسكن قلبه، لكن كانت صورة منال تحاصره وذكرياتهما لاتفارق خياله، وكلما كان يشتاق إليها كان يأتي إلى المكان ذاته الذي شهد أجمل لحظات دفء لمشاعرهما ثم تتحسس أنامله السلسلة التي لم ينزعها من رقبته منذ أن أرتداها في اليوم الأخير لرؤية منال. 

وبينما كان سيف يقضي أجازة في إحدى المدن الساحلية بعيدا عن ضغوط العمل لم يصدق عيناه، حاول أن يكذبها ولكنها كانت بالفعل الحبيبة الغائبة، كانت تجلس منال بجوار رجل مسن وبجوارها طفلة، تعمد ألا تراه ولكنه تتبع خطواتها فوجدها تسكن في حي راقي وتستقل سيارة فارهة، ظل يراقب حركة كل من في المنزل وكانت تراوده أمنية بأن يلتقي بمنال بمفردها لكن كافة تحركاتها كانت برفقة الرجل المسن والطفلة. 

في ساعة باكرة استقلت منال سيارتها مسرعة ثم توقفت أمام أحد الصيدليات، في هذه اللحظة كان سيف يتبعها وقرر أن يواجهها، وما أن رأته حتى تسمرت أقدامها وأذرفت الدموع، قال لها: 

لا أريد إلا الحقيقة

بصعوبة قالت:

أرجوك احتاج العودة إلى المنزل سريعا فهذه الأدوية ضرورية لإسعاف مريض، وسوف انتظرك مساء على الشاطئ.

تفهم سيف الموقف وعرض عليها المساعدة لكنها شكرته وانصرفت، وجاءت في موعدها تخفي عيونها خلف نظارة سوداء، وبحديث باكي قالت:

أعترف أنني اخطأت بحقك لكنني أقسم لك بأنني أحببتك بصدق، وانسحبت من حياتك بعد إصرارك على زواجنا لأنه كان مستحيلا لأنني متزوجة من الرجل المسن الذي شاهدته برفقتي، هو من دولة خليجية، ويأتي إلى مصر شهر في العام ويتركني وحيدة بقية العام، وهو ما أصابني بما يشبه المرض النفسي فأعيش وهم الحب عن طريق علاقات متعددة عبر”فيس بوك” لكن دون أن أسقط في بئر الرذيلة، لكن أنت الحب الصادق بحياتي، والذي نقلني من عالم افتراضي إلى حقيقة أسعدتني، عشت معك أجمل لحظات عمري، وشعرت بصدق مشاعرك ودفء أحاسيسك، وفي كل مرة كنت التقي بك كان تأنيب الضمير يعذبني، كان بداخلي رغبة بأن أصارحك لكن أمام فيض عطاءك ضعفت، وانغمست بكل جوارحي في حبك، وكانت لحظة الوادع هي النهاية لقصة حبنا المحكوم عليها بالإعدام نتيجة ظروفي، أعلم أنك لا يمكن أن تسامحني ولن أطلبه منك فذنبي كبير خصوصا أنك أسرت قلبي برقتك وحنانك الذي لم أعرفه إلا معك. 

 دفن سيف وجهه بين كفيه، وقال لها:

من أين أتيت بهذه القسوة، وكيف طاوعك قلبك على خداع قلب أحبك بصدق؟.. طعنتك الغائرة ستظل تدمي قلبي طوال العمر، ودرسك القاسي هو الأصعب في حياتي لكن لا أنكر أنني استفدت منه جيدا، سواء سامحك قلبي أو رفض في الحالتين أنت الخاسرة، ويكفي أنني لم أفقد احترامي لذاتي.

انتفض سيف ونزع السلسة من رقبته وقذفها في وجه منال ورحل.


صفحة الكاتب في حانة الشعراء

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s