القهوة تتخلى عن طقوسها الطبقية بعد سقوط المماليك

القهوة تتخلى عن طقوسها الطبقية بعد سقوط المماليك

د. ناصر أحمد إبراهيم

اللوحة: الفنان المصري عمر عبد الظاهر

أدخل المشروع الإصلاحي لمحمد على باشا خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر تغييرات في هيكل السلطة السياسية في مصر بتحولها إلى الإدارة المركزية، وتحول النظام الاقتصادي من معيشي تقليدي إلى اقتصاد موجَّه، تعتمد سياسته بشكل أساسي على الترشيد وزيادة الإنتاج، النمو الحضري، التصنيع، تفكيك التشكيلات الاجتماعية السابقة.. إلخ)، وهو ما أثر بشكل كبير على القواعد والتقاليد الموروثة، مما يسمح بحدوث تحرر من بعض الأنماط القيمية والسلوكية التي كانت في السابق تتسلل بصورة ثابتة من جيل إلى جيل. ونتيجة للتغيرات الاجتماعية والثقافية التي صاحبت التغيرات السياسية والاقتصادية تغيرت بعض طقوس الاستقبال والضيافة، خصوصاً بعد الإطاحة بالمجموعات الممثلة لنخبة القرن الثامن عشر التي كانت راعية لهذه الآداب والتقاليد، وبزوغ نخبة جديدة عُرِفَت فيما بعد باسم «الذَّوات» أو «الذَّوات المُعتبرين»، والتي جاءت من أصول اجتماعية وثقافية مختلفة، تؤمن بأفكار ومعتقدات وعادات وقيم سلوكية مغايرة، أدى إلى حدوث تغير موازٍ في نمط المعيشة والقيم الاجتماعية والسلوك الثقافي العام. 


على الرغم من قلة الشواهد الراهنة إلا أنها تظل ذات دلالة واضحة للمسار المختلف الذى انتهجته نخبة «الذوات المعتبرين» مقاربة بنظائرهم المنتمين للحقبة المملوكية، وذلك على مستوى ايديولوجية الاستهلاك: لقد لاحظ نائب القنصل الفرنسى بالقاهرة السيد دروفتى اختلافاً مهماً بين النخبتين فى مسألة تتصل بسلعة استهلاكية أخرى – غير القهوة – وهى الملابس التى كانت تهم فرنسا باعتبارها المورد الأساسى للجوخ غالى الثمن؛ فكتب فى تقريره إلى وزارة الخارجية الفرنسية «إن القوات المملوكية التى كانت فى الماضى تستهلك كميات هائلة من الجوخ، قد حلَّت محلها قوات أخرى لا تريد سوى ادخار المال، ولا يوجد مَن يقبل على بعض منتجات البضائع الأوروبية سوى بيت الباشا وبيت أبنائه وضباط حاشيته». وقد أكد كلوت بك مسألة الحرص على الإدخار لدى هذه النخبة الجديدة، وخاصة جماعة الأرنؤود منهم، الذين لم يعرف عنهم – على حد قوله – سوى «الحرص الشديد على المال والغرام بجمعه». ويفهم من تفاصيل عديدة أوردها هذا المراقب فى غير موضع بأن شكل الثياب وكلفته ووظيفته الاجتماعية والعملية طالها التغيير، وفى مقدمة الأسباب تغير تركيبة النخبة الحاكمة وتوجهاتها وتأثر ذوى الحيثيات منها بمظهر الحلل العسكرية الأنيقة التى سارعوا بمجاراتها؛ حيث اتسم طرازها بالعملية والبعد عن الإسراف فى النفقة والاسترسال فى الزخرف، ما بلور فى النهاية ما اسماه «بالزى الحديث» المناقض للباس القديم ( وهو اللباس الطويل والفضفاض) الذى اندثر، ولم يعد يرتديه سوى من بقوا على قيد الحياة من طائفة المماليك وبعض العلماء والتجار وكتبة المصالح؛ كذا الملابس المزركشة بأسلاك الذهب التى كانت شائعة الاستعمال فى بيوت المماليك والعثمانيين، يقول عنها إنها: «تركت فى زوايا النسيان»، وحل محلها نسيج حرير الموسيلين الساذج”فضلاُ عن التوسع فى استخدام المنسوجات القطنية الأرخص كلفة. 

إن هذه المفارقة ليست بسيطة؛ لأن الادخار والميل إلى عدم الإسراف فى النفقة على الهيئة الاجتماعية شكل نقيضاً تاماً لفكرة البذخ والترف التى وفرت – فى الحقبة المملوكية- المناخ الملائم لممارسة الطقوس (عالية الكلفة) وابتكار تقاليد مصطنعة تستخدم فى تأكيد التمايز الاجتماعى. وقد تنبه إلى هذه المسألة الرحالة فولنى (زار مصر بين عامى 1783 – 1785م) الذى استوقفته مظاهر البذخ والحياة الرفاهية التى كان يرفل فى نعيمها البكوات المماليك ومن فى أذيالهم من الفئات الاجتماعية المدنية، موضحاً أن البذخ والإسراف بغير حدود كان ناتجاً عن تعقد الإحساس بضرورة نبذ كل ما يُشير إلى بساطة الأسلوب التى يتعين فى النهاية أن تميز حياة العامة (الرعية)؛ ومن هنا كان معظم استهلاك هذه النخبة الحاكمة قائماً حول أدوات البذخ والترف. ولا شك أن لذلك دلالته العاكسة لتصور هذه الجماعة لذواتها بقدر ما أنها معبرة عن موقفها من الحياة وممن كانوا يحيطون بها من الناس، كل الناس. وسوف نجد إبراهيم بك الكبير(1768-1817)، إبان لحظات التحول الأكثر دراماتيكية (بعد المذبحة ورفض محمد على باشا السماح لهم باستعادة وضعيتهم الاجتماعية والمادية السابقة) يتأسف بلغة ملؤها الحزن على زمن كانوا يحيون فيه مع سائر طوائفهم وخدمهم فى رفاهية من العيش وكثرة النفقات فى وجوه عديدة بغير حساب أو مراجعة. 

سياسة الترشيد والرقابة

إذاً فالسلطة المركزية التى اعتمدت سياسة الترشيد والرقابة، شكلت بتوجهاتها العملية فى هذا الصدد عاملاً مؤثراً بدرجة كبيرة فى محاصرة تقاليد الإسراف والترف، لتتسم حياة بعض جماعة النخبة الجديدة بالبساطة والابتعاد عن مظاهر الأبهة الفاخرة. إن حادثة التخلص من أحمد أفندى ججرت(١) (1225ه/1810) الموظف بديوان مالية الروزنامة الذى تمت الإطاحة به، وتغريمه مبلغاً طائلاً من المال؛ جراء ما ظهر عليه من استعراض لسعة حاله وثرائه، ليست فى واقع الأمر سوى واحدة من شواهد عديدة مشابهة، تركت أثرها واضحاً على قوة الإدارة المركزية فى الحيلولة دون استمرارية السلوك الترفى المبالغ فيه بين موظفى الدولة. وهو ما أكدته ملاحظة مراقب آخر، معاصر للجبرتى فى الفترة عينها، هو المستكشف الأثرى جيوفانى باتيستا بلزونى (استقر بمصر بين عامى 1815 و1819)؛ حيث أشار إلى أن رجال السلطة وكبار الموظفين فى إدارة محمد على باشا «كانوا لا يجرؤون على إظهار أقل مظاهر الثراء والغنى حتى لا يُثيرونَ الشك فى احتيالهم على سيدهم.. وأن معيشتهم فى بيوتهم كانت تتسم – فى الغالب – بالبساطة». 

ولا يصعب تصور تأثير ذلك على تغير ثقافة الاستهلاك ومن ثم عدم ايجاد المناخ الملائم لاستمرارية الطقوس ذات الكلفة العالية التى كانت تصاحب استقبال الضيف وتقديم القهوة الراقية له. لقد لاحظ بلزونى نفسه ذلك حين التقى بحاكم إقليم أسوان بالقرب من ضفاف النيل، حيث وجد هذا المسئول الكبير مع بطانته جالساً على حصيرة تحت أشجار النخيل، يشرب القهوة مع رفقائه بصورة عادية تماماً. وحينما صعد هذا الأغا على ظهر المركب الذى كان يستقله بلزونى، وتبعه بعض من اتباعه، قدم إليهم بلزونى القهوة ولم يجد أحد منهم يمتعض من طريقته فى توزيع القهوة عليهم جميعاً دونما تمييز!.

تبسيط أسلوب الحياة

اقترنت عملية تبسيط أسلوب الحياة والابتعاد بها عن مظاهر الاستعراض المادى بضرورة النظر فى مسألة امتلاك عدد مبالغ فيه من الخدم، وهى كما هو معروف واحدة من الأدوات التى لطالما استخدمتها النخبة التقليدية فى استظهار حال اليسار. ومرة أخرى يُبرز كلوت بك شهادته بشأن دلالة هذا التغير؛ إذ يقول: «كان رب البيت فى السابق مضطراً دوماً فى قضاء حاجته، ولو كانت تافهة، إلى الاعتماد على أناس مختلفين، ويستخدم عددا عظيما من الخدم والقيام بالإنفاق عليهم جميعا. لقد تغيرت هذه الحال بعض الشىء؛ إذ قل عدد الخدم كثيرًا عن ذى قبل، واقتصر الناس على الاحتفاظ بمن لا يستغنى عنه منهم، وذلك بفضل سمو الوالى ونجله إبراهيم باشا اللذين نصبا نفسيهما للقدوة فى هذا الموضوع». ومسألة محاكاة رأس السلطة فى تغيير سلوك ذوى الحيثيات وجدت سبيلها واضحاً مع التزام الباشا وولده بتطبيق قواعد التغيير على أنفسهما شخصياً. 

إلغاء مظاهر الفروق الاجتماعية

ثمة متغير آخر ترك أثره فى ذات الاتجاه وهو إصدار الدولة العثمانية نفسها لعدة قوانين فى أواخر العشرينيات من القرن التاسع عشر، استهدفت توحيد المجتمع العثمانى، وتفعيل التمازج بين طبقاته، وإلغاء الكثير من مظاهر الفروق الاجتماعية، وكل ذلك جعل كثيراً من المظاهر الشكلية، وخاصة تلك التى كانت تحدد مرتبة الفرد ومهنته ومكانته الاجتماعية تأخذ فى التلاشى. وقد ألمح كلوت بك إلى هذا «الاتجاه الإصلاحى وأهمية نتائجه الطيبة فى إزالة الفروق»(٢)؛ ومن ثم حدثت ما اسماه عاصم الدسوقى «عملية موازنة فى المجال الاجتماعى والاقتصادي».

ويبدو لنا أن كل هذه التطورات وغيرها شكلت على امتداد القرن التاسع عشر ظرفاً موضوعياً للتقليل من الاهتمام بمظاهر البذخ والترف (على الطريقة المملوكية) ومحاصرة ثقافة التبذير فى الأوقات الحرة بصورة غير مباشرة فى ظل تحميل المجتمع أعباء وضغوط عملية التحديث، وأن أعداد المتشيعين لهذه الثقافة تضاءلوا نسبياً وبصورة تدريجية.

بيد أنه يتعين المفارقة بين ما فرضته رأسمالية الدولة الحديثة فى هذا الاتجاه وبين حاجتها هى إلى المظاهر الطقوسية المؤكدة لمكانتها الاعتبارية ولصون هيبتها وناموس الدولة: فعلى الرغم من عزوف محمد على باشا عن ضروب التبذير والمباهاة فى جُلّ سلوكه، والدفع بكبار موظفيه فى هذا الاتجاه؛ إلا أنه أبدى الاحترام الكامل لفكرة الطقوس وآدابها المرعية لما ترمز إليه من رسم صورة الحاكم وذويه ولكونها معبرة فى النهاية عن ناموس الدولة وهيبة الحاكم وطريقته فى تكريم ضيوفه ممن كانوا يترددون على ديوان حكمه. وقد وصل حرصه فى هذا الأمر إلى حد اتخاذه قراراً بنفى مجموعة من الخدم (مقدمى القهوة) إلى الحجاز مدى الحياة؛ بسبب قيامهم بتقديم القهوة بأيديهم اليسرى لضيوفه الأجانب، حيث كان يستقبلهم بالديوان، وهو ما جعله يشعر بالحرج – كما يقول كلوت بك – من خروجهم عن التقاليد المتبعة وسوء أدبهم وقلة اكتراثهم بضيوفه!(٣). 

أفول تقاليد القهوة وآدابها

مرت بنا الكثير من الشواهد التى فاضت بها مصادر القرن التاسع عشر والتى من خلالها تعرفنا على استمرارية الكثير من آداب وطقوس شرب القهوة فى بلاط أسرة محمد على باشا وبعض عائلات كبار موظفيه من ذوى الحيثيات والاعتبار. وإلى جانب ذلك لا يمكن أن نغفل تأثر تلك الآداب والتقاليد بمتغير آخر تمثل فى محاكاة بعض قواعد الاتيكيت والتقاليد والمراسيم الدقيقة السائدة فى بلاط حكام وملوك أوربا الذين احتك بهم خلفاء محمد على باشا، وهذا على الأقل هو الانطباع الذى نخرج به من قراءة مذكرات خديو مصر عباس حلمى الثانى (إبان رحلة تعليمه فى أوربا فى ثمانينات القرن التاسع عشر). بيد أنه لا يجب أن ننسى أن هذه الاستمرارية ظلت تخفى وراءها تغير مهم وهو أنها بقيت عند حدود شريحة محدودة مرتبطة بالسلطة، فيما كانت بالمقاربة مع عصر البكوات المماليك فيما قبل القرن التاسع عشر، تتسع لفئات عديدة بشقيها العسكرى والمدنى والتى أدت مغادرتها (القسرية) لمواقعها من على قمة الهرم الاجتماعى إلى انكماش المساحة الاجتماعية التى كانت تمارس فيها طقوس وآداب الضيافة.


(١)يروى الجبرتى بأن أحمد أفندى هذا “لما سافر إلى الباشا بدفتر الفرضة إلى ناحية أسيوط طلع إلى البلدة في هيئة وصحبته فرش وسحاحير وبشخانات وكرارات وفراشون وخدم وكيلارجية ومصاحبجية والحكيم والمزين فلما شاهد الباشا هيئته سأل عنه وعن منصبه فقيل له أنه جاجرت من كتبة الروزنامة فقال إذا كان جاجرت بمعنى تلميذ فكيف يكون باش جاجرت أو قلقاوات لإقليم فضلًا عن كبيرهم الروزنامجي وأي شيء ذلك وأسر ذلك في نفسه وطفق يسأل ويتجسس عن أحوالهم لأنه من طبعه الحقد والحسد والتطلع لما في أيدي الناس”، وبفضل تدخل المحروقى وشفاعته تم تغريمه فحسب 80 كيساً؛ أى حوالى ألف و٦٠٠ بارة!؛ راجع الجبرتى: تاريخ مدة الفرنسيس بمصر، تحقيق وترجمة ش. موريه، ليدن 1975.

(٢)راجع على سبيل المثال ما أورده بخصوص توحيد الثياب الضيقة والتخلى عن الملابس الواسعة والطويلة والمزركشة بأسلاك الذهب والملابس الحريرية التى كانت شائعة زمن المماليك، كلوت بك: لمحة عامة إلى مصر، ترجمة محمد مسعود، القاهرة 2011

(٣) ومما له دلالته ما أوضحته دراسة سهام الدبّابى الميساوى أنه فى التراث العربى كان تقديم الأطعمة والأشربة باليد اليسرى نذيراً بالفاقة والقحط وسوء الطالع، كما يدل على النقص والعجز والتذبذب واختلاط الأمور؛ بينما التقديم باليد اليمنى يرمز إلى الخصب والسعد والبركة. راجع دراستها: “الطعام والشراب فى التراث العربى، منشورات كلية الآداب والفنون والإنسانيات بجامعة منوبة، تونس 2008.


اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s