هكذا تكون الأنثى

هكذا تكون الأنثى

حنان عبد القادر

اللوحة: الفنان النيجيري كليمينت نوافر

ما أجمل عمر المراهقة، وما أقساه ! 

فيه تتفتح زهرات عواطفنا، وينبض قلبنا الغض لكل جميل، تتصارع أفكارنا وانتماءاتنا، وتثور حرارة الاندفاع خلف كل غريب وطريف في دمائنا، نفارق طفولة ندية كنا ننعم فيها بدلال وتواكل لا حد له، لنستقبل عنفوانا وتمردا، طموحا وآمالا، مثابرة ومسؤولية نتطلع لها، نعشق عالم الكبار بكل مافيه، نراهم السلطة المطلقة التي نودها.

 إيه يا ذا الوقت، كم كانت لك من متعة بكل لحظاتك، مرها وحلوها، لما تنفستك، ما كنت أدري كنه ما يحدث لي من تغير شكلا ومضمونا، جل ما أتذكره أن كان لي قواما يثير حولي التعليقات، يعلق بي النظرات تتابعني، وأنا أمشي خجلى، أحاسب في خطوي حتى لا ترتج تضاريسي الناهدة، فأموت فرقا، لم أنتبه كم كبرت وتغيرت حتى اعترضني ابن الجيران قائلا في همس حيي: أحبك.. توردت، وتلعثمت خطواتي كدت أسقط من ذهولي، صوت ضربات قلبي يعلو على صوته: أنتظر ردك فكوني رحيمة بي أرجوك.

 أمام مرآتي وقفت أطالعني، أتفحص هذا البض الذي كان بالأمس، ثم صار كائنا آخر أبهى وأجمل وأكثر إثارة، أهكذا تكون الأنثى؟! تلك التي تثير بخطوها العقول، وتخطف بجمالها القلوب؟! آها.. هكذا صرت إذن، ولجت عالم الكبار من أجمل أبوابه، فما أرقها من كلمة: أحبك، وما أعذبه من إحساس!

 ياه.. ياترى كيف سأواجهه؟ بم أرد؟ هل أبادله نفس المشاعر حقا؟ هل ما يعتريني الآن مشاعر صادقة تجاهه، أم فرحة عصفور لأول مرة بالطيران؟ وكيف لي ذلك وأنا لم أنتبه لوجوده قبل تلك الكلمة؟! كلمة سحرية قلبت معاييري، جعلتني أرى مشاعري، أكتشف نفسي من جديد، كلمة زادته ألقا، وجعلت له وجودا في خيالي، وزادتني ثقة، وبلورت رؤيتي لكينونتي، نعم.. الآن لي كيان، كيان مستقل، ولي رأي ينتظره الآخرون على جمر!

  • نعم.. هذه أنا..!

 مرت أيام أتلصص إلى عينيه المتلهفتن، وأتلذذ في أعماقي بحيرته وترقبه، وفي الحقيقة، كان الصراع على أشده في روحي، بين عقل يمنطق لي الحياة، ساردا كل ما جمعت ثقافتي المتواضعة، وقراءاتي الغضة، وبين مشاعر بكر أحب أن أحياها بثورتها وجنونها وعبقها.

 فاض به الوجد؛ فواجهني.. قلت في ثبات: أشكر مشاعرك الطيبة نحوي، وأشكر ما منحتني إياه من رؤية؛ فقد اتسعت أمامي الحياة برحابتها، وانجلت رؤيتي لنفسي وأفكاري فيها، لكني لا أستطيع مجاراتها، فلست مؤهلة بما يكفي لأخوض في لجتها، وما زال لدينا – أنا وأنت – من المهام ما هو مقدَّم عليها؛ كي نرسم مستقبلنا بشكل أجمل.

قال: أذهلني تفكيرك رغم روح الرفض البادية فيه، ورغم ألم يعصر فؤادي، إلا أن فتاة مثلك لا تُضَيَّع، سأنتظرك مهما طال المشوار أو تفرقت بنا دروب الحياة، سأنتظر حلولك على قلبي سكينة وأملا يبهج دنياي. 

 كم منا وقف على تلك العتبة الفارقة، ولم يستطع التقدم للغد بشكل أفضل؟

 كم زهرة ذبلت قبل أوانها، وكم بلبل حجب عن التغريد؟

 كم من آمال تحطمت بجريرة وعود ذهبت أدراج الرياح، أو بتصلب رأي كان يرى أنه الأفضل؟

 ماذا لو أعطينا لفتياننا وفتياتنا الفرصة للمصارحة، للتعبير عما في دواخلهم من مشاعر ندية في وجودنا، لاختيار ما يحبون لا ما نفضل نحن؟ فزمانهم غير زماننا، وما علينا سوى إسداء النصيحة، وعلى أكتافهم مسؤولية الاختيار.

 ماذا لو فتحنا لهم أبواب الحياة بالقراءة والثقافة والتوجيه الرشيد دون مصادرة على أفكارهم؟

 ماذا لو أعطيناهم من وقتنا ما يزيد أوقاتهم بهجة وحرية ومعايشة عملية للحياة؟

ماذا.. لو؟ 

رأيان على “هكذا تكون الأنثى

  1. وتبقى أسئلتك سيدتي مطروحة ، لا لشيء إلا لأننا لم نفقه بعد ثقافة المحاورة بيننا وبين الأبناء إلا من رحم ربك

    Liked by 1 person

    1. سيدتي الكريمة.. شكرا لمرورك وتوقفك للقراءة، ونعم بالفعل نحن نفتقد أسلوب الحوار الموضوعي مع أبنائنا، لذلك نفقد أجيالا من المبدعين والفاعلين الذين تبنى الحضارات على أكتافهم.
      شكرا لك تاليا سيدتي.

      Liked by 1 person

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s