«جوابات» مراد بك إلى الجنرالات الفرنسيين وتمثلات الذات المملوكية

«جوابات» مراد بك إلى الجنرالات الفرنسيين وتمثلات الذات المملوكية

د. ناصر أحمد إبراهيم

اللوحة: الفنان الفرنسي هوراس فيرنيه (مذبحة المماليك في مصر)

تتناول هذه المقالات دراسة مصدر جديد لتاريخ المماليك في مصر، وهو عبارة عن مجموعة كبيرة من «جوابات المماليك»، تعود إلى عام 1800 / 1801؛ أي أنها تغطى جزءاً أساسياً من فترة الحملة الفرنسية وتكشف علاقة الفرنسيين بالمماليك والمجتمع في تلك الفترة.

وفي هذا المقال وهو الأخير، يسلط الدكتور ناصر أحمد إبراهيم الضوء على ما تكشفه هذه الرسائل – بصفتها مصدراً أدبياً واجتماعياً مهماً – من مكنونات الذات المملوكية، وكيف ترى هذه الذات نفسها وتقدمها للآخر، وهو ما قد يساهم في فهم أكثر عمقاً لهوية المملوك، ويخلص إلى أن هذه الهوية لم تكن ثابته جامدة، وأن الفصل بصورة حدية بين المماليك والمجتمع المصري، ليست سوى أفكار متخيلة لا تدعمها وقائع أو شواهد تاريخية، ويقترح في ضوء نتائج هذه الدراسة رؤية تفسيرية جديدة تمثلها فكرة “المجتمع الحاضن” القادر على الاحتواء الثقافي للآخر عبر صيغة تعايشية مستمرة ومتراكمة؛ أدت في النهاية إلى اندماج المماليك في المجتمع المصري في القرن الثامن عشر.


لنطرح في البداية هذا التساؤل: كيف أمكن للذات المملوكية أن تقدم نفسها عبر الجوابات، وبالأخص عبر قاموس مفردات اللغة العامية الشائعة في بنية كتابة الجوابات؟ وما هي الدلالة وراء قراءة مفاهيم معينة، آمنت بها الطبقة المملوكية واستعارتها من منظومة الأصول القيمية التي كانت تحكم سلوكيات وثقافة العامة؟. إن هذا السؤال الصعب في الحقيقة، يحتاج إلى المزيد من التأمل، ويحتاج أيضاً إلى إفراد دراسة مستقلة، لكننا هنا سنكتفي بالبحث عن الدلالات التي تحيلنا إلى فهم صورة الاندماج المملوكي في ثقافة المجتمع، وما يمكن أن يكشف عنه من أبعاد معينة تتعلق بهذه الظاهرة الجديرة بالدراسة. 

وبرغم الطبيعة الرسمية للجوابات؛ كونها متبادلة بين جنرالات عسكريين (مماليك وفرنسيين)؛ إلا أنها تسمح باستكشاف الجانب الذاتي وراء النصوص، بل الأكثر من ذلك أنها تنقلنا بدرجة عميقة إلى مناطق لها طابع الخصوصية في حياة المملوك، وأفكاره، ومنظوره إلى نفسه وإلى اتباعه، وقيمه الاجتماعية؛ مما يجعل الجوابات تتجاوز الدلالات السياسية المباشرة الظاهرة فوق السطح. وفي الحقيقة لم يكن ذلك صدفة على الاطلاق؛ إذ إن طبيعة الشك التي تزايدت إزاء الأمير مراد بك وشبكته الاستخباراتية الواسعة، واستمرارية اتصالاته بالبكوات المماليك في المعسكر العثماني ببلاد الشام، كانت قد أثارت الريبة لدى القائد العام للجيش الفرنسي (الجنرال مينو)، وخاصة مع تنامي أخبار الرقابة على أمير الصعيد مراد بك، والتي أظهرت شكوكاً في لجوء مراد بك إلى تسليح كل من كان يستطيع ضمه من البكوات المشتتين في زمن الاحتلال.

تعريف الفرنسيين بقيم المملوك ومجتمعه

ومن هنا حدث في الجوابات نقلة نوعية على مستوى الكتابة؛ إذ بدا مراد بك معنياً بتعريف الآخر الفرنسي بالقيم التي يؤمن بها المملوك وبالمجتمع الذي يمثله كاستراتيجية كتابية في الدفاع عن نفسه وعن توجهاته السياسية، فبدت الكتابة بالجوابات كأنها نافذة يمكن أن نطل من خلالها على الذات المملوكية من الداخل، الأمر الذي جعل الجوابات تبتعد عن صرامة المعلومات العسكرية والسياسية. بدأ ذلك تحديداً منذ الرسالة رقم 59 التي أعرب فيها مراد للجنرال دونزلوه عن قلقه من القائد الجديد؛ متمنياً عبر استخدامه لاصطلاح “العشم” (وهو اصطلاح غائر في تراث الذاكرة الشعبية المصرية) استمرارية السلام والتحالف المملوكي الفرنسي: “وبقا عشمنا في حضرته السعيدة [الجنرال مينو] حكم ما كان عشمنا في حضرة كليبر صاري عسكر في كامل الوعد الذي اوعدنا به.. وكان محب لطرفنا ويعشمنا بكامل الخير“. ما يظهر درجة من القلق والتوجس بشأن استمرارية علاقة التحالف، لكنه يظهر من جانب آخر، وهو الأهم بالنسبة لدراستنا، حالة الانفتاح الثقافي المملوكي على قاموس العامة وأعرافهم، ينهلون منه بما يعبر عن أفكارهم أو توجهاتهم السياسية، هذا فضلاً عن تلبيتها بالقطع ما يتعلق بإدارة شئونهم الحياتية الخاصة. 

إن مكونات صورة الذات المملوكية وأبعادها تتوائم مع مفاهيم المصطلحات ودلالتها الوظيفية التي لجأ إلى استخدامها مراد بك واتباعه البكوات المماليك؛ للتعبير عما تمثله كينونة المملوك؛ فقدم من خلال الجوابات منظورات متنوعة؛ تفيض بتمثلاته الذاتية. فمثلاً كان من المتوقع أن تفسح الجوابات عن معاني تتصل بأساسيات الفروسية المملوكية؛ وخاصة في ظل وعي مراد بك بخطورة التحدي الوجودي الذي تواجهه الطبقة المملوكية منذ مجيء الفرنسيين، وتوجساته قبل مستقبل لا يمكن التنبؤ به. 

التعبير السياسي بتبني قيم عامة الشعب 

من هنا نجده يركز في الجوابات على طرح مفهوم “الكلمة” كشرف وأمانه وواجب وقانون، والتي تبلور جميعها مفهوماً أخلاقياً في حياة المملوك. ويمكن الحصول على هذه الصورة من خلال مقاربة نصوص الجوابات باعتبارها مجسدة للأنا المملوكية، وباعتبارها أيضاً مخزوناً للمعاني والدلالات المعبرة في النهاية عن ملامح الهوية المملوكية التي أراد أن يرسم خطوطها مراد بك واتباعه في عيون الفرنسيين أنفسهم، وذلك بصرف النظر عن درجة واقعيتها أو مصداقيتها؛ فالصورة في حد ذاتها فعل سعى إلى تجسيده في شكل مطالب أحياناً، وفي صورة احتجاج أدبي أحياناً أخرى.  لكن ذلك كله اعتمد في صياغته على استعارات متعددة من معجم القاموس العامي، وهو الأمر الأكثر دلالة في التأكيد على ما ذهب إليه المتخصصون في علم اللغة الاجتماعي؛ حيث ينظرون إلى مسألة تعلم لغة ما باعتباره “تكييفاً اجتماعياً” أكثر من كونه اكتساباً، ويرون أن تعلم اللغة لا ينفصل عن تعلم تراث هذه اللغة وما تتضمنه من أفكار وقيم، وما ترتبط به من تصورات وسلوكيات، فالمتعلمون يكتسبون اللغة ويتشربون معها مضامين اجتماعية كثيرة مثل القيم والميول والعواطف وغيرها. فاللغة ليست محايدة ولا موضوعية، بل ممتزجة امتزاجاً قوياً بموروثها الثقافي والاجتماعي، وتشكل جزءا كبيراً من طريقتهم في الحياة. إن تعلم اللغة هو فعل تمثل، ويؤكد البعض استحالة فصل التمثل عن استخدام اللغة في التواصل، وأن القيمة الاستعمالية أو الاتصالية للغة مرتبطة بتمثل القيمة المعرفية والرمزية، وتعبر عن ثنائية متلازمة. 

لقد وجد مراد بك في معين لغة العوام الدارجة التي استوعبها من قبل، ما يمكن أن يعبر بشكل ملائم عن قاموسه السياسي، سواء في إدارة مواقفه السياسية، أو في مكاتباته مع الفرنسيين. سنجده مثلاً يعتمد بصورة متكررة على مفهوم نفي “الغش” أو “الموالسة” الشائعتين في الاستعمال عند العامة: فيكتب للفرنسيين بأنه قطع على نفسه عهدا بالحفاظ على تحالفه معهم، وكلمته هي الضمانة لذلك، وهنا تجد المفردات بتركيبتها الشفوية الدارجة تفوح في جمله وعباراته كلها، منها قوله: “الكلام لم في غش.. الغش لم نرضاه.. لم هناك غش في قلبنا.. احنا ماشين على الصدق والمحبة.. ما في كلام زايد وناقص”. ويطرح التزامه بإمدادهم بالمعلومات الاستخباراتية التي يتحصل عليها عبر استخدامه اصطلاح “الواجب”، وهو مفهوم أخلاقي أيضاً، لكنه قرنه بمفهوم الكلمة / الشرط، فنقرأ في جوابه رقم 73: “واجب علينا نخبركم حكم ما شرطنا معكم ان كامل ما يورد علينا من الأخبار نعرفكم عنه”. 

شرف الالتزام بالكلمة وإعجاب الجنرال دونزلوه بجوابات مراد بك

إن علاقة التحالف كما يراها مراد بك لا تضمنها وثيقة ممهورة كتلك التي وقعها مع صاري العسكر كليبر (في 5 أبريل 1800)، وإنما تستند في الأساس إلى احترام الكلمة، والكلمة عنده شرف وعرض. ويكرر تبريراته في الجوابات، غير مرة، بأن العثمانلي صار هو الخصم المشترك، أما الفرنسيين فهم الحليف القريب؛ كقوله: “واحنا لم بقى لنا احدا محبين خلاف الجمهور الفرنساوي ولم بقى لنا امن من طرف العثمانلى مطلق وانتم تعرفوا ذلك لم تعوزوا من يعرفكم”. ولذلك استخدم في التعبير عن رفضه لتنامي الشك فيه أو الاستماع إلى الوشايات كلمات بسيطة متداولة بين العوام، من قبيل: “تسليط المكرهين”.. “كلام المنافقين”. ولتهدئة التوتر ونفي الشكوك، يستعير اصطلاح شائع الاستعمال بدرجة كبيرة وملفتة مثل “مسك الخواطر”، الذي لا يمكن رصده في القواميس المعجمية، وقد أحسن استخدام دلالاته سياسياً: “انتم بقيتوا محبنا واصحابنا وواجب علينا وعليكم راحة بعضنا ومسك الخواطر وان شا اللـه تعالى المحبة دايما في الزيادة”. وقد نوَّع من استخدام المفردة الحاضرة بطول الجوابات، فتارة يستخدمها في التعبير عن الاهتمام أو الطلب “إن خاطرنا عندكم كتير قوى”، “وخاطرنا نعرف من حضرتكم اذا كنتوا..”، “بلغنا انكم كلفتوا خاطركم وتعبتوا في جرتنا..”، وتارة أخرى قام توظيفها كمرادف لكلمة “العشم” كقوله “جبر خاطر.. جبر الخواطر” وتارة ثالثة كتعبير عن الالتزام بتنفيذ طلب معين “لم نقصر لأجل خاطركم”، وأخيراً وليس آخرا كتعبير عن التوصية على أحد اتباعه أو المستجيرين به، كقوله “لاجل خاطرنا تريحوه”، و”توابعنا توابعكم والحال واحد”، و”خدامنا خدامكم” إلخ.  ويتضافر مع كل ذلك تعبيراته عن احترامه للضبط وللقانون، والذي استخدم بشأنهما مفردة “الستر”، وقام أيضاً بتنويع استعمالاتها كما عند ممارسات العامة: “سترتنا سترتكم وراحتنا على اللـه تعالى وعليكم ولم تخلوا العدويين.. يفرحوا فينا”، “مرادنا الضبط والسترة معاكم”، “لأجل سترتنا معاكم”، ” احنا مرادنا ضبط الغز لأجل سترتنا من الجمهور”…إلخ. ومرة أخرى نجده يستخدمها بمعنى “العشم” كقوله حين أرسل هدية للجنرال دونزلوه كانت عبارة عن حصان عربي، “لم هو مقامكم لكن المحبة تستر”.. إلخ. أو تعبيره عن مفهوم “قلت الأدب” (ويكتبها بالتاء المفتوحة كما في جوابات العوام)، والتي عنى بها تجاوز الأعراف والقيم والأصول المرتبطة بالالتزام بالواجب والأصول. وغير ذلك حتى لا اطيل من صيغ واستعارات معجمية مستقاة من معجم متقادم، ذات نكهة شعبية أصيلة، لأعراف العامة وممارساتهم اللسانية المعتادة، والتي تحيلنا في النهاية على مرجعية ثقافية غارقة في المحلية، استلهمتها الطبقة الحاكمة المملوكية عبر صيرورة ما يمكن تسميته بـ “المواءمة الثقافية” مع ثقافة المجتمع الحاضن، لكنها كذلك تؤكد الشعور الجمعي المتولد عن استخدام اللغة وما تختزنه من قيم سلوكية وتواصلية.

وبعيداً عن دلالات اللغة، فإن إعجاب الجنرال دونزلوه  بجوابات مراد بك، ليس – بداهة – لوقع الكلمات العامية ودلالاتها، لأنها كانت تترجم له إلى اللغة الايطالية التي لعبت دور اللغة الوسيطة بين الجانبين، وإنما أعجب بمضمون ما كان يطرحه فيها من مبادئ وقيم تعبر عن ملامح مهمة من فروسية المملوك وهويته، وخاصة توقفه عند مفهوم الالتزام بشرف الكلمة كما ذكرنا آنفاً: ففي أحدى مراسلاته إلى الجنرال مينو كتب دونزلوه يقول: ” إن مراد بك شديد الوفاء والصداقة مع الفرنسيين،وله كلمة يحافظ عليها بحياته، وإننا لا يجب الشك فيه، وأن مصيره مرتبط بمصيرنا، وإذا حدث لا قدر الله مكروه وانقلب الحظ ضدنا، سينضم فوراً إلينا؛ إذ ليس لديه أي جانب آخر يناصره.. لقد حلف برأسه أنه في حال الهجوم علينا سيحافظ على أمن الصعيد من أول أسوان حتى أبواب القاهرة“. إن هذا يبين إلى أي حد نجح مراد بك في استخدام الجوابات للتعبير عن كثير من أفكاره ومبادئه والتزاماته الأخلاقية، وفي رسم صورة المملوكي (الفارس) في عيون الفرنسيين، بالصيغة الشعبية التي استند في بلورتها إلى رصيد هائل من قاموس لغة العوام.

صدمة المترجمين أمام الازدواج اللغوي بين الفصحى والعامية

لكن حال الجنرال دونزلوه ليس هو حال غيره من أمثال المترجمين والمستشرقين؛ إذ ثمة مفارقة بين الجنرال والمترجم إزاء موقفه من لغة الجوابات: فإذا كان الجنرالات قد اهتموا بدراسة المضمون الذي سمح لهم بفهم الشخصية المملوكية، فإن المترجمين والمستشرقين المصاحبين لجيش الاحتلال قد اكترثوا بدراسة ظاهرة العامية نفسها كلغة مستقلة عما وجدوه في بطون الكتب؛ حيث هالهم أن الجميع هناك يتحدث بها حتى علماء الأزهر، وهو ما شكل مفاجأة كبيرة وصادمة في آن. فعلى سبيل المثال نجد المستشرق جان جوزيف مارسيل (مدير المطبعة) يسجل في مذكراته ندمه على أنه أنفق من عمره عامين في تعلم العربية الفصيحة الموجودة في بطون الكتب؛ إذ به يكتشف أنها غير متداولة في الواقع، وأن ثمة ازدواجية واضحة في اللغة المستعملة، وأن رجال الأزهر سخروا منه حين قالوا له: “أنت تتحدث كما لغة الكتاب”!  Ils me disaient que je parlais comme un livre، وبقدر ما كانت صدمة قوية لجان جوزيف مارسيل ولغيره من المترجمين والمستشرقين، بقدر ما كان كشفاً مهماً، عادوا به إلى فرنسا ليذيعوه، ويتم التعريف بالعامية لأول مرة، كلهجة مستقلة. وفي خضم تجربة الاحتلال، اضطر المترجم مارسيل الى تعلم العامية، ومن أجل ذلك اهتم بجمع مفردات اللغة العامية، ونشر قاموساً لها على مطابع الحملة بعد عام واحد من الاحتلال؛ ثم أعاد وهو في فرنسا تنقيحه وطباعته مرة أخرى إبان غزو فرنسا للجزائر. ومن دون شك شكلت هذه المسألة تجربة مهمة للدبلوماسية الفرنسية فيما بعد في القرن التاسع عشر، إذ بات من مسوغات اختيار “ترجمان” فرنسي بالقنصلية الفرنسية في الاسكندرية أو القاهرة أن يكون له خبرة بالواقع المحلي ومدة ممارسة للغة السائدة هناك.

ومن المفارقات التاريخية في هذا الصدد كذلك، أن نجد بعض المماليك الذين اصطحبوا الجيش الفرنسي في عام 1801، تلجأ إليهم فرنسا؛ لتستخدمهم كمترجمين في حملتها الاستعمارية على الجزائر، لتستفيد من معرفة المماليك باللغة العربية بلهجتها العامية، وما أحرزوه من اتقان للغة الفرنسية، فتم إلحاقهم بجيش احتلال الجزائر، وهناك سوف يُفاجأ الفرنسيون مرة أخرى بأن مستوى اللهجة العامية في شمال إفريقيا كان مغايراً إلى حد كبير لنظيرتها المصرية. 

المجتمع الحاضن والاحتواء الثقافي.. تعبير دقيق عن جدلية العلاقة بين المملوك والمجتمع المصري

نخلص من هذه الدراسة إلى أن جوابات المماليك تشكل مصدراً أدبياً واجتماعياً مهماً، يمكن أن يمكننا من إعادة طرح سؤال الهوية المملوكية من جديد. ولعل أحد أهم النتائج أننا لا يمكن التعامل مع المملوك في العصر العثماني على أنه معطى جامد وثابت لا يتغير، لأن المماليك طوروا من وضعيتهم الاجتماعية والفكرية جيلاً بعد جيل وفق مصالحهم، وأيضاً بحسب تطور علاقات القوة مع المركز العثماني. ولما كانت الدولة العثمانية نفسها قد انقلب حالها بشكل فعلى منذ ثمانينيات القرن السابع عشر؛ حيث بدأت في التراجع، فإن النخبة المملوكية ومعها الفرق العثمانية نفسها في القاهرة، كانت أسرع استجابة لتغيير دورها الذي شهد نقلة نوعية في السيطرة على الاقتصاد وتسيد قمة السلطة في المجتمع، وتحويل علاقة التبعية مع استانبول بمرور الوقت إلى علاقة شكلية وخاصة منذ ستينيات القرن الثامن عشر. وترتب على ذلك ابتعاد المماليك عن ثقافة المركز العثماني، وضعفت ظاهرة الازدواج اللغوي والثقافي لصالح توسيع المجال للانغماس في الثقافة المحلية. 

وكان تعلم اللغة العربية بمستوياتها العامية وشبه العامية (الوسيطة)، وممارسة الكتابة بها، أكبر نتائج التحول في ثقافة وهوية المملوك، وفي الوقت عينه كان ذلك نوعاً من استراتيجية دفاع البكوات المماليك عن مصالحهم، وتأكيد شرعية وجودهم بالمجتمع باعتبارهم الممثلين له في قمة السلطة. أيضا تبين الدراسة أن المملوك شغلته قضية نبذ “الاغتراب” عن نفسه، وهي الظاهرة التي لازمته منذ حادثة الخطف وانقلاب مصيره رأساً على عقب، فأمكنه تحقيق درجة من اختزال المسافة مع المجتمع، وذلك لقناعته بأهمية التقارب الثقافي، وأهمية تكيفه الاجتماعي، عبر إعادة تمثل قيم المجتمع الحاضن له واحترام آدابه وثوابته؛ وكل ذلك كان بحثاً عن الشرعية التي تكسبه قوة في تأكيد أحقية وجوده في قمة السلطة وفي مواجهة العثمانيين المنافسين له.

أخيراً وليس آخراً، يتعين التأكيد على أن فكرة العزلة والتقوقع والانكفاء على الذات المملوكية، أو التصور السائد في بعض الاتجاهات النظرية عن وجود حدود ثقافية أو لغوية صارمة، فصلت بصورة حدية بين المماليك والمجتمع المصري، لم تعد سوى أفكار متخيلة لا تدعمها وقائع أو شواهد تاريخية، وأننا نقترح في ضوء نتائج هذه الدراسة رؤية تفسيرية جديدة تمثلها فكرة “المجتمع الحاضن” القادر على الاحتواء الثقافي للآخر عبر صيغة تعايشية مستمرة ومتراكمة؛ إذ إنها أكثر ملاءمة لتفسير طبيعة المملوك، وفهم الظروف الموضوعية وراء التحولات الثقافية والاجتماعية التي مرت بها هويته، والتي أدت في النهاية إلى اندماجه في المجتمع المصري في القرن الثامن عشر. ولم يكتب لهذه النتيجة بالطبع الاستمرارية بعد عام 1801؛ فقد أدت التطورات اللاحقة إلى تبديد القوى المملوكية، ثم تصفيتها في مذبحة المماليك، التي ترمز إلى نهاية ظاهرة “المصرلية”، وتآكلها كطبقة اجتماعية وكجماعة نخبة، وما تمخض عن ذلك كله من تهيئ الأجواء لعودة الثقافة العثمانية، لتطل برأسها مع مجيء التحديث في عصر محمد علي باشا؛ حيث عادت السلطة من جديد إلى تمييز نفسها عن ثقافة المجتمع، ما جعل قرار المذبحة في عام 1811 يمثل نهاية حقيقية لظاهرة الاندماج الثقافي للسلطة.


المقالات السابقة


صفحة الكاتب في حانة الشعراء

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s