عجّة البيض بالشّومر

عجّة البيض بالشّومر

د. هشام منصور

اللوحة: الفنان الهولندي فنسنـت فــان غــوخ

لفافة من الأجبان والخضار، وجبة فطور صحيَّةٍ عمليَّةٍ جدًّا بالأخصّ عندما تسابق الوقت عند الصّباح، التهمها سريعًا وهو يحثّ خطاه عابرًا الحديقة العامّة أمام منزله وصولًا إلى موقف الباص في الجهة المقابلة. كم اشتاق إلى وجبات الفطور اللبنانيّة الشّهيّة والغنيّة بكلِّ الألوان، ولكنّه لم يكن يمتلك الوقت للبحث عن مكوّناتها أو مصادرها في هذه المدينة الأوروبيّة، مأكولاتهم لذيذة وشهيّة، ولكنّها ليست بطعم الوطن، ومع الوقت يصير تكرارها مملًّا؛ يُفقِدُ الحياة مساحةً أساسيَّةً من مساحات التَّذوُّق الحسِّيَّة.

مضى عليه شهران وهو يتناول هذه الوجبات السّريعة صباحًا ومساءً منذ أن انتقل إلى قسم الجهاز العصبيّ للأطفال، مع كمّ المرضى الهائل، كان الإرهاق اليوميّ من العوارض الطبيعيّة التّي يجب أن يتقبَّلها الأطبّاء المتمرّنون إذا كانوا يريدون امتهان هذا الاختصاص المعقّد.

الحديقة هادئة هذا الصّباح، حتّى في عَجَلتِه، لا يزال يستطيع التّمتّع بأزهارها الجميلة. هناك شيءٌ مختلفٌ لم يلحظه سابقًا، في ظلّ شجرة الحور الباسقة قرب مجرى الماء. لم يصدّق عينيه، جبّ من الشومر اليانع أمامه هنا؟!

 أشرقت ابتسامةٌ على وجهه، اللّيلة لن يتناول البيتزا كالعادة. عليه فقط أن يعود قبل أن يُغلَق باب الحديقة العامّة عند السادسة، ذلك يعني أنّ عليه أن ينهي عمله ودورته على مرضاه عند الخامسة على الأكثر ويغادر المستشفى.

لم يذق عجّة البيض والشّومر منذ رحلته الأخيرة إلى لبنان، لم يفهم يومًا كيف تتطوّر المدنيّة إلى مجتمع تعثر فيه بسهولةٍ على أغلى الابتكارات التّكنولوجيّة، وتخلو فيه السوبرماركت الواسعة من باقةٍ صغيرةٍ من الأعشاب.

كان النَّهار سريع الوقع، مرضًى يغادرون وآخرون يدخلون. دورة الصّباح على المرضى استغرقت ساعةً ونصف، كلّها حالات معقّدةٌ وغير اعتياديّة، أضِف إلى ذلك الكمّ الهائل من الأوراق التي يجب عليه أن يملأها؛ فتوثيق الحالة المرضيّة بحذافيرها يضاهي العلاج أهمّيّةً.

كانت حصّته سبعة مرضًى جدد، لم يكن يعرف عنهم شيئًا. كان يحاول أن يقوم بعمله بنمطٍ سريعٍ، ويحاول جاهدًا ألّا يُهملَ أيّ عنصرٍ طبّيٍّ. هو عادةً لا يبالي أيّ ساعةٍ ينهي عمله، ولا أيّة ساعةٍ يعود عند المساء، ولكنّه اليوم كان مصرًّا على العبور في الحديقة العامّة قبل إغلاقها، فهو لديه كلّ المكوّنات، منذ يومين اشترى البيض والبصل من السوبرماركت اللّيليّ ولا ينقصه سوى مكوّنٍ واحدٍ بعد، إضافةً إلى أنّه قد ملّ فعلًا طعم الأومليت بالجبنة والجونبون.

–        “لا أصدّق كم دخل من المرضى هذا الصّباح”، قالها زميله وهو يقلّب أوراق الملفّ الضّخم الذي يحتوي على عشرات الفحوصات والصّور، “هذه المريضة مثلًا قد عاينها ثلاثة أطبّاء قبل أن يقرّروا إرسالها إلى مركز متخصّص، هذه الطّفلة تعاني من الصّرع منذ سنة ولم تتلقَّ أيّ علاجٍ بعد

–        “لو ترى مريضتي في الغرفة 15، طفلةٌ عمرها سنتان ولم تقمْ بأيَّة خطوةٍ بعد، ولم يقمْ أحد بإرشادها إلى أخصّائين، ولم يقمْ طبيبها بأيَّة فحوصات، والأمّ أتت من تلقاء نفسها إلينا

–        لدينا الكثير من العمل والسّاعة الآن الثانية عشرة، الأفضل أن نذهب إلى الغداء ونعود بعدها.

كانت ساعة الغداء مقدّسة هناك، ساعة كاملة عند الظّهر تفرغ المستشفى من الأطبّاء ويمتلئ المقصف. لم يستطع أن ينتظر ساعةً كاملةً، التهم وجبته مسرعًا، لم يكن في تلك الوجبة أساسًا ما يستحقُّ ساعةً من الأكل والتّذوّق، فالطعام هنا طعام مستشفيات، قليل الملح عديم الدّهن، قطعة اللّحم مطهوّة جيّدًا ولكنّها لا تحتوي على الأفاويه، والتّبّولة مجرّد طبق من البرغل الرّقيق مع قطع خضار معدودة على النّمط الشّائع في شمال أفريقيا. كان عليه أن يسرع، فلديه الكثير من العمل قبل جولة المرضى عند الرّابعة.

مريضته الأخيرة في الغرفة العشرين، طفلةٌ في التّاسعة من العمر، تعاني من ضعفٍ في عضلات قدميها من حوالي ستة أشهر، وهي حاليًّا عاجزةٌ عن الوقوف والمشي دون مساعدة. قام بفحص عضلاتها بكلّ تأنٍّ، إنّها تسير بتحاملٍ مضنٍ، ترمي رجلها رميًا إلى الأمام قبل أن تستطيع الانتقال مستعينةً بعكَّازها الرُّباعيّ

كانت تعاني من صعوبةٍ بسيطةٍ في المشي منذ طفولتها، ولكنّ حالتها تدهورت بسرعةٍ هذا العام” قالت والدتها حزينةً.. حالةً غريبةً، فأهلها ليسوا بأقارباء، ولا حالة شبيهةً لديهم في العائلة، إنّه لا شكَّ شكلٌ من أمراض الحثل العضليِّ المزمن، عرف ذلك من ملمس العضل وطراوته.

 “خزعة العضل ستكون بعد غدٍ، لدينا الوقت الكافي للتّحضير لها والوصول إلى جوابٍ عن حالتها”.. أجابها وهو يكمل فحصه السّريريّ للجهاز العصبيّ عند الطّفلة.

وهل هناك أملٌ بالعلاج يا دكتور؟” سألته الوالدة آملةً منه أن يكذِّب ما قرأته على صفحات الإنترنت لساعاتٍ طويلة.

علينا أن ننتظر نتيجة الخزعة لنعرف يا سيّدتي”.. أجابها محاولًا تجاهل السؤال وجوابه الحتميّ، آخذًا في الاعتبار أنّ ذلك السؤال سيفتح باب حديث لا ينتهي بدقائق معدودة.

إنّها الرّابعة إلّا خمس دقائق، إذا لم ينته من فحص الفتاة الآن سيتعيّن عليه أن يقوم بإتمام عمله بعد نهاية الجولة على المرضى عند الساعة الخامسة، لم يكن بوارد فعل هذا الأمر اليوم٠

أعاد النظر إلى الملف، لقد أتمّ تقييم الجهاز العصبيّ عند هذه الطفلة، وهذا كافٍ لعرض ملفّها في الجولة بعد قليل، ولديه ما يكفي من الوقت غدا ليقيّم باقي الأجهزة الجسديّة تحضيرا للعملية٠

وأنت يا دكتور، ما رأيك؟ هل نوع مرضها قابل للعلاج؟” أعادت الوالدة السّؤال ثانيةً.

كان يعلم أنّ إصرارها ليس بهدف سماع الإجابة، بقدر ما هو بهدف إيجاد أذنٍ مُصغيةٍ لمأساتها، ولكن ليس اليوم، عليها أن تنتظر للغد، وعندها سيعطيها ما يكفي من الوقت للكلام والاستماع.

كما قلت يا سيّدتي علينا أن ننتظر نتيجة الخزعة”، أجاب مسرعًا وهو يتوجّه نحو الباب.

غادر الغرفة والانزعاج من قراره يؤلب عليه ضميره، لكن ما الذي سيحدث إذا انتظر الغد؟ كثير من زملائه يفعلون هذا، يقسّمون أعمالهم وفق ساعات العمل.. ولكن المريض ليس مشروعًا دراسياً تتمّه مجزءا، وتنتظر العلامة والتقييم، هذا ما تعلمه في بدايات سنوات الدراسة، ومقاييس الزّمن تختلف بين الذي يمتلك الإجابات وبين الذي يبحث عنها. ولكن ما الذي يمكن أن يحدث في ليلة من الزمن؟ عاد وسأل نفسه وهو يتجه إلى قاعة الاجتماع، هذه الزوائد تستطيع انتظار يوم الغد.

كان الاجتماع سريعًا، لم يعلّق أحد على ملفّاته بما فيها ملف الغرفة رقم عشرين، المعلومات اللازمة كانت متوافرةً وكافيةً، ولم يبقَ إلّا مريضٌ أخير.

– “إنّها حالة مميّزة جدًّا، طفل له من العمر ستَّة أشهرٍ، قال الطّبيب المشرف عليه: إنه يعاني من داء صرع من نوع “أوهتاهارا”، وهو ناتج عن طفرةٍ جينيَّةٍ فريدةٍ جدًّا، ولديه تكاوين وملامح مميّزة، وأقترح عليكم أن تأتوا معي لنفحصه سوية، وبذلك تتعرفون على هذا المرض الفريد. 

دخلوا جميعًا غرفة المريض، فهذه الأنواع من الأمراض نادرة إلى حدّ أنّك قد تكون محظوظاً إذا صادفت إحداها مرّة على امتداد ممارستك المهنيّة.

لن يأخذ الأمر أكثر من بضع دقائق وأنطلق عائدًا إلى المنزل” فكّر وهو يدخل الغرفة مع الباقين.

ملامح الطفل فريدةٌ جدًّا بحجم رأسه الصّغير، بشرته الباهتة وفمه المستدير والتواء أطراف أصابعه.. قربه تقف والدته بحجمها الضّخم تربِّت على رأسه بلطف.

نظرت الوالدة إليه بتمعُّنٍ، عقدت حاجبيها وتفرَّست في وجهه للحظات قصيرة قبل أن تفاجئه بالقول “أنا أعرفك، يا دكتور

ارتبك من ملاحظتها فوجهها لم يكن مألوفًا لديه أبدًا.. “عذراً يا سيدتي فأنا لا أظنُّ أننا نعرف بعضنا أو التقينا من قبل

–        بلى أنا أكيدة، يستحيل أن أنسى وجهك.

هذه ليست ملاحظة جيّدة، فالإنسان لا ينسى وجوه من يحبّهم، ولا وجوه الذّين يكرههم، وهو فعلًا لا يذكر وجه هذه السّيّدة.

ألَم تكُن أنت الطّبيب المناوب ليلة عيد الميلاد الماضي؟” سألته بسرعة وثقة.

لقد مضت تسعة أشهر على العيد، ولكنّه يذكر جيّدًا أنّه عرض أن يأخذ المناوبة في ذلك اليوم، فجميع الأطبّاء أحبوا قضاء العيد مع عائلاتهم، وهو وحيدٌ في تلك المدينة، وعليه أن يحتفظ بأيّام عطلته ليمضي عيد الفصح مع العائلة في الضّيعة، فبين رحلة الشّتاء لقضاء عيد الميلاد في البيت، أو رحلة الرّبيع لقضاء أسبوع الآلام في الضّيعة، مع ما يزخر به من عوائد وتقاليد وصلوات، انتهاء بالهجمة يوم العيد، لم يكن الخيار بالتّضحية صعبًا أبدًا٠

– صحيح لقد كنت مناوبًا ليلة العيد الماضي، ولكنني عاينت ما يقارب الخمسين طفلًا في غرفة الطّوارئ يومها، فسامحيني إن كنت لا أذكر وجوه جميع الذين حضروا.

– ولكنْ لابدّ ان تتذكّر ابنتي، ليلتها اتيت بها إلى الطوارئ لإصابتها بارتفاع في الحرارة، ولم تسمح لنا بمغادرة المستشفى قبل اليوم التّالي، كانت تعاني من الإسهال، وجسمها يتعرض للجفاف، وقد أصررت على إدخالها المستشفى لإعطاء المصل في العرق، ولكنك في اليوم التّالي أيضًا لم تسمح لنا بالمغادرة، قلت لي إنك سمعت نفخةً غريبةً على القلب.

طبعًا إنه يذكر جيّدًا الآن، كانت الطّفلة تعاني من مجرّد إسهال، ولكنه كالعادة أجرى الفحص الرّوتينيّ الكامل، وتفاجأ بهذا الصوت الغريب عند فحص القلب، ولم يسمح لهم بالمغادرة قبل أن تقوم طبيبة القلب بفحص الطفلة، كان محظوظًا بمرور الطبيبة في الطّابق يوم العيد، فحصت الطفلة، وسمحت لهم بالمغادرة لقضاء العيد في البيت، شرط أن يعودوا يوم الغد لإجراء الصور والفحوصات.. يذكر جيّدًا تعليق طبيبة القلب الطريف وهو يحثّها على معاينة المريضة: “إنّه يوم عيد، والطفلة تعاني من الإسهال، اترك قلبها وشأنه، واهتمّ بشؤون قلبك.”

–  نعم الآن اتذكر جيّدًا، ولكن الملف كان قد تحوّل إلى قسم القلب ولم أعد مطَّلعا عليه، أخبريني ماذا حدث؟ هل عدتم كما طلبنا منكم؟

– طبعًا عدنا في اليوم التالي، والفحوصات أظهرت تشوّها خلقيّا في قلب ابنتي ولم نكن نعرف به سابقًا، وقد احتاجت لعملية جراحيّة طارئة لتفادي تضخم بطين القلب الأيمن، كنا محظوظين بدخولنا المستشفى ليلة العيد، لو لم نعلم بمشكلتها؛ لكان الوضع مختلفًا الآن.

نظر إلى الطفلة التي تلهو في زاوية الغرفة فرحةً بلعبتها، بالكاد يبدو جرح العمليّة ظاهرًا تحت رقبتها.

–        أرى أنّ الجرّاحين قد قاموا بعملٍ جيّد يا سيّدتي ، قال مبتسمًا.

–        لم تكن ابنتي كما هي الآن لولا إصرارك يا دكتور، أذكر جيِّدًا ما قلت لي يا دكتور “لا تنتظري أكثر، ابنتك تستحقّ العلاج سريعًا، الأطفال لا يمتلكون رفاهية الانتظار”، شكرًا لك يا دكتور.

–        “كنت أقوم فقط بواجبي يا سيّدتي “.. أجابها بهدوءٍ قبل أن يعود إلى قاعة الاجتماعات، وصوتها في أذنه يردد ما قاله لها ليلة العيد: “ الأطفال لا يمتلكون رفاهية الانتظار”.. الملفات لا زالت مبعثرةً على الطّاولة، حمل الملفّ وتوجّه إلى الغرفة العشرين، هناك فحصٌ سريريٌّ عليه أن يتمّمه، وهناك سؤال عليه أن يجيب عنه.

 الشمس لن تغيب قبل السّاعة التّاسعة هذا المساء، لن يأخذ الباص في طريق العودة، سوف يتوقّف عند بائع البيتزا عند نهاية الشّارع ليشتري الشريحة الأولى، سيأكلها بلذّة قبل أن يصل إلى المخبز التّالي ليشتري شريحة أخرى مخبوزةً على الحطب، ويوم السّبت صباحًا سيتنزّه في الحديقة وهو يسمع أغاني فيروز، وسيستلقي في أفياء شجرة الحور قرب السّاقية وأعشاب الشّومر، وسيستمع بمهرجان الغيوم في المدى الأزرق الفسيح.


صفحة الكاتب في حانة الشعراء

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s