يوم غطّى الثّلج مرسيليا

يوم غطّى الثّلج مرسيليا

د. هشام منصور

اللوحة: الفنان الدنماركي الفرنسي كاميل بيسارو

لم توقظه الشمس على عادتها هذا الصباح، لا هي ولا ضجيج سكّان المبنى المعتاد عند ذهابهم باكرًا إلى العمل. اعتاد عليها أن تسابق منبّه هاتفه فتحرمه ترف نوم نصف السّاعة الإضافيّة قبل الانطلاق إلى العمل. أمّا اليوم  فقد استيقظ متثائبًا على نغمة أغنيةٍ فيروزيّةٍ كان ضبطها رنّةً لهاتفه وللمنبّه معًا؛ فيكون استيقاظه أجمل، وإزعاج رنين هاتفه المتواصل أقلّ.

لم يطفئ المنبّه وترك الأغنية الجميلة تستمرّ، نهض متثاقلًا إلى الشّباك ليستكشف عواقب عاصفة الأمس. كانت ليلةً عاصفةً بما للكلمة من معنى، ولم تكن ستائر الغرفة كافية لتحجب ومضات البرق فوق المتوسِّط، لقد اعتاد على غرابة فصل الشتاء في هذه الناحية من البحر. 

هذه سنته الثالثة في مرسيليا، كان على وشك العودة إلى الوطن منذ بضعة أشهر لولم يأته ذاك العرض المغري من مدير المركز الطبي، حيث تخصص في أمراض الجهاز العصبي وداء الصرع عند الأطفال.

–  نحن رأينا عملك، وأنت تدري ثقتنا بك، وكما تعلم فإن الطّبيبة مديرة قسم التّخطيط والدراسات الفيزيولوجية حامل وعلى وشك أن تلد، ونحن بحاجة لبديل لها لمدة سنةٍ، وارتأينا أن نعرض المنصب عليك.

نظر إلى رئيس القسم مندهشا حينها غير مصدّق ما يسمعه، فهذا العرض كان أكثر ممّا يُطمح إليه في الغربة وعند انتهاء الاختصاص مباشرةً.

–  هو عرضٌ كريمٌ ومشرفٌ لي وسيكون من الغباء رفضه ولكن … 

–  “أدري يا عزيزي أنك تتوق للعودة إلى لبنان، كلّنا نعلم هذا فأنت تذكّرنا بهذا الأمر كل يوم إن ليس كلّ ساعة”،  أضاف أستاذه ضاحكًا  “ولكن فرصة كهذه لا تسنح كل يوم”.

–  صحيح، ولكن أنت تعلم يا أستاذ أنني كنت هنا بصفة طبيب متمرن، أمّا هذا المنصب فيستلزم معادلة شهادتي اللّبنانية للحصول على إذن النقابة.

– صحيح وهذا الموضوع أيضًا لم يغِب عن بالي، وقد ناقشت النّقيب وأطلعته على شهاداتك اللبنانيّة والفرنسيّة، وقد وافق على منحك إذنًا استثنائيًّا لممارسة المهنة في هذا المستشفى لمدة سنة فقط، لأحكام الضرورة.

– “أحكام الضّرورة “، تمتمها على مهلٍ مشدوهًا وهولا يصدّق ما يسمعه، لا شكّ أنّ القدرة على إيجاد الفتاوى كفاءةٌ يكتسبها سكّان محيط المتوسّط جينيًّا ولا ترتبط بعرقٍ أودينٍ أولون.

– “ولكن عليك أن تتابع مرضًى بالغين وليس الأطفال فقط أنت تعلم هذا”، أكمل البروفيسور الذي كان لا يخفي إعجابه لكيفيّة مقاربة هذا الطبيب الشّابّ للمرضى، فهو يعاملهم جميعًا وكأنّهم في عمر الطّفولة أو المراهقة على الأكثر، ممّا كان يتسبّب بمواقف غريبةٍ وطريفةٍ مع المرضى البالغين الذين لم يكونوا يمانعون بعض مبالغةٍ في الاهتمام من قبل الطّبيب.

–  “صحيح أنني طبيب أطفال أساسًا، ولكنك تعلم أنّ هذا الأمر لن يكون عائقاً”، أجاب وهو يوقّع العقد الذي وضعه أستاذه أمامه، فكيف له أن يسمح لتفصيل كهذا أن يمنعه من شغل منصب شغله قبله أطباء حملت أسماءَهم بالحرف أمراضٌ قاموا باكتشافها شخصيًّا.

***

مضى شهران على بداية هذا العمل وهو منهمك بمتابعة المرضًى من كلّ الأعمار، مرضى يعانون من أندر أمراض الجهاز العصبيّ، مضت الأيام الأولى سريعًا بوتيرة روتينية تقتل الإحساس بالوقت وإذا بفصل الشتاء يعبر دون أن يشعر بوصوله قبل هذه الليلة.

هذا ليس أوّل شتاءٍ يقضيه في مرسيليا،  مثله مثل شتاءات كل المدن المتوسطّيّة السّاحليّة، مطر غزيرٌ وبردٌ مقبول ما عدا صباحات هبوب رياح المسيترال الباردة. أمّا الليلة كان الأمر مختلفاً، فغزارة المطر تنبئ بسيولٍ هائلةٍ كتلك التي حدثت السّنة الماضية، وانخفاض الحرارة الحادّ ذكّره بشتاء الجبل في لبنان، وكم كانت مفاجأته كبيرةً عند الصباح عندما فتح الستائر لتطالعه المدينة السّاحلية وقد ارتدت ثوبا رقيقاً أبيض من الثلج الذي لا زال ينهمر رقائق متطايرةً مع منحنيات الريح.

–  “من كان يظن أنّني سأشاهد مرسيليا وقد غطّتها الثلوج؟” فكر بصمت وهو يجمع أغراضه ويتناول فطوره سريعاً قبل أن يتوجّه إلى المستشفى، فهذا اليوم بالنّسبة له يوم عمل عاديّ كما كان يحدث في لبنان، لم يكن الثّلج بالحدث الاستثنائيّ بالنسبة إليه، فهو يستعمل النّقل العامّ الذي يلبّي احتياجاته كما في كلّ مدن أوروبا الكبيرة، ولم يكن عليه أن يقلق من مخاطر القيادة في هذا الطّقس الرّديء.

في طريقه إلى محطة المترو، لحظ قلة المارّة على غير العادة في ساعات الذّروة، لم يعر الأمر اهتمامًا وأغلق مظلّته بعدما دخل منطقة الأنفاق ليأخذ خطّ المترو الثّاني باتّجاه “لا روز” ، كانت المقطورات شبه فارغةٍ، لعلّ الجميع يستمتعون بمنظر الثلج فهم ربما لم يروه في المدينة منذ عقود. بعد ثلاث دقائق وصلوا إلى محطّة “كاستيلان” وانتقل إلى خطّ القطار الأوّل، كان كلّ شيء يجري وفق التّوقيت اليوميّ كالمعتاد، عبروا محطّة “پيرييه” ولا زال هناك محطّتان قبل الوصول قرب المستشفى.

– “حضرات المسافرين الكرام، الثّلج قد غطّى الجزء المكشوف من سكة المترو، ولذلك سنضطّر لإيقاف العمل على هذا الخط عند محطّة ال”پرادو” لذلك نرجو منكم التّرجل، ومغادرة المحطّة لسلامتكم”.. بادره صوت المذيعة الرّتيب في المحطّة مصحوبًا بموسيقى الشّركة المشغّلة.

ذلك يعني أن عليه أن يمشي ربع ساعةٍ إضافيةٍ على الأقلّ “وإن يكن، نزهةٌ تحت الثّلج، لا شكّ أنّ الشّوارع ستكون جميلةً وغريبةً”، فكّر وهو يخرج من المحطّة متوجّهًا نحو المستشفى. 

الطّريق يبدو عاديًّا عدا خلوّه من الألوان، كلّ بضع خطواتٍ، يلتقط صورةً ليرسلها عبر الفيسبوك، لم يكن قد مضى على فتح ذلك الموقع للعموم أكثر من سنتين، وكان من الّذين أخذتهم الحماسة لمشاركة الكوكب بتفاصيل حياتهم، ويظل ينتظر تعليقات أصدقائه المعدودين بفارغ الصّبر.

وصل إلى محيط مبنى المستشفى الهادئ أكثر من العادة، المبنى مسوّرٌ بإحكامٍ، فهناك مرضى يعانون من أمراضٍ نفسيّةٍ إضافةً إلى المرضى الّذين يعانون من داء الصّرع. 

نظر إلى شاشة هاتفه، لقد تأخّر ثلث الساعةِ عن وقته المعتاد، “لا بأس”. اقترب من باب السّور، وضغط الرّقم السّريّ ليدخل المستشفى.

كانت الحديقة فارغةً من أيّ أشكال للحياة، تغطّيها طبقة بيضاء برّاقةٌ لم تشوّهها حتّى خطوة قدمٍ تائهةٍ عند الصّباح. نظر إلى موقف السّيّارات، فإذا به مهجورٌ تقبع فيه ثلاث سيّارات خمّن أنّها لا زالت هنا من الليلة الماضية بسبب الثلج المتراكم عليها.

هذه المرّة الأولى التّي يشعر فيها بالفراغ في هذا المبنى وكأنّه مدينةٌ للأشباح، لا يشق صمته سوى صوت ريحٍ لطيفةٍ تلاعب أوراق الشّجر.

مشى متمهلًا خوفًا من الانزلاق، وتوجّه إلى مختبر التّخطيط، عشرات المواعيد المهيّأة لليوم في انتظاره، والموظفون يبدؤون بتحضير المرضى قبل وصوله عادةً بساعةٍ أو أكثر. ولكنّ المختبر لا يزال مغلقًا وأضواؤه مطفأة.

لم يبقَ له سوى التّوجّه إلى الطّابق الأعلى قسم الاستشفاء؛ ليرى ما الذي يحدث هناك فالقسم كان باستيعابه الأقصى مساء أمس.

  • “دكتور، ماذا تفعل هنا؟” فاجأته ممرّضة الليل وهي تنظر إليه مندهشةً وكأنّها رأت شبحًا “كيف استطعت الوصول في هذه العاصفة؟”
  • ماذا تعنين؟  ما الذي يحدث هنا، أين الموظّفون والممرّضات والأطبّاء؟
  • دكتور نحن في عاصفةٍ ثلجيّة، ألم تسمع الأخبار؟ العمدة أعلن حالة الطّوارئ في المدينة، وطلب من الجميع لزوم منازلهم إلّا في حال الضّرورة القصوى، كيف استطعت أن تصل إلى المستشفى؟
  • حالة طوارئ؟ إنها مجرّد طبقةٍ رقيقةٍ من الثّلج سوف تذوب بعد بضع ساعات.
  • ليت الجميع يفكّرون مثلك يا دكتور، فأنا عالقةٌ هنا منذ الأمس، لأنه الممرّضات غير قادرات على المجيء لاستلام المناوبة منّي ومن زميلتي، ومدير المستشفى يحاول جاهدًا إيجاد بديلٍ، وهو خائف على المرضى وأظنّه سيسرّ جدًّا عندما يعلم بقدومك.

ما هي إلا لحظات وكان المدير على الطّرف الآخر من الخطّ.

  • “لا أدري ما الذي دهاك لتخرج في هذا الطقس المجنون ألم تسمع الأخبار؟ ألم تسمع تحذير العمدة؟ كيف تخاطر بحياتك هكذا؟” بادره أستاذه منفعلًا وصارخًا، فحياة الأطبّاء والموظّفين والمرضى وسلامتهم في مكان العمل تقع ضمن مسؤوليّته المباشرة.
  • “بسيطة يا دكتور إنّها مجرّد عاصفة ثلجيّة وليست آخر الدّنيا”، أجابه بهدوئه المعتاد وبروده اللذين غالبًا ما يزيدان من توتّر أصدقائه الفرنسيين.
  • “أدري، أدري، كلّ شيء بسيطٌ بالنّسبة إليك، فالذي عاش نصف عمره في الحرب لن يجد صعوبة عند انهمار الثلج”، سارعه أستاذه ليتفادى سماع قصّة أخرى من قصص الحرب الطّويلة.  
  • “ما بين الثلج والحرب فرق بسيط أليس كذلك؟”، أجابه ضاحكًا. 
  • نعم، نعم، ولكنني سأطلب منك خدمةً كبيرةٍ، فأنت تعلم أن لا أحد من الأطباء قد أتى أو سيجرؤ على المجيء إلى المستشفى حتّى نهاية العاصفة بما فيهم الطبيب المناوب، وبما أنّك المجنون الوحيد بيننا الذي تجرّأ على الحضور؛ أتمنّى عليك أن تنام اللّيلة في المستشفى فأنا أخشى أن يحدث طارئٌ وليس هناك سوى الممرّضات المناوبات وهذه مسؤوليّة كبيرةٌ عليّ وعلى جميع الأطبّاء.

***

لم تكن المرّة الأولى التي “يأكل فيها الضّرب” إنْ بسبب اندفاعه أو حماسته أو حبّه للتّطوّع، فقلّما يجد من ينافسه على القيام بالمهامّ المُتعِبة التّطوّعيّة، ولكنّها المرّة الأولى التّي يجد نفسه فيها في أحد هذه المواقف، فقط لأنّه تصرّف بشكلٍ طبيعيّ، “كان ينقص بعد أن أستغلّ عناصر المناخ لأتهرّب من العمل” فكّر بهذا ضاحكًا قبل أن يجيب رئيس القسم “لا عليك يا دكتور، بما أنني قد وصلت سالمًا، لا أجد من مبرّرٍ لأحدٍ غيري أن يخاطر بالمجيء إلى المستشفى اليوم أو اللّيلة ، اعتبروها هديّةً منّي.. “وأردف ضاحكًا”، ولكن أترك لك تنظيم الضّيافة بما يليق، فأنت تعلم أنّه ليس هناك مقرّ لطبيب ليلي مناوبٍ.

  • حقًّا.. لقد أنقذتنا، لا تخف، سأوصي الموظّفين بإعطائك أفضل الغرف والاهتمام بك، وإن كنت لا أظنّ أن هناك حاجةً لهذا الأمر، فالجميع يحبّونك كما تعلم، أكمل البروفيسور قبل أن يقفل الخطّ.

كان يعلم ذلك فكلّ الموظّفين ودودون وأصبحت تربطه بهم صداقاتٌ جميلةٌ، ولكنّها المرّة الأولى التي سينام فيها في المستشفى منذ سنواتٍ عدّة. كانت المناوبة الليليّة أصعب فترات التدريب، لم يصدّق أنّه انتهى منها، ولكن ليلةٌ واحدةٌ قد تكون ممتعةً بعد كلّ هذا الوقت.

أعاد الهاتف إلى الممرّضة الشّابة الّتي بادرته مبتسمةً: “أرى أنّنا عالقون معًا حتّى الغد يادكتور”

  • يبدو كذلك، ولكنّا سنتصرّف كأيّام العطلة، سأترككم تهتمّون بالمرضى وسأذهب للعمل في المختبر، وسأعود بعدها للقيام بجولتي على المرضى.
  • لا تتعجل يا دكتور، أجابته ضاحكةً، فنحن لن نذهب إلى أيّ مكان.

رفع نظره إلى الأعلى متأسّفًا، لو سمع الأخبار لكان في دفء سريره الآن مثل زملائه، ولكن كيف سيبقى المرضى دون مراقبةٍ طبيّة كل هذا الوقت؟

 “لا تنسوا أن تحضّروا لي غرفةً، فلا أريد أن أكون لاجئًا في المستشفى في هذا اليوم البارد”

  • “أجمل غرفةٍ في القسم”، وأكملت مع ابتسامتها المعتادة.

“لن تكون أجمل من غرفتي في البيت” أجابها متأففًا وهو ينزل الدّرج عائدًا إلى المختبر المظلم.


صفحة الكاتب في حانة الشعراء

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s