يوم غطّى الثّلج مرسيليا.. فريسة التخيلات

يوم غطّى الثّلج مرسيليا.. فريسة التخيلات

د. هشام منصور

الصورة بعدسة الكاتب من نافذته في مرسيليا وتبدو الشوارع مغطاة بالثلج

فراغ المختبر مهيب في هذه العتمة المزيّفة؛ فبصيص الشّمس يجاهد لتخطّي حواجز الغيوم فيصل خافتًا كضوء المغيب. 

الصّمت لم يكن غريبًا عن هذا المختبر، فالمرضى ينامون هنا خلال خضوعهم لتخطيط الرّأس لساعات عدّة تحت كاميرات المراقبة، لم يكن الصّمت بمهابة الفراغ، فراغٌ أتى ليزيد على وحدته في الغربة عزلةً إضافيّةً.

جلس في كرسيّه المعتاد أمام ثلاث شاشات للكومبيوتر متّصلة بالوحدة الرّئيسيّة، لا بدّ له من أن يستغلّ يوم العطلة الإلزاميّة هذا لينهي قراءة التخاطيط المتأخّرة عليه من الأسبوع الماضي.

كانت الخطوط المتوازية تعبر سريعةً أمامه، متعرّجةً ملتويةً لا تخلو من شوائب وذبذباتٍ تشويهيَّة مضلّلة، كان يتابعها سريعًا بنظره باحثًا عن موجةٍ بطيئةٍ هنا أو حادةٍ هناك أو ربّما عن موجات غير طبيعيّة متتاليةٍ تساعده في كشف اختلاج مستترٍ بين طيّات السّبات عند كلّ مريض. 

هو لا يدري كم كيلومترًا من التّخاطيط قد قرأ في السّنة الفائتة، ولكنّه أكيد أنّ تلك المسافة لو قاسها لكانت تعادل تلك التي تفصل بينه الآن وبين الخرّوبة في كرم الرّزين في الضّيعة حيث السّماء صافيةٌ بعيدة المدى لا يعكّر زرقتها إلّا خطوط التّوتّر العالي الّتي تمتدّ فوق الحقل. 

الخطوط لا زالت تتالى سريعةً متراقصةً برشاقةٍ على تلك الشّاشة أمامه، الآن بدأ المريض يغطّ بالنّوم، موجات التّخطيط بدأت تتغيّر وبدأت موجات المغازل تطغى على التّخطيط بشكلٍ عامّ، دخل المريض في زمن النّوم البطيء الخفيف، أزاح نظره إلى الشّاشة الثانية حيث صور كاميرا المراقبة، فوجد المريض يغطّ في النّوم كما كان يتوقّع. الموجات غير الطّبيعيّة لن تتأخّر في الظّهور.

كان أكيدًا من أنّ الشّاب يعاني من داء الصّرع، لم يكن هذا التّخطيط يهدف إلى البحث عن سبب المرض بل يهدف إلى تأكيده، فهو قد وضع التّشخيص كاملًا حين فحص المريض وسمع قصّته.

“دكتور، إن الذي حدث معي ليس طبيعيًّا، أنا أكيدٌ أنّني لست مجنونًا ولكنّي أشاهد أشخاصًا  يدخلون غرفتي من حيث لا أدري ودائمًا أسمع صوت الطّيور قبل حضورهم، أسمع أصواتهم، هم يتكلّمون معي، يسألونني أسئلةً، ولكنّني لا أستطيع أن أجيبهم، ومن ثمّ يغالبني النّعاس فأغفو بينهم وعندما أستيقظ أجدهم وقد رحلوا دون أثر”

  • ولكن هل رآهم أحدٌ غيرك؟ هل رآك أحد تغيب عن الوعي؟ هل هناك شهودٌ على هذه العوارض؟
  • لا يا دكتور أنا أعيش وحدي في المدينة، وانتقلت هنا للعمل منذ بضعة أشهر، كنت أشاهد هؤلاء الزّوّار سابقًا، ولكن عندما بدأت العمل طوال الليل ازدادت زياراتهم لي.
  • وهل تستطيع أن تميّز ما يقولونه لك؟ هل أصواتهم مألوفةٌ لديك؟ هل هم أشخاصٌ تعرفهم؟
  • هم أشخاصٌ لا أعرفهم، ولكنّهم مألوفون لديّ، وأصواتهم ليست بالغريبة عنّي، أسمع حديثهم بكلمات لا أفهم معناها وكأنّها من لغةٍ غريبةٍ، ولكن ذلك لا يمنعني من فهم مغزى حديثهم.
  • أخبرني يا سيّدي، هل تنام بشكلٍ كافٍ بعد دوام العمل الليلي؟ هل تحصل على الرّاحة اللازمة؟
  • دكتور أنا أعاني من قلّةٍ في النّوم، ولكنّني أكيد أنّني لست أحلم، هذه ليست أحلام يقظة، هي أكثر واقعيّة … هي … لا أدري!
  • لا تخف، دعني أنهي فحوصاتي لأبني التّشخيص على الوقائع.

لم يكن هذا مريضه أساسًا، بل أرسله طبيبٌ زميلٌ متخصّصٌ في الأمراض النّفسيّة إلى المركز؛ ليتأكّد من أن هذه ليست عوارض داء الصّرع قبل أن يصبغ المريض بتشخيص مرضٍ نفسيٍّ. 

أمضى ما يزيد على الساعةِ مع هذا المريض، وتوسّع بالفحص وباستدراج المعلومات. 

يستحيل أن يكون هذا الشّخص كاذبًا، كان المريض شابًّا فتيًّا من سكّان قريةٍ في أعالي جبال الپيرينيه، وقد انتقل حديثًا إلى المدينة بحثًا عن لقمة العيش، لم يكن يحمل بعد في عينيه تلك النّظرة، نظرة أبناء المدينة، شخصٌ كهذا لولم يكن يعاني من شيء لما كان طلب طوعًا مساعدة الطبيب.

يعلم أنّه سيجد جوابه بعد قليل، موجات التّخطيط بدأت تبطئ أكثر فأكثر، المريض دخل مرحلة النّوم البطيء العميق، ما هي إلا لحظات وبدأ يلاحظ حركة العينين السّريعة، المريض دخل مرحلة الحلم، وما هي إلا لحظات حتّى بدأت الموجات المسماريّة المنتظمة السّريعة تظهر على الجهة اليمنى من التّخطيط، اختلاج كاملٌ لمدّة خمسة عشرة ثانية، أعاد مشاهدة مقطع الفيديو المرافق أربع مرّات، الشّاب يغطّ في نومٍ عميقٍ ولا يقوم بأيّة حركة. 

أخذت احتمالات التشاخيص التّفريقيّة تتتالى في ذهنه، تسارعت نبضات قلبه حماسًا كعادته عندما يصل إلى عتبة تأكيد تشخيصٍ ما. قام مسرعًا ليحضر ملفّ المريض وفحوصاته السّابقة، هو يذكر أنّ هذا المريض قد خضع لصورة رنين مغناطيسيّ للدّماغ، ولم يكن فيها من أيّ علّة لافتة، ولكن عليه أن يتأكّد، أمسك التقرير، الصّورة سليمة ولا أثر لنزيف أو جلطات أو أورام.

أكمل قراءة التّخطيط مبتسمًا، الموجات غير الطبيعية تتوالى في نفس الموقع. بدأ بكتابة تقريره وهو يفكّر كم سيسرّ ذاك المريض عندما سيؤكّد له أنّه يعاني فعلًا من مرضٍ ما وليس فريسة التّخيّلات والتّهيّؤات.

نظر بطرف عينه إلى زاوية شاشة الكومبيوتر، قد مضى عليه وقتٌ لا بأس به أمام هذه الشّاشة، لا بدَّ أنّ الممرّضات قد أنهين إعطاء الأدوية، لبس مريوله الأبيض وصعد ليقوم بجولته على المرضى.



صفحة الكاتب في حانة الشعراء

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s