بين يأس وأمل

بين يأس وأمل

د. أمل بشير

اللوحة: الفنان البريطاني كارلتون ألفريد سميث

كانت ليلة أخرى كسواها في العيادة، على الاقل هكذا كانت تظن، وكانت تنظر لساعتها بانتظار انتهاء ساعات عملها، رغم أن الوقت في العيادة لم يكن أكثر رتابة منه في المنزل. لكنه القلق الذي يولده الروتين، فكل الأيام ترتدي ثوبا باهتا وتضع العطر الرتيب نفسه.

أحياناً تشعر انها تعيش اليوم نفسه مرارا وتكرارا، كأن الحياة باتت ثوباً ضيقاً بلا ألوان، لا هي تستطيع خلعه ولا هو يتسع لها.

طرقات الباب قطعت أفكارها المشوشة. فقد كانت تفكر ولا تفكر، كمن وقع تحت تأثير تعويذة ما فسلبت إرادته في التفكير وتركته في متاهة، لا يعلم بماذا يفكر؟ 

دخلت مريضة في العشرين من عمرها تقريبا، متوسطة الطول، معتدلة البنية، متناسقة الشكل، لا يخفى على الناظر جمالها، وإن كان لا يلفت الأنظار. تفيض حيوية ولا يبدو عليها أي مرض رغم أنها مريضة بالتأكيد لتزور العيادة. حيتها بابتسامة وأشارت إليها لتجلس.

 كانت ترتدي فستانا أزرق كأنه السماء في الربيع، وعلى رأسها غطاء بلون وردي منقوش بأزهار الجوري. عندما نظرت إليها متفحصة – وتلك عادتها كطبيبة اعتادت تشخيص الأمراض بمراقبة المريض – شعرت كأن الربيع قد حل في الشتاء. وكأن عصافير الكناري تعزف لحنا حول الوردات على خمارها، وصوت الموج الهادئ تحركه نسمات الهواء تحت زرقة السماء التي استعارتها من فستان مريضتها بعضا. ابتسمت وكأنها تنشقت عبير الازهار وسألت مريضتها: عزيزتي سحر بم اخدمك. وكانت قد استرقت نظرة للأوراق أمامها حيث كان اسمها مدون عليها.

ردت سحر بصوت هادئ: يقولون أني مريضة ونصحوني أن آتي لأراك وفعلت، ثم أطرقت رأسها صامتة وفتحت حقيبتها السوداء الصغيرة واخرجت بعض أوراق ناولتها لها. أمسكت نوال الأوراق وبدأت تقلبها وتقرأ ما كتب بها من تقارير طبية، تغيرت ملامحها وغابت تلك الابتسامة بينما عيناها تلتهمان بانزعاج ما كتب في الأوراق. كانت الفتاة مصابة بأحد تلك الأمراض التي يمكن وصفه: حين يضيق جسدك بك يعتبرك عدوا؛ فيشحذ كل أسلحته ضدك ليدمرك بيديك.

عادة ما يحاول الأطباء تثبيط عناصر الغزو بالأدوية أملاً بعقد هدنة بينك وبين جهاز مناعتك أو جيشك المخصص لمواجهة الأمراض، لكن الحرب لا تتوقف أبدا. إلا بعد أن تدمرك. أو على الأقل تدمر ذلك الجزء الذي استعدته منها لتحاول ثانية الهجوم عليه.

للأسف كان ذلك الجيش في جسد الفتاة الغض قد دمر كبدها تماما، فقد استهدف وحاربه بضراوة اسقطته. بحيث لم يعد من مكان لهدنة.

رفعت رأسها بعد أن أتمت القراءة لتبحث في جدول مفرداتها عن كلمات قد لا تجعل ما وجدته قاسيا على مسامع الجميلة الجالسة أمامها

ولكن الفتاة سبقتها قائلة لا تحزني دكتورة، أعلم أن حالتي ميؤوس منها طبيا، فقد زرت خلال ثلاث سنوات مختلف الأطباء، لكنني أعلم أنني حية بقدرة من بيده الآجال، لا أطلب معجزة طبية بل سعة من قدرته، واطلب فقط بعض الدواء الذي قد يسكن آلأمي ولو قليلا.

صمتت نوال برهة ثم قالت احتفظي بهذه الروح الجميلة واستمري بنثر عبير الازهار وشذى الورد. الطب يزداد تطورا يوما بعد يوم، ورحمة الله كما قلت وقدرته بلا حدود. وبدأت بكتابة وصفة تناسب حالة سحر

ناولتها الوصفة وهي تحاول أن ترسم تلك الابتسامة الزائفة التي تستعملها كيد تربت بها على كتف مرضاها.

أمسكت الفتاة الوصفة ووقفت استعدادا للمغادرة

وقبل أن تغادر العيادة توقفت وقالت: دكتورة انت ايضا تحتاجين أن تعلمي أن رحمة الله وقدرته فوق كل شيء، وأن ما من أمر يعجزه، فارفعي اكفك بالدعاء فاته قريب مجيب، ولا تقلقي فأمر المؤمن كله هو خير

وابتسمت ابتسامة كان لها مفعول السحر على قلبها فارتجف

غادرت سحر لتبقى نوال غارقة بين مد الحزن وجزر الأمل. ولكنها احست أن كلمات سحر قد غسلت بعضا من هموم ذلك اليوم الطويل. ووجدت نفسها تفكر في القلق والإحباط اللذان تشعر. وأدركت أن مرضاها وإن كانوا يحتاجونها لتخفف عنهم، فهي أيضا تحتاجهم لتربت كلماتهم على قلبها أحياناً، وكانت هذه واحدة من المرات التي شعرت بالرضا لامتهانها الطب.

اعادها صوت طرق الباب من أفكارها المتضاربة. واستعدت لاستقبال مريضها التالي، لكن بشعور عميق بالرضا، وبابتسامة حقيقية…

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s