عروس الثلج

عروس الثلج

د. هشام منصور

اللوحة: الفنان الأميركي غرانت وود

  • “نحن جاهزون يا دكتور”، بادرته الممرّضة النّشيطة وقد حضّرت عربة ملفّات المرضى.
  •  “وسيكون لي شرف صحبتك في هذه الجولة! كم أنا محظوظ اليوم!” أجابها ضاحكًا وهو يدفع العربة نحو الغرفة الأولى، كان يعلم قدرة الممرّضات في هذا المركز، فقد تدرّبن على المبادرة في أصعب الحالات.

كان معظم المرضى مستلقين في أسرّتهم يستمتعون بمنظر الثّلج البهيّ.

وحيدةٌ في شيخوختها تحدّق نحو المدى، خلف الزجاج، هناك حيث تذوب الأحلام في طيّات الأثير، تنتظر حمامةً زاجلةً تحمل تحيّة الصّباح.

  • “أرى وجهك وقد ملأته الصّحة اليوم يا سيّدتي”، قالها مبتسمًا للمريضة العجوز في الغرفة الثّالثة، هي هنا لليوم الخامس على التّوالي، أرسلها المأوى لإجراء الفحوصات السّنويّة ولتعديل الدّواء، كانت هنا وحدها لمدّة أسبوع يعود في آخره سائق المأوى ليعيدها مع تقرير طبيّ مفصّل.
  • صحيح يا دكتور، هذا اليوم رائع، انظر.. ما أجمل الثّلج الذي يغطّي الشّجر! منذ ستّةٍ و خمسين عامًا غطّى الثلج مرسيليا يوم زفافي، لم يكن ثوبي هو الأبيض الوحيد في ذلك اليوم. لم يستطع الموكب الوصول إلى قاعة البلديّة، وقفنا جميعًا تحت الثلج في شارع السان فيريول، سوق العيد يمتدّ خلفنا من المرفأ القديم، وحولنا  كانت أضواء عيد الميلاد تلمع في وضح النّهار. تصوّر أنّ العمدة قدم سيرًا من دار البلديّة ليقيم مراسم الزّفاف؟! لا زالت عائلتي تخبر هذه القصّة حتّى اليوم، صار اسمي من يومها “عروس الثّلج”، أنا أحبّ الثّلج و هو يحبّني، قالت بصوتٍ حالمٍ و عيناها لا زالتا تناجيان الرّيح الرّاقصة خلف أبعاد البصر.  
  • نحن محظوظون أن الثّلج سمح لنا برؤية هذه الابتسامة النّادرة على وجهك.
  • “لو لم يكن الطّقس مثلجًا؛ لرأيتها تضحك ملء قلبها”، أردفت الممرّضة ضاحكةً خلفه
  •      “ولم ذلك؟” سأل متعجّبًا!
  • هيّا ، أخبريه يا سيّدتي.
  •      “هي على حقّ”، أجابت العجوز مبتسمةً، “لولا الثلج، لجاء ابني لزيارتي، فقد منعه الطقس من ذلك”
  • ولكني أراك فرحةً سعيدةً.
  • صحيح أنّه لم يأت، لكنّه هذه المرّة فعلًا، كان مزمعًا المجيء، وعندما وجد الطرقات مقطوعةً كلّمني على الهاتف لمدّة ساعةٍ كاملة، ساعة كاملة يا دكتور، كم أنا سعيدةٌ، لو أنّه أتى لاكتفى بقبلةٍ وببضع دقائق ثمّ هرول عائدًا قبل ساعات الازدحام، أنا أعلم أنّه يحبّني، ولكنّ الأيّام لا ترحم، الوقت الذي لديه يكفي للعمل ليس إلّا، عليه أن يعيل أطفاله، الأولاد اليوم لا يكبرون في فرح الشّمس على أرصفة النّسيم، هم بحاجة لكلّ منتجات الحضارة المكلفة، لم يعد يكفِهم أن يلعبوا تحت السّماء الزّرقاء.
  •      “لا تقلقي يا سيّدتي، فالسّماء غدًا ستكون زرقاء كحجر الفيروز”، أجابها وهو يغادر غرفتها، وعلى وجهه أمائر الارتباك، فهو لم يدرك بعد ما الإحساس الملائم الذي يجب أن يعتريه أمام هذا المشهد الأبيض، وأمام هذه السّيّدة البيضاء، أمام “عروس الثّلج”، هذه الحارسة الرّابضة على باب الزّمن وإن كانت تقبع في سرير، وكأنّها أحد أبطال كتب مارسيل پانيول الذين عاشوا في هذه التّلال في قرى تشبه ضيعته في الجنوب.
  • كم كان يتمنّى لو كان جميع المرضى في هذا الطّابق كأبطال روايات پانيول، واقعيّون واضحون لا يشبهون لعب الأحاجي والدّهاليز، ولكنّه كان يعلم أن بقيّة المرضى الذين ينتظرونه خرجوا على الأرجح من طائرة دو سانت إكزوبيري قبل أن تختفي قبالة هذا الشاطئ، تشجّع وأكمل جولته نحو الغرف المجاورة ليستكشف ما فيها من ألغاز.
  •     “دكتور، ألا تريد أن تكتب الملاحظة اليوميّة في الملفّ”، قالت الممرّضة و هي تعطيه القلم الأزرق، “لن تترك هذه الصّفحة بيضاء كالثّلج، أليس كذلك؟”.. أردفت مبتسمة.

صفحة الكاتب في حانة الشعراء

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s