لم أنم ليلتها..

لم أنم ليلتها..

د. بلقيس بابو

اللوحة: الفنانة البريطانية إيزابيل كودرينجتون

كان الليل قد بدأ يسدل بعض خيوطه حين عدت للبيت، تمكن التعب منّي، ولم يكن طموحي وقتها يتعدى حماما ساخنا وحساء دافئاً، أستسلم بعده لنومٍ عميق.

رنّ هاتفي فجأة، ترى من يكون المنادي في هذا الوقت؟ عساه خيرا.

إنه رقم المشفى..!

آلو دكتورة !.

 نعم.

  هل يمكنك القدوم على وجه السرعة؟

 ماذا هناك؟

–  حالة مستعجلة. 

– أجبت دون تفكير: أنا قادمة.

لِمَ لم أعتذر علّهم يبحثون عن زميل آخر؟ فأنا متعبة جدا.. لا يهّم، علّيَ الذهاب.

أعود لأرتدي ملابسي، انتعلت حذاء رياضيا، لا وقت لدي لأبحث عن جوارب نظيفة، فقد بدت لي ممرضة الحراسة متوترة جدا.

انطلق بسيارتي مازجة بين قليل من السرعة وبعض من الحذر علني أستطيع الوصول قبل فوات الأوان.

تتكدس العربات الواحدة تلو الأخرى، هناك حاجز للشرطة، سأتأخر. يزداد توتري، اقتربت من الشرطي وأظهرت له بطاقتي المهنية من وراء زجاج النافذة، فأومأ لي بالمضي دون توقف.

أركن سيارتي عند باب المشفى وأدخل مسرعة، ما إن تخطيت باب قسم المستعجلات؛ حتى لمحت رجلا أربعينا وقد دفن رأسه بين يديه، وفي زاوية أخرى شابة لا تقوى الوقوف من شدة البكاء تدعمها سيدتان تحاولان التخفيف عنها وحثها على المزيد من الصبر، مشهد يجعلني أتساءل عن مدى صعوبة الحالة، وأقلق مما يمكنني فعله .

أدخل قاعة العلاجات الأولية، الممرضة تصل رضيعا لم يتم ربيعه الأول بعد بالأوكسجين، وطبيبة الانعاش تحاول أن توصل يده الصغيرة بحقنة المصل، محياه يعلوه زُرقة تنبئ بانخفاض كبير للأوكسجين في دمه، حركات تنفسه المتسارعة وأنينه يَبُتّان فيَّ الرعب، وينبئان بصعوبة حالته، والخوفَ من العجز عن إنقاذه.

 ترفع الممرضة رأسها:

آه قد وصلتِ الدكتورة. آلة الفحص بالصدى جاهزة.

أتقدَّم نحو الصغير، بكاء أمه يبعثر أفكاري، وصورة أبيه المحزون يزيد من قلقي، أبدأ الفحص لتشخيص حالته، قلبه بالكاد يتحرك، تشوه كبير بعضلة القلب، قلب يعمل ببُطَيْنٍ واحد، تختلط الدماء الغنية بالأوكسجين، بالدماء الفقيرة منه والغنية بثاني أكسيد الكربون، والتنفس في تلك الحال لا يكون فعالا، فلن ينقي الدماء كما ينبغي، ولن يفيَ بحاجة الجسم من الأوكسجين اللازم للحياة.

الأوردة الرئيسية ليست في مكانها الطبيعي، الوضع حرِجٌ جدًا، عضلة القلب لا تقوى على ضخ الدم بشكلٍ جيد، للأسف، لقد تأخر هذا الطفل في تلقِّي العلاج بالوقت المناسب..!

نصِلُه بالتنفس الاصطناعي، نحقن أدوية مدِّرة للبول، وأخرى لتخفيف الضغط على عضلة القلب.. تنظر إليّ زميلتي طبيبة الإنعاش و قد تسلل اليأس إليها، تقول جازمة:

   الأمل ضعيف… لا أمل في إسعافه.

 سأتحدث إلى والدَي الصغير.

***

لا حزن ولا وجع أقسى من مرارة فقد الابن.. لحظة يتمنى أي أب وأم أن يفارقوا الحياة قبل أن يروها، وأن يسبقوا أبناءهم إلى القبور لا أن يحملوهم إليها، مرارة لا تساويها مرارة، وتصبح الحياة بعدها غير الحياة ويظل القلب بعدها ينزف حزنا حتى الموت.

أخرج الى الأبوين في موقف لا أُحسد عليه؛ محاولة أن أجد مدخلا مقبولا ولطيفا؛ لإبلاغهم بحقيقة الوضع .

 –سيموت، أليس كذلك؟

باغتتني الأم بسؤالها، وعيناها الممتلئتان بالدموع تحاصرانني، زعزعَتْ توازني وفرضت عليَّ أن أجيبَ دون مراوغة: 

– الوضع سيء جدا، التشوه كبير بقلبه ولا يمكن إجراء أي تدخل جراحي. كان يجب القيام بذلك منذ شهور. تأخرتم في إجراء الفحص للأسف، هل لديك أبناء آخرون؟ 

– أربعة. أجابني الأب بعجالة.

 – الحمد لله. ولم أكد أتم جملتي حتى عاجلني قائلا واليأس يتكور على ملامحه:

 – ماتوا جميعا.. وأجهضَت اثنين..

تحجرت الكلمات بين شفتي، صعِقْتُ من الرّد، وددت لو أني لم أسأل من البداية.. لكنِّي فهمت لماذا تركوا الصغير حتى وصل إلى هذه الحالة المتأخرة؟ إنه الخوف من فقده كإخوته.

– هل أنت و زوجتك أقارب؟ 

– أجل.. نحن أبناء عمّ.

توقفت الزوجة عن البكاء، ونظرت إليَّ بعينين واسعتين محملتين بوابلٍ من الأسئلة الصامتة المستنكرة. 

هربت من نظراتهما ودخلت من جديد إلى الغرفة حيث يلفظ الصغير أنفاسه الأخيرة، طبيبة الإنعاش مازلت تبذل قصارى جهدها. مضت أكثر من نصف الساعة ونحن نحاول مساعدته. يدخل الطفل في غيبوبة. يتوقف قلبه.. أقوم بتدليك القلب مرة، اثنان، ثلاث دون جدوى، أرفض أن يرحل، لا أتحمل رؤية الأطفال يتألمون ويرحلون.. تجذبني الممرضة من ذراعي.. يكفي دكتورة يكفي، لقد فارق الحياة.

 بكل أسف أخبركم أن رضيعكم رحل عن هذه الحياة.

انهارت الأم الشابة، ووضع الوالد رأسه على الحائط كأنه يحول دون سقوطه.

أردفتُ قائلة وكلِّي ألم وغضبٌ لفقدان الصغير:

–  هل أجريتما فحصا جينيا؟ يبدو أن كليكما تحملان خللا جينيا، وبسبب قرابتكما يؤدي ذلك إما لموت الجنين أو حدوث تشوهات خطيرة فيه، يجب أن تقوموا بذلك قبل حدوث أي حمل آخر، لا يمكنكما الاستمرار في إنجاب الأولاد ليموتوا الواحد تلو الآخر.

 ما إن أتممت جملتي حتى هزَّ الأب رأسه مناديا زوجته، نظرت إليه منكسرة فعاجلها:

–  لن تعودي إلى البيت بعد اليوم، يمكنك مرافقة والدتك.. أنتِ طالق!

كان الأمر صدمة كبيرة، أكانت نصيحتي قاسية إلى هذا الحد؟ أم أنه كان ينتظر الفرصة فقط لفعل ذلك..؟

مات الصغير، وافترق الزوجان.. يا لها من ليلة حزينة، رجعت إلى بيتي شاردة، محبطة، لم أعد أفكر في الحمام الساخن، ولا وجبة الحساء، كل تفكيري ينصب على ما تفاجئنا به الحياة من تجارب كل يوم، ورغم تمكن التعب الشديد منّي، لم أستطع إلا الاستسلام لأرق الأفكار، فلم أنم ليلتها.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s