العروس

العروس

بثينة الدسوقي

اللوحة: الفنان النمساوي غوستاف كليمنت

لا تقلقي.. سيكون كل شيء على ما يرام.. تصبحين على خير يا حبيبتي.

*** 

أصوات من بعيد تؤرقني وتفزعني.. أبواب تفتح وتغلق وصريرها يأتيني كأنه من عالم آخر

الطنين يعلو في أذني.. أذني.. ألم أكن أنوى أن أثقب أذني ثقباً آخر قبل زفافي.. لماذا تراني نسيت؟ ألم أكن أخطط لتغيير ما يراه بي ياسر منذ أربع سنوات هي عمر خطوبتنا؟

غمامات من القلق تتأرجح حولي.. وأحاول أن أذكّر نفسي بموعد مصففة الشعر في العاشرة صباحاً.

***  

أتقلب في الفراش وقد أعجبتني نعومة جسدي بعد أن صار جسد عروس، أشعر بشيء صلب يلمس ساقي فأنتفض مذعورة.. إنها وحدات الخرز التي تطرز ثوبي وقد تناثرت على فراشي في كل اتجاه.. كيف يا أمي تركت ثوبي بلا رعاية حتى سقط منه كل هذا العدد؟

أحتضن ثوبي بشغف.. فيتساقط المزيد من الخرز.. وأنادى أمي: ألم تأت بعد مصففة الشعر؟

***  

أغسل وجهي جيداً وأنظر لوجهي في المرآة.. يا إلهي.. لمن هذا الوجه؟

يطالعنى وجه غريب مليء بالبقع البنية.. أتلفت حولي.. هل هو وجه غيري؟

لا أحد..

تركت دموعي تنهمر على بقعي البنية.. وتهاويت.

***  

تزوجي من يحبك يا علا، ودعي من تحبينه لشأنه، من يحبك سيعطيك دوماً ولن يبخل، ولكن من يتعود الأخذ منك.. سيستبيحك.

إنها كلمات أمي.. لا أدرى لماذا تطوف بذهني الآن؟ ترى هل لأني أحب ياسر كثيراُ.. وحبه يكاد يملكني؟ لكنى أثق أنه يحبني أكثر.. ترى هل سيكون لطيفاً وحانياً اليوم كما أتمنى؟

***  

كيف حالك يا لوللا.. أدعو ربى لك بكل السعادة.

إنه جَدي الحبيب.. يجلس بجواري.. يحب أن يناديني بهذا الاسم ويقول لي أنه أجمل من علا

وأنظر له.. صدره يعلو ويهبط في هدوء جميل لكنه مريب، أرجوك يا جدي لا تمُت الآن!

إنه تعدى الثمانين.. وسيأتي اليوم الذي سيفارقني فيه بالتأكيد.. ولكن ليس الآن يا جدي.. إنني أدعو لك الله دوماً أن يطيل في عمرك، ولكني الآن أدعو أكثر، فليكن موتك بعد زفافي بشهور أو أكثر، لا أريد أن تقترب ذكراك من يوم زواجي حتى لا يُقال أن زواجي شؤماً على العائلة.. سامحني يا جدي!

***  

ليتك يا أمي تبعدين كوب الحليب العالق بيدك منذ زمن وتتركينني أرتاح، كم أحب رائحة العطر الذي عطرتني به يا أمي قبل نومي، تلهيني قليلاً رائحة العطر، لكنى انتفض مذعورة

هل أنا عذراء؟

أعلم أنني عذراء.. ولكن قد يحدث أن أكون غير ذلك!

هناك أحوال قد تُظلم فيها الفتاة، أو قد أكون أصبت نفسي وأنا بعد صغيرة لا أعي!

يجلس ياسر على حافة الفراش منحنياً بحيث لا أرى وجهه.. تتساقط قطرات العرق من صدره.

يا إلهي!

إنه يلتفت لي وينظر غير مصدق.. يضربني بكلتا يديه مرة ومرات.. أسقط أمامه والدماء تتساقط قليلة من أذني.

الحمد لله أنى ثقبتهما قبل زفافي لأعلق فيهما قرطي الماسي!

الغمامات تعود من جديد.. وتلفني، وياسر يحملني ويدور بي أمام الناس وعلى سلالم بيتنا الجديد، وفستان زفافي المليء بالخرز يتطاير من حولي.

أسمع أصواتاً بعيدة.. إنه صوت أمي:

علا..

     علا..

مصففة الشعر بانتظارك.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s