يوم غطى الثلج مرسيليا.. الأيقونة العجوز

يوم غطى الثلج مرسيليا.. الأيقونة العجوز

د. هشام منصور

اللوحة: الفنان الإسباني فرانشيسكو غويا

بمهابةٍ مغناطيسيّةٍ غريبةٍ تجذب النّاظرين، كالأيقونة البيزنطيّة التّي تنقلب فيها أبعاد الرّسم والهندسة فتجعلك تشعر أنّها هي التي تنظر إليك وتدخل في تفاصيلك عوض أن تدخل أنت إلى حناياها؛ وقف مريض الغرفة السّابعة يحرس بابها منتظرًا. 

اقترب منه على مهل، كم يتمنّى لو يستطيع تخطّي هذه الغرفة، هو طبيب أطفال، لم يكن مهيّأً للتّعاطي مع هذا النّوع من المرضى، خاصّة هذا المريض، يعلم  أنه لا يعاني من مرضٍ عضويٍّ، ولعلّه لا يحتاج لأن يخضع للفحوصات والتّخاطيط.

-“صباح الخير كيف صحّتك اليوم يا دكتور”،  بادره المريض الخمسينيّ بنظرةٍ جادّةٍ تضاعف من مهابة قامته المربوعة وشاربيه الضّخمين.

-“أنا بخيرٍ”، أجاب الطّبيب وهو يحاول بصعوبةٍ أن يخفي ابتسامته.. “والآن أخبرني كيف تجد نفسك اليوم يا سيّدي؟ كيف كانت ليلتك، هل من أوجاع أو عوارض أو شكاوًى تريد أن تخبرني عنها”

-أنا؟ أنا دائمًا بخير، أمس واليوم وغدًا، أنتم الّذين تقلقونني، أراكم كلّ يومٍ تَعبِين منهكين، تبحثون عن أسئلةٍ وعن إجاباتٍ ولا أجدكم تعثرون على أيٍّ منها!

-وأنت يا سيّدي، هل عثرت على إجاباتٍ على كلّ أسئلتك؟

-دكتور، أما آن لك أن تعرف أنّني أنا الإجابات، وإن كنت أبدو لك ولسواك وكأنّني سؤال معقّد.

-إذًا أنت تعرف يا سيّدي أنّ بك معضلةً أو أحجيةً طبّيّةً لم نسبر أغوارها بعد.

-أنتم تجهلون حقيقتي ولكنّ هذا لا يعني أنّني أجهلها، وأنا مطمئنٌّ ومرتاح لجهلك ولإدراكي، ولكنّ السّؤال يبقى: هل راحتي تقلقكم أنتم؟

هو يعلم أن الأخذ والرّدّ في هذه المباراة الفلسفيّة الكلاميّة قد يطول زمنًا وزمنين مع هذا المريض إن لم يضع حدًّا لهذا السّيل من العشوائيّة الفكريّة.

-“وهل هذه الرّاحة التي تحسّ بها بدأت بعد تناول الدّواء هذا الصّباح”، أكمل سؤاله محاولًا تجاهل هذا الرّدّ الذي اصطاده به هذا المريض، إن كان مريضًا حقًّا.

-أيّ دواء؟ أنا لم أتناول دواءً هذا اليوم.

-“آنستي؟” التفت الطبيب مندهشًا نحو الممرّضة.

-“لحظةً. دعني أتأكّد دكتور، أعطيته الجرعة بيدي عند السّاعة التّاسعة”، أكّدت الممرّضة هامسةً في أذن الطّبيب.

تذكّر أنّ الممرّضة قامت بتذويب الدّواء وأعطته للمريض مع العصير دون علمه. هو لم يكن راضيًا عن علاج المريض دون علمه بالدّواء، ولكنّ رأي غالبيّة أطبّاء الطّابق كان غالبًا على رأيه، وبالأخصّ بعد إصرار زوجة المريض وعائلته على إعطائه هذا العلاج لمعرفتهم بمصلحته، وتوقيعهم ورقة رفع المسؤوليّة، مجرّد التوقيع على ورقة كان كافيًا لاجتياح استقلال هذا الرّجل وكأنّه مستعمرةٌ مُنتَدَبَة.

-“لا بدّ أن هذه العاصفة الثّلجية التّي أرسلتُها اليوم قد شتّتت أفكاركم، كنت أظنّكم اعتدتم على مفاجآتي” أكمل المريض بنبرته الرّصينة المتّزنة.

لم يستطع الطّبيب أن يمتنع عن الرّدّ على هذا التّعليق المستفزّ بطرافته وعمقه المتناقضين ظاهرًا، والمتآلفين تمامًا مع شخصيّة هذا الرّجل الفريدة.

-“هذه العاصفة الجميلة هي من صنعك هذا الصّباح؟” 

-“هذه العاصفة لفتت نظركم لأنّها عطّلت أشغالكم، ولكنّكم لا ترون أعمالي الرائعة الأخرى كلّ الصبّاحات” أكمل الرّجل متنهّدًا، “آه لوكنتم تتريّثون!.. لو كنتم تتريّثون قليلًا بين الخطوة والأخرى، بين الوردة والزّهرة، بين الابتسامة والدّمعة، لكانت استوقفتكم آلاف العواصف التي تُبقي الأرض على دورانها، و الشّمس على انتظام ساعات إشراقها”

-“يعني ذلك أنّك أيضًا مسؤول بشكلٍ ما عن شروق الشّمس” أجابه مبتسمًا.

-شروق الشّمس وكسوف القمر وسقوط الثّلج، كلّها أنماطٌ  روتينيّةٌ عابرةٌ في مسار النّظام الأعظم، فقط عندما تتوقّف عن التّلهّي بإشراقة الشّمس؛ حينها ستدرك حقيقة الشّمس، وأنّها دومًا مشرقة.

-“إذًا الشّمس لم تشرق اليوم يا سيّدي”.. أجابه و هو يعلم في قرارة ذاته أنّ هذا المريض نجح في إعادته إلى حلبة الحوار، وربح الجولة الأولى، “و لكن هل تُراها ستغيب هذا المساء؟”

-دكتور المريض في الغرفة العاشرة يعاني من اختلاج كهربائيٍّ أظنّ أنّه يجب أن تسرع، صرخت الممرّضة المساعدة من آخر الرّواق.

-“عذرًا يا سيّدي، علي أن أذهب” ، قال بسرعةٍ وهو يربّت مستأذنًا على كتف المريض قبل أن يهرع راكضًا إلى الغرفة العاشرة.

-“كان الأحرى بك أن تطلب منّي المساعدة عوض أن تعتذر منّي وتهرع نحو المجهول” أكمل المريض بصوتٍ خافتٍ وهو يراقب الطبيب والممرّضات يقتحمون الغرفة في آخر الرّواق. 


صفحة الكاتب في حانة الشعراء

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s