عيون لا تنام

عيون لا تنام

د. أمل بشير

اللوحة: الفنانة المكسيكية فريدا كاهلو

عندما تخرجت في كلية الطب كانت تشعر أنه أجمل أيامها. نهاية رحلة التحصيل والأحلام. وأول خطوة في درب الطموحات. ذلك اليوم حين تحولت كل تلك الدمى التي احاطها بها والدها لأدوات حقيقية تجيد استخدامها، لكنها لم تظن أن ذلك الدرب ليس ممهدا كما كانت تراه.

كل سنوات الدراسة والتحصيل في تخصص الطب لا ينتهي ببلوغ هدف معين إنه يمتد ليشمل كامل فترة ممارسة المهنة.. ثم يتحول لإدمان حتى بعد التوقف عن ممارستها، لكنه أيضا طريق مفروش بالدموع. لا يحتمل أن تمشيه وانت عاري المشاعر مكشوف الأحاسيس فيعلق بك كل ما يلمسها خلال هذه الرحلة، فتتأذى وتتألم بكل ما يؤلم الناس ويوجعهم، فلا يعود لك علاج من الأحزان التي تحملها بين جنبيك لكل ما يصيبهم، فأوجاع المشاعر وامراضها يعجز الطب عن علاجها وتخفيفها، فلا يوجد هناك خط فاصل للتفاعل مع آلام المرضى واوجاعهم، والتأثر بها لدرجة تترك ندبة في الروح، فالنفس البشرية لا تملك هذه القدرة، لذا عليك أن تتدرب عليها، لكن مع ارتدائك رداء الرحمة والرفق المحصن بالحزم والقدرة على اتخاذ القرار في الوقت المناسب.

جالت تلك الأفكار بعقلها بينما تمددت على فراشها لتريح عضلاتها التي كانت تعمل بكد طوال يوم عمل آخر بالمشفى. حين اغمضت عينيها، في محاولة للاسترخاء، مر الكثير من الصور والأصوات بخاطرها. مازالت تشتم رائحة المعقمات التي اختلطت بروائح البشر الذين عج المكان بهم.

ما زال صوت تأوهات تلك المرأة يطرق سمعها ضعيفا متقطعا وهي تتأوه وتنادي: طارق!

احضروها ضمن حادث مروري هي وزوجها الذي توفي على الفور، وأصيبت هي بكسور عدة وجروح سيطول شفاؤها. 

لم تجرؤ أن تسألها من هو طارق، بينما كانت تعاينها وتتفحص إصاباتها، لم تحتمل أن يكون الرد أن طارقا هذا هو زوجها المتوفى؛ فتضطر أن تخبرها أنه رحل للأبد.

فتحت عينيها وكأنها احست بتلك اليد التي أمسكت بها وهي تخيط جراحها، وأخذت تنادي بألم يا رب.

قامت من فراشها وابتلعت دموعها التي فرت رغما عنها عندما تذكرت ذلك الشاب الوسيم الذي دخل في عراك لأن سارقا اختطف حقيبة سيدة فطعنه ذلك السارق بسكين هتكت احشائه واودت بحياته. والمحزن في الأمر: أن حقيبة السيدة لم يكن بها إلا حفنة مال قليل وهاتف محمول رخيص. 

وهذا الطفل الفزع الصغير الذي رمقها بنظرة استغاثة كأنها من سيحمل عنه كل آلامه ويخفي أي أثر لجراح أصابته حين سقط وهو يلعب مع أقرانه.

آلاف الأحداث تلاحقت ما بين دموع ألم، وصرخات فزع، وكلمات تسألها العون

جلست على اريكتها محبطة لا تدري كيف تتخلص من كل تلك الاحداث التي تعود معها للمنزل في كل ليلة؛ لتنهشها وتغض مضجعها، وكيف يمكن أن تتعامل مع كل هذا كأنه عمل عادي تتركه عند باب المشفى عندما تغادر؟ كيف تعتبر كل المرضى مجرد زبائن تنتهي علاقتها بهم بمجرد أن تؤدي عملها؟ كيف لا تبكي من يموت، وينخلع قلبها الما مع كل آهة لمريض؟ كيف تنسى ثكل كل ام ابنها. ووجع كل حبيب على حبيبه؟ كيف تتعامل مع كل القصص دون أن تنغمس فيها فتصبح جزءا منها؟ كيف تمنع تلك الفكرة التي تراودها في كل مرة بأن تفر من كل هذا فتنجو هي وان لم ينج سواها؟

 كل يوم كانت تدرك انها ما اختارت مهنة وإنما حياة كاملة، طريقا يوشك أن يغيرها للأبد. فكل ما كانت تعتقد أنه مهم قد بدأ بالتلاشي أمامها ليخبرها أن كل شيء كماليات.. مجرد اكسسوار. وأن الصحة والحفاظ على الأرواح هو فقط ما يهم، لا شيء قد يرجح كفة ميزان حياة انسان سوى أن يبقى على قيد الحياة، وأنها واحدة من أولئك الذين اختارهم رب السماوات لتحاول ما تستطيع لتنقذ تلك الأرواح.. لتمسح الأوجاع.. لتنجح احيانا بمشيئة الله بإعادة تاج الصحة على رؤوس بعض مرضاها.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s