هل من دواء للفقير؟

هل من دواء للفقير؟

د. أمل بشير

اللوحة: الفنان البرازيلي خوسيه فيراز دي ألميدا جونيور

أنهت مرورها الصباحي بالعنابر، وجلست على تلك الكنبة الخضراء الخشبية في الزاوية، الطاولة أمامها مكدسة بكل تلك الملفات التي عليها أن تنهيها. بقدر ما كانت تعشق عملها كطبيبة، كانت تمقت تلك الملفات الورقية المغلفة بالبلاستيك، ولكنها كانت بالطبع جزءا من العمل مهما، توثيق كل ما قيل وما يجب عمله. 

في أماكن أكثر تطورا من ذلك المشفى الحكومي حيث تعمل، يستخدمون أجهزة الحاسوب لذلك العمل، ولكن كيف لها التذمر وهي تعلم بالتأكيد أن ليس بمقدور دولة لا تستطيع توفير مجانية تامة للعلاج، أو حتى مستشفيات متطورة، أن توفر أجهزة حاسوب لتفعل ما تفعله هي وسواها ممن يعمل بها.

فتحت الملف الأول أمامها، زينب، انها تلك السيدة الخمسينية  بائعة الخضار، ذات الأطفال العشر، والمؤسف في الأمر أن الرجل الذي منحها كل أولئك الأطفال ترجل عن الرحلة وتركها تكمل المسير، ولكن مع قطار ممتلئ، ودون اي محطات توقف أو راحة، فانهار جسدها الواهن أمام الحمل الثقيل وكأنه يعلن التمرد على مسؤولية أكبر منه بكثير، فدمر خلايا البنكرياس التي تقوم بافراز تلك المادة: الأنسولين، والتي يمكن اعتبارها قائد معظم العمليات المهمة بالجسد، حيث تهتم بحركة ذرات السكر من وإلى الدم وخلايا الجسم فتدير عددا من الوظائف والمواد. كأنها أحد أهم قادة هذه المؤسسة العملاقة المدعوة استقلاب.

بينما تدون الفحوصات المخبرية التي تقيس السكر ووظائف الجسد الأخرى المتأثرة بحالة زينب. علت وجهها نظرة حزن وكادت دموعها تنجح بالفرار من مقلتيها، فكيف لزينب أن تحتمل تكلفة الأنسولين كعلاج لداء السكري الذي أصابها، وكيف يمكنها أن تتدبر غذاءا سليما يناسب وضعها الصحي وهي بالكاد توفر قوت يومها.

قد يعتقد الكثير أن السكري من نصيب الأغنياء، أو من يكثرون تناول الطعام، ولا يدرون ان للفقراء نصيب منه أيضا. فعندما ينقص إمدادنا من البروتين نتيجة لقلة تناوله، فإن جسدنا يعجز عن  تكوين تلك المواد الهامة كالأنسولين. والأسوأ انه يبدأ بالبحث عن البروتين، بتدمير بعض خلايا أعضائنا، في محاولة بائسة لحل مشكلة النقص، دائرة مفرغة تنتهي بإصابتنا بأسوأ أنواع السكري.

زينب وسواها ضحايا الفقر، يمرضون بسببه ولا يستطيعون الحصول على الدواء، ذلك القاتل الضاري الذي لم تجد البشرية حتى الآن سلاحا يقتله.

تبحث الدول دوما عن وسائل جديدة لتشخيص الأمراض وعلاجها، ويجتهدون بالبحث والتجارب بلا كلل أو ملل، ثم يعلنون اكتشاف أكبر اختراعات البشرية وعلاجا لأحد الأمراض دون أن يخطر ببالهم أن الفقر يجعل اكتشافهم عديم الفائدة، بالتأكيد في معركة المرض يتنافس ذلك الدواء مع الفقر؛ فيفشل تماما في إنقاذ أرواح لا تستطيع دفع ثمن الدواء.

الأنسولين قد ينقذ زينب ويعيدها لقطارها المزدحم لتواصل كفاحها بتربية أطفالها. لكن الفقر يسرق منها تلك الفرصة، ويحرمها حق الحياة. فمن قد يواسي أولئك الأطفال، أو يشرح لهم لماذا قد ترحل فرصة بقائهم على قيد الحياة، وقبطان تلك الرحلة القاسية؟

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s