المريض المعجزة

المريض المعجزة

د. بلقيس بابو

اللوحة: الفنان التونسي علي الزنايدي

جاء يشكو من ألمٍ حاد وسط الصدر، جانبه الأيسر بالكاد يتحرك، نسرع بداية بحكم الاختصاص إلى تسجيل التخطيط الكهربائي للقلب الذي ما فتِئ يبدأ بالظهور على الشاشة؛ حتى بدت علامات جلطة قلبية ناتجة عن انسداد أحد الشرايين التاجية، ما إن تظهر لنا هذه العلامات حتى تبدأ عتبة التوتر بالارتفاع، لكنّ تزامن ذلك مع شلله النصفي جعلني والفريقُ نتَرَيَّتُ قليلا قبل التفكير في إجراء قسطرة لشرايين القلب، فلابد من إجراء فحص للرنين المغناطيسي للدماغ قبل اتخاد أي قرار.

 كان الفحص وحصلنا على نتيجته، صدمنا بوجود ثلاث جلطات أو سكتات دماغية متفرقة، مختلفة المساحة ومتفاوتة الخطورة، كان لابد من القيام بفحص القلب بالصدى للتوضيح أكثر، فالحالة متعددة الجوانب وتبدو أكثر من معقدة.

تفاجأت بوجود فشلٍ لعضلة القلب ودمٍ متجلط داخل تجويفه، لم يكن ذلك إلا النقطة التي أفاضت الكأس ليتسلل اليأس إلى قلوبنا، اجتمع فريق من اختصاصات مختلفة، لتكون نتيجة الاجتماع آخر مسمار في نعش الأمل، لا يمكننا فعل شيء سوى وصف بعض الأدوية؛ لأن كل مشكلة صحية لديه تشكل عائقا أمام علاج الأخرى، خاصّةً وأن طبيب الجهاز العصبي قد منعنا من استعمال العلاجات المضادة للتخثر فأصبحنا في طريق مسدود  .

كُلِّفت بتحرير وصفة الأدوية، وإخبار ذويه بنتيجة مناقشة الحالة، وهذا أسوأ موقف يمكن أن يوضع فيه أي طبيب، مزيج من الإحساس بالفشل، الألم، وعدم الرضا، شرحت لعائلته الوضع بحذافيره وكانوا جد متفهمين لموقفنا وقرار فريقنا مما خفَّف عنّي عبء المهمة؛ فقرروا أخذه للبيت ليلفظ انفاسه الأخيرة بين أحضان أقربائه.

انتهيت من تحديد وصفة الأدوية رغم خفوت ضوء الأمل في شفائه، ومددت يدي بها لابنته، فقالت في رجاء: هل يمكن أن تتحسن حاله بهذا العلاج؟ 

– بإذن الله، أجبتُ باقتضاب. 

– متى نعود لزيارتك؟ 

 عندما تُشرف العقاقير على الانتهاء.

كان السؤال كالصفعة، كيف أستطيع تحديد موعد لها رغم اعتقادي أن الأمل في رؤيته مجددا ضعيف جدا، ولا أذكر حالة مشابهة واحدة تمكنتْ من النجاة؟

مرَّت أيام عدّة دونما خبرٍ جديد، كنت أتذكره من حين لآخر، لكني لم أجرؤ على السؤال، أخشى أن أسمع ما لا يرضي.

ذات مساء، يرن هاتفي، إنها ابنة المريض، أقتنص كلماتها من سماعة الهاتف متلهفة قلقة: -أرجوك دكتورة، هل يمكنك رؤية والدي مجددا؟ لم تتغير حالته كثيرا، أعرف أن وضعه معقد لكني لا أريده أن يموت.

أحسستُ كلماتها كقصفٍ متواصلٍ على رأسي، أجبتها دون تردد:

أحضريه غذا صباحاً.

حضرت باكرا إلى المصحة، لمحْتُهم يلِجون بابها، ومع كل خطوة يخطونها تزداد حيرتي حول ما يمكنني اقتراحه كحلول وعلاجات دون أن يسبب ذلك مشاكل أخرى.

أظنني استنفذت كل ما لدي، لكن في الوقت ذاته يجب أن يكون أدائي مفعما بالأمل في الشفاء؛ حتى ينعكس ذلك على نفسية المريض، ويرفع من معنوياته، يجب أن تبقى مخاوفي دفينة صدري، فَحَصْتُه طويلا من جديد، ثم اتخذت قراري: سأغير أسلوب العلاج.

أخبرتُه وابنتَه أني نويت استعمال علاج جديد إلا إنه محفوف بالمخاطر، وفي كل الحالات الأمل ضعيف، فلم لا نحاول؟ 

أجابت ابنته بالموافقة، واكتفى المريض بالإيماء برأسه ايجاباً، جددت وصفته الطبية، وصوتٌ في داخلي يتضرع الى الله بأن يوَفِّقني في ذلك.

مرَّت أيام كُثر، نحو الشهر الآن ولا خبر، بدأ اليأس يتسلل إلى قلبي، وصرت أتساءل إن كان قد فارق الحياة؟ وكلما مرّت الأيام أيقنت من ذلك، ودعوتُ له بالرحمة.

إنه يوم عمل عادي بالعيادة، أودِّع إحدى المريضات، أمدّ إليها ملفها الطبي، ثم أعود لقاعة الفحص لمعاينة المريض التالي، تدخل ابنته وهي تبتسم ابتسامة ماكرة لم أفهم معناها إلا لمَّا تبِعها والدها متكئا على عكاز يساعده على المشي بتوازن ما بسبب آثار الجلطة، اتسعت عيناي تفضح ذهولي، ولم أجد كلمة واحدة أعبر بها.. تتابع ابنته بفرحة الظافر:

– إنه والدي دكتورة، صار أحسن كثيرًا، جئنا اليوم لنشكرك، ولتفرحي معنا بنتائج عملك.

الحمد لله، هذا من فضله سبحانه.

استرجعت كل حماستي في العمل وكل الأمل لمتابعة علاجه، أخذت ملفه الطبي وكتبت في أعلاه: المريض المعجزة.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s