فنجان القهوة الأول

فنجان القهوة الأول

د. هشام منصور

اللوحة: الفنانة المغربية زينب التمسماني

(تحيّةٌ إلى روحٍ طيّبةٍ رحلت بصمتٍ في هذه العاصفة)


تعالى صوت جهاز الإشعار في جيب مريوله الأبيض مقلقًا راحة المتصومعين في مكتبة الجامعة، سارع إلى إطفائه تحت وطأة نظرات زملائه الذين لجؤوا إلى معبد الصمت هذا بعيداً عن ضجيج المستشفى إن لإكمال بحث ما أو لإتمام محاضرة.

لقد دخل المكتبة للتّو ولم يجد الوقت لتحويل الجهاز إلى وضعية الإرتجاج، لم تكن قد مضت بعد بضعة دقائق على مغادرته قسم العناية، كان يبحث عن متنفّسٍ في يوم مناوبته اللّيليّة الأولى في ذلك القسم.

نظر إلى شاشة الجهاز الصغيرة باحثاً عن الرّقم الذي يستدعيه وحثّ خطاه إلى غرفة الهاتف المعزولة ليطلب رقم قسم العناية وهو يقلّب الاحتمالات في باله.

  • طلبتم رقمي للتو.
  • دكتور أسرع Bébé نجّار تعبان، إنه صوت مساعدة الممرضة على الأرجح.
  • لحظات وأصل، قالها وهو يقفل السماعة دون انتظار الاجابة وهرع بكل السّرعة التي أوتيتها ساقاه اللّتان نسيتا مفهوم الرّياضة منذ بداية الدراسة الجامعية.

كانت سنته الأولى كطبيب مقيم في قسم طبّ الأطفال، وقد أمضى شهره الأول في قسم الأطفال الإعتياديّ وكان ينتظر مروره في قسم عناية الأطفال بنوعٍ من الوجل لما في ذلك القسم من حالات صعبة، وكان ليوم المناوبة الأول رهبة إضافيةً لما قد يحمله اللّيل من مفاجآت غير متوقعة قد تضع كفاءته الفتيّة في ميزان الإختبار.

وصل إلى باب المصعد الارضي، نظر سريعا إلى لوحة الأرقام، المصعد لازال في الطّابق التّاسع، قد يحدث المحظور قبل أن يصل المصعد، أكمل ركضه متسلّقا أدراج الطّوابق الثّلاثة وهو يحاول قدر المستطاع الحفاظ على رمق في رئتيه المتعبتين، مع كل خطوة كان يتذكر اسم أحد مرضى القسم، يراجع لائحة أسماء المرضى في ذهنه باحثًا عن المريض الذي ذكرته الممرّضة محاولاً مطابقة الاسم على حالة المريض، سعى جهده لتذكّر أسماء كل المرضى مع ملخصات حالاتهم وكتب لائحةً صغيرةً بها عند استلامه جهاز الإشعار من زميله المناوب في اليوم السّابق، هو يذكر كيف رمى إليه ذاك الجهاز الأسود الصغير كمن يتخلّص من جمرةٍ ملتهبةٍ أو كالذي يرفع عن كاهله حملاً مضنيًا. 

سارع إلى البحث في جيوب مريوله عن تلك الورقة الصغيرة، كانت جيوبه تشبه مغارة علي بابا، بما فيها من أقلام وأخشابٍ لفحص الحناجر وجهاز فحص الأذن والسماعة وثلاثة كتب طبيّة للجيب تحتاج حروفها لمجهر إلكترونيّ لقراءتها، من يراه يخرج هذه القطع من جيبه الصغير قطعة تلو الأخرى، يخاله ساحرًا ترفيهيا يبحث عن أرنبٍ في متاهات ذاك الجيب العجيب٠

وصل راكضاً إلى أول البهو الطويل، بقيت بضع خطواتٍ بينه وبين باب قسم العناية.

كانت تلك الورقة تقبع بهدوء في قعر جيبه، تحت كتاب الهارييت لاين وقربه الفارماكوبيا والسانفورد، على ما هو متوقع من أي شيء تحتاجه عند الطّوارئ.

حاول أن يوازن خطواته وهو يستعرض أسماء المرضى على تلك القصاصة المستطيلة إسمًا إسمًا. 

أين يختبئ اسم ذاك المريض؟ إنه ليس على تلك اللّائحة.

دفع الباب مقتحمًا القسم بعنفوان بطلٍ صنديدٍ مغوارٍ مندفعٍ إلى غمار معركة ليستشهد أو لينتصر، متأهِّبًا لأن يطالعه مشهد الممرّضات يعصفن في غرفة هذا المريض الأحجية في محاولاتٍ لمساعدته بما تيسّر بانتظار وصوله الميمون، هذا إن لم يكنّ قد اتصلْن بزميله المناوب الذي يسبقه في سنوات الاختصاص.

 قسمِ العنايةٍ هادئٍ تماما، يطالِعُهُ بدهشة، يتسمّر في مكانه مشدوها قبل أن يتكئ على الكرسي المجاور للباب ويحني ظهره محاولاً التقاط ما بقي من أنفاسٍ تتراكض خارج رئتيه المنهكتين، أغمض عينيه مرارًا قبل أن يعود فيحدّق بمشهد الغرفة الهادئة أمامه حيث جلست جميع الممرضات، يتوسطهنّ زميله الطبيب المناوب وقد علت وجوه الجميع ابتساماتٌ معبّرة.

  • يه يه يه، شو عملتِ فيه؟ أنفاسه تتقطّع، “مش حرام عليكِ”، قالت أحد الممرّضات الشّابّات وهي تنظر بلومٍ إلى مساعدة ممرّضةٍ في مقتبل العمر. 
  • صحتين، بادره صديقه ضاحكا، أكلت الضرب؟ نحن السابقون وأنتم اللاحقون.

وتقدمت مساعدة الممرّضة حاملةً فنجان القهوة واضعةً إيّاه تحت أنفه “لا تقل لي لا تحب قهوة نجّار”، قالتها ضاحكة تلك الضّحكة شبه البريئة التي يعرفها جميع أعضاء القسم. هي من مساعدات الممرّضات اللّواتي أعطتهنّ سنوات الحرب خبرةً ومعرفةً غير تقليديّة بوسائل العلاجات التمريضيّة، في زمن لم تكن فيه الشّهادة بقيمة الفطنة البديهيّة، كان الجميع يحبّ تلك السّيّدة لما في عملها من إتقانٍ وتفانٍ إضافةً إلى طيب قلبها وبراءة روحها وابتسامتها التي لا تبرح شفتيها وإن كانت تحمل أحيانًا نقمةً على الزّمن. 

  • ولكنني لا أشرب القهوة
  • أنت تمزح، طبيب لا يشرب قهوة “كيف يعني؟”، هدِّي، كلّ شيء يبدأ برشفة، تذوّق قهوة يديّ وبعدها نرى رأيك بالقهوة.

كان أوّل فنجان قهوة يشربه في حياته، ابتهاجه بتلك الرائحة الغنيّة المتصاعدة من فنجان الشّفّة الّصغير يفوق بأشواط ما أحسّ به عند ابتلاعه ذلك السائل الأسود.

  • يسلموا إيديك بتجنّن… قالها مسرعًا قبل أن تبادر بسؤاله عن رأيه، فالذي يتكبّد مجهود ابتكار هذا السناريو اللّطيف ليكسر وطأة غرفة العناية يستحقّ على الأقلّ كلمة شكر.

كان لذلك الإجتماع نكهةٌ مختلفة عن مشاعر القلق التي ساورته عند بداية هذا النهار، لقد اطمأنّ إلى الطاقم الذي يحيط به في قسم العناية في تلك الأثناء، فكلّ الحاضرين متجانسون من حيث التّفكير والتّواصل والكفاءة، ولسنوات الخبرة التي لديهن ما يطمئنه على مصير الأطفال في حال حدوث أمر طارئٍ. 

لم تكن الجلسة طويلة فبعد انتهائه من فنجان القهوة بثوان، كانت الملفّات الطبيّة قد تراكمت على الطاولة بقربه في انتظار تحديث الوصفات الطّبية للأطفال الخدّج الذين يقيمون في هذا القسم لأشهرٍ في بعض الأحيان، بانتظار وصولهم إلى وزن الكيلوغرامين.

  • كيف حال الطفل في الحاضنة الثالثة هل بدأ بتقبّل الحليب عن طريق الفم؟ 
  • لا زال بطيئا جدّا، أجابته الممرّضة المسؤولة، لم يتناول أيّ شيءٍ اليوم.
  • دعيه علي، سارعت مساعدة الممرضة بالقول وهي توضب ركوتها مع الفناجين، ليس هناك من طفل يرفض الأكل من يديّ، أكملت ضاحكةً.
  • هي تنطق بالحق، همس صديقه في أذنه مؤكدا بابتسامة ثقة.
  • صحيح أنني لست متزوّجةً بعد وليس عندي أولاد ولكن هل ترى كل هؤلاء الاولاد، هم وغيرهم قبلهم، جميعهم أولادي.

مرت ساعات الغروب سريعًا، كل الأطفال مستقرون، ربّما عليه أن يستفيد من ساعات الهدوء هذه لينام قليلا تحسّبا للمفاجآت التي قد تطرأ في ساعات الليل. كان القلق يخيّم عليه، لم يستطع إغماض عينيه على غير عادته، أخذ يتقلّب على السّرير الضيّق يمينًا ويسارًا، هذه ليست ليلة مناوبته الأولى، مضت عدّة ساعات ولم يغمض له جفنٌ وهو يحاول جاهدًا أن يجد تبريرًا لقلقٍ في غير محلّه في ليلةٍ هادئةٍ على غير عادة ليالي المناوبة.

كان عليه أن يملأ هذا الفراغ الغريب بعملٍ ما، لم يكن أمامه سوى القيام بجولةٍ أخرى على المرضى وإن كانت السّاعة قد تجاوزت الثالثة بعد نصف اللّيل، فهومن ناحيةٍ سيجابه هذا القلق الغريب ومن ناحيةٍ أخرى سيطمئن على المرضى الذين في عهدته.

كانت تجلس هناك قرب المذود وتحمل في يديها طفلًا صغير الحجم يكاد تسعه راحتيها، شأنه شأن جميع الأطفال الذين يولدون قبل أوانهم. كان الطّفل صامتًا هادئًا مطمئنًّا إلى اليدين اللّتين تحملانه.

  • “ما قلتلّك؟” قالتها وهي ترفع الرضّاعة الفارغة بكل فخر كمن يرفع كأس بطولةٍ عالميّةٍ، “ثلاثون ملليلترًا من الحليب، أخذها كاملةً ولكن بعد عناء، كما أقول دائمًا كلّ شيءٍ يبدأ برشفة”
  • يعطيك ألف عافية، أجابها سعيدًا بهذه النّتيجة، فهذا الطّفل لن يبقى طويلًا في المستشفى بعد.
  • ما بالك تَعِبًا هكذا؟ أكملت متفاجئةً من شكله المرهق فهي تعلم أنّ الممرّضات لم يوقظْنَه طوال المساء.
  • لا أدري لماذا أعجز عن النّوم، أجابها متأفّفًا.
  • إذًا أنت حقًّا لا تشرب القهوة، ظننتك تمزح سابقًا.

هي على حقّ لا بدّ أنّ القهوة فعلت فعلها في جسمه في ليلة المناوبة الأولى.

  • لا يهمّك، أكملت ضاحكةً وهي تعيد الخديج إلى مهده، في المرة المقبلة حين نكون سويا في المناوبة أطيب فنجان قهوة بيضاء من هذين اليدين أفضل دواء للأرق.

تركها تتابع عملها، وأكمل دورته على باقي المرضى، جميعهم ينامون مطمئنّين، بينما بقي هو وباقي طاقم القسم مستيقظين متأهّبين.


صفحة الكاتب في حانة الشعراء

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s