الماركسي الأنيق

الماركسي الأنيق

محمود حمدون

اللوحة: الفنان الأميركي يعقوب لورانس

” لازم يبقى لينا موقف”، كان صوته يعلو بطبقات متباينة من الحدة والخشونة ثم ليونة مستترة، لتوصيل رسالته لنا، توقفت حركة الزهر بكافة الطاولات المنتشرة على مدد البصر بمقهى الشوشاني، سكتنا جميعًا احترامًا لمقولته ورددها بعضنا في سره وآخرين جهروا بعبارته بعد أن رنّت بآذانهم ووقعت موقعًا منغّمًا جميلًا استراحت له أفئدتنا “فعلا لازم يبقى لينا موقف”.

ولما رأى أعناقنا قد ألتوت واشرأبت إليه من مختلف زوايا المقهى الكبير علت وجهه ابتسامة النصر ثم جذب أقرب كرسيّ وجلس كذكر طاووس بألوانه الزاهية.

وقال: بحكم ماركسيتي وتبحّري بدروب السياسة أكررها لكم وعلى الملأ وبملئ فمي “ينبغي أن تكون لنا وقفة صارمة” وغدًا نجتمع في الثامنة صباحَا على قلب رجل واحد بالميدان الكبير، ثم صاح فينا مهددًا وملوّحًا بيده، أشار لعقاب سينزل بالمتخلّفين عن الحضور ثم انصرف.

بعد رحيله سرت في المقهى شرارة الثورة واندفع الصغار من الروّاد بنزق مفاجئ في التنديد بالوضع ونعتوا الكبار بانهزامية متأصلة وتربية أقرب لتربية الداجنة. قذفونا بكل نقيصة وألصقوا فينا تهمًا لم نسمع بها من قبل، فلم نجد غير الصمت رداءً نتدثر به تقية من ثورتهم وغضبتهم المفاجئة، وبحلول الحادية عشر مساءً انفض السامر وخلى المقهى من ساكنيه.

في الصباح التالي وقبيل السادسة بقليل أيقظني رنين هاتف، صديق يخبرني بالحضور في الموعد المحدد بالميدان الكبير.

وفي تمام الثامنة كنت أنا والصديق وروّاد المقهى من الصغار والكبار بخلاف كثيرين من المقاهي المجاورة، في الميدان نقف في صفوف كما قيل لنا. انتظرنا مجيء صديقنا “الماركسي” الأنيق ساعة امتدت لثلاثة ساعات كاملة.

لم يُخرجنا من حيرتنا سوى بائع فول يدفع عربته أمامه، وقد فاحت رائحة بضاعته فهّيجت مشاعرنا، تذكرنا أننا خرجنا من ديارنا دون إفطار، فاندفعنا نحو عربة الفول كجيش يحاصر مدينة عتيقة تتداعى أسوارها تحت وطأة بطوننا الخاوية،

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s