التشكيل اللغوي وإنتاج الدلالة – قراءة في قصيدة «قناديلُ للقتلِ مرفوعةٌ» للشاعر وليد الزوكاني

التشكيل اللغوي وإنتاج الدلالة – قراءة في قصيدة «قناديلُ للقتلِ مرفوعةٌ» للشاعر وليد الزوكاني

د . محمد سعيد شحاتة

اللوحة: الفنان الإسباني سلفادور دالي

لقد أصبحت القصيدة السورية في السنوات الأخيرة – سواء في الداخل أو الخارج – قصيدة مفخخة بالأحلام المنكوبة والرؤى المدمَّرة نتيجة الشروخات النفسية الذي أصابت الإنسان قبل أن تصيب البيئة بمكوناتها ومخزونها الحضاري والإنساني، وتجلى ذلك في العديد من الإصدارات سواء على مستوى الاختيارات المحددة للعناوين، أو على مستوى نسيج القصيدة نفسه، أو على مستوى الانحيازات الجمالية والفكرية، كما بدت أنماط أخرى من الإصدارات الإبداعية حاملة نبرة التحدي للواقع، ومتكئة على المخزون الحضاري الممتد عبر آلاف السنين، ومن ثم وجدنا الانحيازات الفكرية والجمالية للقصيدة السورية متنوعة، ومعبرة بذلك عن تنوع الرؤى والاتجاهات في مواجهة الواقع وتداعياته، إن الشعراء السوريين صورة مصغَّرة للوطن، فمنهم من وقف صامدا يحكي المأساة بمرارتها وقسوتها ودراميتها؛ ليكون شاهد عيان على ما حدث، ومنهم من ضرب بمعوله في عمق التاريخ؛ ليستشهد بأحداثه على أن الوطن سيقوم ثانية أقوى وأصلب عودا، ومنهم من رصد التآمرات من الشرق والغرب، كاشفا عن الوجه القبيح للمتآمرين سواء من ذوي التوجهات القومية أو الأصولية، أو غيرها من التوجهات، ومن الشعراء من وقف مع الدولة في مواجهة التدمير، ومنهم من هاجر، ومنهم من قتل، ومنهم من هُجِّر، ومنهم من آثر الصمت إما نجاة بنفسه من التجاذبات المختلفة، أو صدمة من هول المأساة، وفي جميع الأحوال كانت هناك تنويعات كثيرة ومختلفة في مواجهة المعاناة التي ألمت بالمجتمع بأسره، وحملت القصيدة السمات الفكرية لهذا التنوع والاختلاف، وسوف نتوقف أمام قصيدة (قناديل للقتل مرفوعة) للشاعر السوري وليد الزوكاني، وكان اختيارنا لهذه القصيدة ناشئا من كونها مصوِّرة للواقع بصورة محايدة، بمعنى أنها تمثل انحيازا للإنسان ومعاناته، ولا تمثل انحيازا لاتجاه معين، فهي تصور المأساة كما هي بدون إسقاط فكر الشاعر على الواقع، وتوجيه النص وفقا لرؤيته الخاصة، وانحيازه الفكري، على أننا لابد أن نشير إلى أن القصيدة السورية بصفة عامة لم تحظ بدراسات مطولة وعميقة تستوعب هول المأساة، وتداعياتها على الإنسان ورؤاه الفكرية وانحيازاته الجمالية، وسوف يمر وقت طويل حتى تجد هذه القصيدة من يقف أمامها وقوفا علميا بعيدا عن الرؤية الخاصة، والقناعات الفكرية للناقد.

عتبة الولوج

يتشكل العنوان من جملة اسمية مكتملة الأركان (قناديل/مبتدأ – مرفوعة/خبر) بيد أن المبتدأ قد أضيف إليه ما يخصصه، ويوجه ذهن المتلقي إلى العنصر الفاعل في القصيدة/للقتل، والذي يمثل نقطة ارتكاز فيها، وبؤرة تشكُّل للبنية المضمونية التي ستنشر شبكة علاقاتها اللغوية في القصيدة طولا وعرضا، لتشكِّل بذلك الرسالة التي أرادها الشاعر أن تصل إلى المتلقي ويتفاعل بها، ويصدِّق على ملامحها كاملة، ويمكن أن نتصور الصياغة اللغوية للعنوان بطريقة أخرى؛ لنرى مدى عمق الدلالة للبنية اللغوية المختارة في العنوان، وأثرها في إنتاج دلالة النص، فمن الممكن أن يكون العنوان (قناديل القتل مرفوعة) وهنا يصبح لفظ (قناديل) معرفة نتيجة إضافته إلى لفظ (القتل) المعرَّف بالألف واللام، فاكتسب منه التعريف، وتصبح بذلك الدلالة معرفة، وهي أن القناديل التي تمارس القتل معروفة ومحدَّدة، وهنا تتوجَّه دلالة القصيدة إلى ضرورة مواجهة هذه القناديل التي تمارس القتل بأساليب معروفة؛ لأن هذه القناديل معروفة ويمكن تحليلها ومعرفة بنية تفكيرها وطريقة مواجهتها؛ لإيقاف القتل الواقع منها، ولكن الشاعر لجأ إلى صياغة أخرى مختلفة للعنوان، فجاء بلفظ (قناديل) نكرة، ثم خصَّصها بالقتل من خلال لفظ (للقتل) المجرور بحرف الجر اللام، ثم جاء لفظ (مرفوعة) نكرة كذلك؛ ليدل على أن تلك القناديل التي تمارس القتل غير محددة الهوية، فهي مجلوبة من كل اتجاه، ومختلطة التوجهات والأهداف والرؤى، متماشيا بذلك مع دلالة النكرة في لفظ (قناديل) الدالة على العموم في نطاق جنسها، فإذا كانت النكرة تدل على مطلق وغير معيَّنٍ وعام في نطاق جنسها فإن لفظ (قناديل) النكرة يدل كذلك على مطلق وغير معيَّنٍ وعام في نطاق جنسه، وقد اكتسب ذلك من كونه نكرة، ثم يأتي لفظ (قناديل) جمعا؛ ليدل على أن هذه القناديل متنوعة وكثيرة ومختلفة، فينضاف بذلك دلالة أخرى إليها إلى جانب دلالة التنكير، وبذلك يصبح لفظ (قناديل) دالا على الكثرة نتيجة كونه جمعا، ودالا كذلك على العموم والشمول نتيجة كونه نكرة، فإذا نقلنا ذلك إلى الدلالة المضمونية نجد أن القناديل التي تمارس القتل في وطن الشاعر كثيرة ومتنوعة ومختلفة الأهواء والأهداف والأفكار والرؤى، فإذا أضفنا إلى ذلك كله معنى لفظ (قناديل) فإن الدلالة تصبح أكثر وضوحا في ذهن المتلقي، فقد جاء في المعجم المعاصر (قِنْديل، جمع قَنَاديلُ: مصباح في وسطه فتيل يُملأ بالماء والزَّيت ويُشعل:-قِنْدِيل المسْجِد/ نَفْطٍ، – يُستخدم القنديل عند انقطاع الكهرباء.|• قنديل البحر: (الحيوان) نوع من الأسماك له خمس أذرع., مُقَنْدِل:- كلمة تقال في معرض السِّباب أو السُّخرية بمن يجلب لنفسه سوءًا أو لغيره سوءَ الحظِّ، أو يأتي أمرًا منكرًا. |2 – كلمة مولَّدة قديمة التوليد، مأخذها من القنديل، وكانوا يقولون لمن يتعهَّد قناديلَ الزيت: مقندل) فإذا أخذنا بالمبدأ القائل بأن القصيدة صياغة لغوية متقنة فإن اختيار لفظ (قناديل) في العنوان قد جاء نتيجة عملية فكرية متقنة في ذهن الشاعر، ومن ثم فإن الوقوف أمامها حتميٌّ؛ لأن العنوان كما قال امبرتو إيكو مفتاح تأويلي منذ اللحظة الأولى التي نختاره فيها، ومن هنا يكون الوقوف أمام معنى لفظ (قناديل) ضروريا؛ لاستكمال دلالة العنوان الذي يمثل رسالة مشفَّرة من المبدع أودعها النص إلى المتلقي، والدلالة المعنوية للقنديل تدور حول مجموعة من المعاني، منها القنديل المصباح الذي يستخدم للإضاءة، وهو يملأ بالزيت أي أنه بدون هذا الملء لا يضيء ويفقد قيمته ومهمته، وقنديل البحر نوع من الأسماك له خمس أذرع، والقنديل كلمة تقال في معرض السخرية، وإذا كان المعنى الأول/المصباح هو المراد في العنوان فإن هذا لا ينفي إلقاء المعاني الأخرى بظلالها، وبخاصة عند تحليل القصيدة، ونلاحظ في المعنى المراد أن القنديل مهمته إضاءة الطريق للاهتداء في الظلمات (يُستخدم القنديل عند انقطاع الكهرباء) معنى هذا أن القنديل ذو دلالة إيجابية؛ فهو يحمل معنى النور والاهتداء، ولكن الشاعر أخرجه في العنوان من دلالته الإيجابية ليمنحه دلالة سلبية؛ فهذه القناديل التي تستخدم لهداية الناس، وإنارة الطريق أمامهم قد تحولت عن مهمتها الرئيسة/الهداية إلى مهمة أخرى تدميرية، فبدلا من أن تُخرج الناس من الظلمات إلى النور كانت وسيلة من الوسائل التي أفقدتهم حياتهم تماما؛ فقد تحولت إلى أداة للقتل والتدمير، ومن ثم يصبح الجزء الأول من العنوان دالا من ناحيتيْ التكييف اللغوي والمعنوي على التدمير والقتل المتنوع والمختلف والكثير والعام المطلق وغير المحدد، فالقتل هنا لمجرد القتل، فليس للقتل هدف إلا القتل، كما أن لفظ (قناديل) بمعناه/المصباح قد تحوَّل إلى إضاءة الطريق لتنفيذ الهدف الأساس/القتل، وبذلك يكون العنوان مفتاحا تأويليا دالا يحرِّك الإطار العام للنص، وينسج شبكة من العلاقات اللغوية يكون هو عمودها الفقري، ثم يأتي الخبر/مرفوعة؛ ليعمِّق المعنى السابق، فهذه القناديل التي هي للقتل مرفوعة، وكان أمام الشاعر اختيارات متعددة للخبر بيد أنه اختار لفظ (مرفوعة) بدلالته المضمونية؛ لتتوافق بذلك مع دلالة (قناديل) وإذا كان الخبر من الناحية النحوية يمثل حكما على المبتدأ فإن لفظ (مرفوعة) قد حكم على القناديل من هذه الزاوية، وإذا كان الخبر يمثل الجزء الذي يكتمل به معنى المبتدأ فإن لفظ (مرفوعة) قد أكمل المعنى الذي ابتدأه لفظ (قناديل) أما مضمون لفظ مرفوعة فيدور حول الارتفاع بحيث يراه كل أحد، وهذا يعني أن قناديل القتل لم تعد مجهولة لأحد، فهي كالرايات المرتفعة التي يراها الجميع، ولا يستطيع أحد إنكارها، وإذا ذهبنا مع عبد القاهر الجرجاني بأن ترتيب الكلمات في الجملة ناشيء من ترتيبها في الذهن فإن ذلك يعني أن لفظ (قناديل) يحتل بؤرة الاهتمام والتركيز من الشاعر؛ لأنه جاء أولا، فالتقديم يدل على أهمية اللفظ الذي تم تقديمه في الجملة، وهذا يعني أن لفظ (قناديل) ذو دلالة مركزية في ذهن الشاعر من هذه الزاوية أيضا. لقد جاء العنوان ببنيته اللغوية والمضمونية دالا على الإطار العام الذي سوف يتحرك فيه النص، فأصبح/العنوان بذلك مفتاحا تأويليا.

حركة المعنى

لقد تآزرت حركة المعنى في القصيدة مع دلالة العنوان فعبَّرت عن حالة التدمير والقتل التي اختزلها العنوان في بنيته المضمونية، وسوف نقسم القصيدة إلى خمسة مقاطع دالة على حركة المعنى صعودا وهبوطا مشكِّلة تضاريس القصيدة المختلفة في محاولة لاستكناه عالم النص، والوقوف على النقاط الأساسية التي يرتكز عليها النص في إنتاج دلالته.

(1)

دمٌ في الطرقات.. 

وقناديلُ للقتلِ مرفوعةٌ 

بيتٌ يصيرُ شظايا 

والغبارُ الذي جُنَّ 

واقفٌ في الفضاءِ كشجرةْ.

يبدأ المقطع الأول بالنكرة (دم) ليضعنا في بؤرة التساؤل عن ماهية هذا الدم ومصدره، وأسبابه، ومن أساله، ثم تتوالى عناصر المشهد؛ لتكتمل الصورة، فالدم في الطرقات، والقناديل مرفوعة للقتل، والبيوت تصير شظايا، وكلها/عناصر المشهد الرئيسة ألفاظٌ نكرات (دم – قناديل – بيت) ولكن اللفظ الوحيد في المشهد الذي جاء معرفة هو لفظ (الغبار) وإذا كانت النكرة دالة على مطلق وشائع في نطاق جنسه فإن الدم قد صار شائعا، فلا تمييز بين رجال ونساء، أو أطفال وشباب وعجائز، أو لون ولون، أو ديانة وديانة، أو عنصر وعنصر، لقد اختلطت الدماء كلها بحيث يصعب، بل يستحيل التمييز بينها، فإذا جاء لفظ الطرقات ازداد المعنى وضوحا؛ لأن الطرقات التي يسير فيها الناس دون تمييز قد امتلأت بالدماء دون تمييز أيضا، وقد زاد المعنى عمقا ورود لفظ (دم) كاسم جنس؛ ليدل على مطلق الدماء، أما اللفظ الثاني النكرة (قناديل) فقد جاء جمعا؛ ليتوافق في الدلالة مع لفظ (دم) فالقناديل عامة ومطلقة/نكرة، فلا نستطيع تمييزها، وقد تحولت من أداة للهداية في الظلمات إلى أداة لهداية القتلة لممارسة شهوة القتل؛ لتسيل الدماء في الطرقات، وكذلك جاء لفظ (بيت) نكرة؛ ليدل على المعنى الشائع والمطلق، فليست هناك بيوت محددة تم تهديمها، ولكنها عامة البيوت، فالتهديم طال البيوت دون تفريق، كما كانت الدماء السائلة في الطرقات مختلطة دون تمييز بينها، فالكل تعرَّض للقتل، ولكن اللفظ الوحيد الذي جاء معرفة في هذا المشهد هو لفظ (الغبار)؛ ليكون بذلك هو المعرفة الوحيدة التي تنشر أجنحتها على المشهد كاملا، فالشيء الوحيد الذي صار معروفا هو الغبار، لقد تحول كل شيء إلى غبار، وأصبح الغبار هو المسيطر على المشهد كاملا، فكل شيء مجهول إلا الغبار، ويضيف الشاعر إلى الغبار أوصافا تضعه في عمق الرؤية (والغبارُ الذي جُنَّواقفٌ في الفضاءِ كشجرة) لقد أصاب الغبار الجنونُ، والجنون حالة من عدم السيطرة وفقدان العقل والتوازن، وهنا تنغرس الدلالة في عمق المشهد؛ لتكون بنية المشهد كاملا، فالغبار قد فقد توازنه، أي أن الييوت قد تحولت إلى غبار في كل مكان، ولم تعد شيئا مذكورا، وأصبح الغبار كشجرة جذورها في الأرض وأغصانها في الفضاء، والمشهد يصور الغبار وقد ملأ المكان وتطاير في الفضاء، وأصبح يغطي كل شيء، ويمنع الرؤية؛ لأنه إذا كان امتد من الأرض إلى الفضاء فإنه قد حجب الرؤية، وإذا نظرنا في التشبيه (كشجرة) وجدنا اللفظ نكرة أيضا، فالغبار وإن كان معرفة فإن المشبه به نكرة، وكأن الشاعر لم يجد شيئا يستطيع أن يصف به هذا الغبار ويكون مشبها به معروفا فلجأ إلى تشبيهه بالشجرة، ولكنه لم يجد شجرة في الواقع يمكن أن تنقل الصورة المرادة فاستخدم اللفظ نكرة لينقلنا بذلك إلى التصور الذي أراده، وهو شجرة ممتدة في الفضاء، وهي شجرة غير موجودة في الواقع المعيش؛ ليبين لنا أن صورة الغبار الذي يتحدث عنه لا يمكن أن يكون في صورته الطبيعية؛ لأن المشهد كاملا خارج عن إطار التصور والعقلانية، وداخل في إطار الجنون، وفقدان التوازن (والغبارُ الذي جُنَّ). إن التكييف اللغوي للألفاظ قد كشف عناصر المشهد كاملا؛ ليكون مدخلا متصوَّرا وأساسيا في الرؤية، ويشكِّل بؤرتها، ثم تأتي الألفاظ المكملة للجمل لتعمق الدلالة المرادة (في الطرقات – للقتل – يصير شظايا) فقوله في الطرقات قد توافق مع كثرة الدماء؛ فالطرقات قد جاءت جمعا لتتوافق في ذلك مع كون لفظ (دم) نكرة دالا على العموم والشمول، ولفظ (للقتل) جاء لتخصيص القناديل بأنها قد ارتفعت لتضيء الطرقات للقتلة، فتحولت بذلك من دلالتها الإيجابية إلى دلالة أخرى سلبية هي القتل، أما (شظايا) فهي تمثل التحول للمكان الدال على السكون والهدوء والاستقرار (بيت) إلى شظايا متناثرة وغبار متطاير في الفضاء.

(2)

هنا مَرَّ الوطنْ..                                                        

الشوارعُ مُغلقةٌ 

والسمواتُ موصَدةٌ.

قد يتأخّرُ الموتُ هذا المساء 

وقد لا يجيء 

ليظلَّ الموتى يئِنّونَ في طوابير القيامة.

ينقلنا المقطع الثاني إلى صورة مرتبطة بمشهد المقطع الأول، فيبدأ بلفظ (هنا) إشارة إلى المكان القريب، ومن اللافت أن الشاعر يقول (هنا مرَّ الوطن) وكأن الوطن لم يعد موجودا، بالمفهوم المتعارف عليه، فقد مرَّ من هنا، وكأنه يشير إلى أن الملامح التي مرت في المشهد الأول هي ملامح الوطن المدمَّر، ثم تتوالي الألفاظ المعرفة على عكس ما ورد في المقطع الأول (الوطن – الشوارع – السماوات – الموت) إن الملاحظ في الألفاظ التي تمثل ركائز للرؤية في هذا المقطع قد جاءت معرفة، وإذا كانت المعرفة دالة على المحدد والمعروف عكس النكرة فإن الشاعر يدفعنا إلى الاعتقاد بأن الوطن معروف ومحدد ولكنه مدمَّر، والشوارع معروفة، ولكنها مملوءة بالدماء، والسماوات كذلك معروفة ولكنها تغطَّت بالغبار، واكتست بملامح مختلفة، فلم تعد تلك السماء الصافية، ولم يعد الوطن هو ذلك المكان الآوي لأهله آمنين مطمئنين، ولم تعد الشوارع كما كانت معهودة، لقد تغيَّر كل شيء، واكتسب صفات أخرى وإن كان معروفا فعليا، ولكنه تغيرت ملامحه، وهذا التغير جاء على المستويين اللفظي والمعنوي، فعلى المستوى اللفظي جاءت ألفاظ دالة على التغير (مغلقة – موصدة) فالشوارع أغلقت، فتوقفت حركة الحياة، فإذا أضفنا إليها ما ورد في المقطع الأول تنكشف الصورة، فهي أغلقت نتيجة امتلائها بالدماء، ولم تعد محلا للسير والحركة الانسيابية التي كانت تتميز بها، والسماء موصدة؛ لأنها امتلأت بالغبار الذي غطَّاها، وهو ما ورد في المقطع الأول (والغبارُ الذي جُنَّواقفٌ في الفضاءِ كشجرة) وفي هذا المشهد/الشوارع مغلقة والسماوات موصدة يتجلى الموت بأوجهه المتعددة (قد يتأخّرُ الموتُ هذا المساءوقد لا يجيء ليظلَّ الموتى يئِنّونَ في طوابير القيامة) تبدأ الجمل المرتبطة بالموت بحرف (قد) الدال على الاحتمال، ولكنه آت لا ريب فيه، ولكنه قد يتأخر، وفي تأخره أو عدم مجيئه ستزداد معاناة الموتى؛ فهم سوف يئنُّون في طوابير القيامة، وهنا تأخذنا الدلالة إلى ضرورة التأمل في البنية المضمونية لهذه الجمل (قد يتأخّرُ الموتُ هذا المساءوقد لا يجيء ليظلَّ الموتى يئِنّونَ في طوابير القيامة( فالموت المراد هنا ذو دلالتين الأولى الموت بمعناه المعروف في الذهنية الإنسانية (قد يتأخر الموت هذا المساء، وقد لا يجيء)وهنا الموت بمعناه المتعارف عليه، أما قوله (ليظلَّ الموتى يئِنّونَ في طوابير القيامة( فالمقصود بالموتى هنا الذين ماتوا معنويا بتدمير بيوتهم وتحجيم حركتهم، وتخويفهم ليلا ونهارا، فهم وإن كانوا أحياء، لكنها الحياة التي تشبه الموت؛ فالشوارع مغلقة والسماوات موصدة والدم في الشوارع والقناديل مرفوعة للموت، إن الموت يحيطهم من كل جانب، وتزداد المعاناة عندما تتشظى البيوت، وتتحول إلى غبار يملأ السماء، ويسد الأفق، لقد تحولت الحياة إلى موت، ليظل الموتى يئنُّون في انتظار القيامة، أي في انتظار الخلاص؛ فالقيامة هي الخلاص من كل هذا، والاقتصاص من القتلة والذين دمّروا كل شيء وأحالوا الحياة إلى موت.

(3)

ليس في أرضنا قتلٌ إذن                                            

ولا مجزرةْ.

يأتي المقطع الثالث قصيرا جدا؛ ليعبر عن أن القتل قد أصبح سمة مألوفة للحياة في الوطن، وهنا يصبح الإنكار الممتزج بالسخرية ضروريا؛ للرد على المدافعين عن القتل والقتلة، الذين يرونهم يدافعون عن حقوق الناس، فيقول الشاعر ليس في أرضنا قتل، وليس في أرضنا مجزرة، والذي يجري ليس سوى شيء عادي، وهو خبر ممزوج بالألم والمعاناة لهذه المشاهد المرعبة من القتل والتخريب والتدمير، لننتقل بذلك إلى المقطع الرابع؛ ليكون نتيجة طبيعية لما ورد في المقطع الثالث.

(4)

ولدٌ يركضُ بين ظلامين 

اتركْهُ

لا تُلقّنهُ المحبّةَ

الحربَ

السلامَ،

الشرفَ

اتركْهُ

يمثل هذا المقطع النتيجة التي اكتست بها النفس الإنسانية، ويبدأ بنكرة (ولد) ليدل على الإطلاق وعدم التحديد، وهذا الولد يركض بين ظلامين، وجاء لفظ (ظلامين) نكرة أيضا ليدل على الإطلاق وعدم التحديد، لقد صار كل شيء هلاميا وغير محدد، ولا ملامح محددة له؛ فالولد والظلامان كلاهما نكرة، وهذا الولد يركض/ينطلق، فالمشهد كله عبثي، ومن ثم كان قول الشاعر (اتركه/لا تلقنه المحبة/الحرب/السلام/الشرف) فهذه المعاني كلها لم تعد لها قيمة في قاموس هذا الولد/الحاضر والمستقبل؛ لأنه لا يرى إلا الظلام أمامه وخلفه، فهو يركض بين ظلامين، فما فائدة هذه الألفاظ ودلالاتها وما تدعو إليه إذا كان الولد/المجتمع لا يرى أمامه إلا القناديل المرفوعة للقتل والسماوات الموصدة والشوارع المغلقة والبيوت التي تحولت إلى شظايا، والغبار الذي كسا الفضاء، والظلام الذي يحيطه من كل جانب، فهل تصبح هذه الألفاظ وما تشير إليه، وتدعو له ذات قيمة حقيقية في ذهن هذا الولد/المجتمع؟! ومن ثم وجدنا الشاعر يعيد اللفظ (اتركه) في دلالة واضحة على أن كل ذلك لا قيمة له، ولن يحظى باهتمام من جانب هذا الولد، ويختم الشاعر قصيدته بالمقطع الخامس الذي يشير إلى الأمل الحقيقي الذي قد يفتح ثغرة في جدار المقبرة.

(5)

وحدهُ الأبيضُ الذّاهلُ 

يفتحُ للموتِ ثُغْرةً 

في جدار المقبرةْ.

نلاحظ أن سيطرة الألفاظ المعرفة (الأبيض – الذاهل – الموت – المقبرة) وقد تساوت الكلمات ذات الدلالة الإيجابية (الأبيض – الذاهل) مع الكلمات ذات الدلالة السلبية (الموت – المقبرة) ولكن لفظ (ثغرة) الدال على الأمل جاء نكرة؛ ليدل على العموم والشمول والإطلاق/دلالة النكرة، فملامح الثغرة، أو الحل للخروج من المأساة ليس محددا، ولكنها ينبغي أن يكون ذا حضور، إن الأبيض الذاهل هو وحده القادر على فتح الثغرة في جدار المقبرة، والبياض رمز للصفاء، فالعودة إلى الصفاء/الخلاص من أسباب المأساة هو الوحيد الذي يفتح كوة في جدار المأساة، وينشر ضوءا في الظلام الذي يحيط من كل جانب، وهنا لم يكن الشاعر مأساويا عبثيا، وإنما فتح بابا للأمل في نهاية القصيدة، فثمت أمل للخروج من هذه الدائرة التي تحترف القتل والتخريب والتدمير.

النص بين الخبرية والإنشائية

نلاحظ أن الأساليب الخبرية ذات حضور طاغ على القصيدة منذ البداية؛ فقد جاءت أساليب القصيدة كلها خبرية ما عدا ثلاثة مواضع في نهاية القصيدة (اتركْهُ – لا تُلقّنهُ المحبّةَ – اتركْهُ) فالأول أسلوب أمر الغرض منه النصح والإرشاد، وكذلك الأسلوب الثالث أمر الغرض منه النصح والإرشاد، أما الأسلوب الثاني فهو أسلوب نهي، ولكنه لم يخرج عن الدلالة نفسها، فالغرض منه كذلك النصح والإرشاد، فالشاعر ينصح المستمع أن يترك الطفل المنطلق بين ظلامين؛ ليواجه المصير، ويكتشف العالم بكل مآسيه، ويتعامل معه بأساليبه الملتوية، فلا ينبغي أن نلقن هذا الطفل الكلام عن المحبة؛ لأنها وهم في هذا العالم، ولا نلقنه شيئا عن السلام أو الشرف أو الحرب؛ فإن ذلك كله لم يعد له جدوى في ذهن هذا الولد، وهذه المفردات التي يستخدمها العالم مفردات جوفاء لا معنى لها؛ فقد تم تفريغها من محتواها الدلالي، وأصبحت تكتسي بالمصالح، وتتغير بتغير الأهواء، ولذلك فإن تلقين الطفل إياها لا جدوى منه، وأما بقية الأساليب في القصيدة فقد جاءت خبرية، وهو ما يتناسب مع الطبيعة التشكيلية للقصيدة، وهي طبيعة حكائية؛ إذ تقدم القصيدة تقريرا عن تجربة ما زالت ماثلة للعيان، ويئنُّ منها الضعفاء والمظلومون، والبسطاء، والمدنيون الذين لم يرتكبوا إثما سوى أنهم ولدوا في هذه البقعة من العالم، فهذا إثمهم الوحيد الذي لا دخل لهم فيه، ومن الملاحظ أن الشاعر حين تحدث في المقطع الأول لم يستخدم أساليب التوكيد، ومن ثم فقد اعتبر المخاطب خالي الذهن، أي أنه لا يحتاج إلى توكيد الكلام؛ فالمخاطب إذا كان (خالي الذهن من الحكم على أحد طرفي الخبر على الآخر والتردد فيه اسْتُغْنيَ عن مؤكدات الحكم … وإن كان متصور الطرفين، مترددًا في إسناد أحدهما إلى الآخر، طالبا له حَسُنَ تقويتُه بمؤكد … وإن كان حاكمًا بخلافه وجب توكيده بحسب الإنكار، ويسمى النوع الأول من الخبر ابتدائيا، والثاني طلبيا، والثالث إنكاريا، وإخراج الكلام على هذه الوجوه إخراجًا على مقتضى الظاهر”(١) فالشاعر يقول في المقطع الأول (دمٌ في الطرقات.. وقناديلُ للقتلِ مرفوعةٌ بيتٌ يصيرُ شظايا والغبارُ الذي جُنَّ واقفٌ في الفضاءِ كشجرة) وقد جاءت الجمل كلها خالية من التوكيد، ومن ثم فإن الشاعر اعتبر المتلقي خالي الذهن لا يحتاج إلى توكيد المعاني التي يسوقها إليه، وكأنه اعتبر هذه المعاني مسلمات لا تحتاج إلى توكيد، وهو ما يتناسب مع طبيعة هذه المعاني؛ فهي تعبر عن واقع معاش يشاهده الجميع أمام أعينهم يوميا، ومن ثم فإن إنكار ذلك ضرب من الخيال؛ لأن المنكر في هذه الحالة إنسان فاقد للرؤية والواقعية، ولا يمكن أن يكون من الذين يعيشون في هذا العالم الذي تشهد جهاته كلها ما يحدث، ومن ثم فإن الشاعر يرى أن كلامه لا يحتاج إلى توكيد من أي نوع؛ فالتوكيد يتوجَّه للشاكِّ، أو المنكر في عرف البلاغيين، والأحداث التي وردت في المقطع الأول ليس فيها شكٌّ أو إنكار، ولم تخرج بقية مقاطع القصيدة عن التشكيل الإخباري للسطور، وإن انتقلت إلى أفكار مختلفة عن أفكار المقطع الأول، ولكنها دارت في فلك الإخبار.

(١) الخطيب القزويني، الإيضاح في علوم البلاغة، ص 28

                                         قناديلُ للقتلِ مرفوعةٌ 

دمٌ في الطرقات.. 

وقناديلُ للقتلِ مرفوعةٌ 

بيتٌ يصيرُ شظايا 

والغبارُ الذي جُنَّ 

واقفٌ في الفضاءِ كشجرةْ.

هنا مَرَّ الوطنْ..

الشوارعُ مُغلقةٌ 

والسمواتُ موصَدةٌ.

قد يتأخّرُ الموتُ هذا المساء 

وقد لا يجيء 

ليظلَّ الموتى يئِنّونَ في طوابير القيامة.

ليس في أرضنا قتلٌ إذن 

ولا مجزرةْ.

ولدٌ يركضُ بين ظلامين 

اتركْهُ

لا تُلقّنهُ المحبّةَ                                                                                        

      الحربَ،

         السلامَ،

            الشرفَ

اتركْهُ

وحدهُ الأبيضُ الذّاهلُ 

يفتحُ للموتِ ثُغْرةً 

في جدار المقبرةْ.


الدكتور محمد سعيد شحاتة، شاعر وناقد وأكاديمي مصري حاصل على ليسانس لغة عربية في كلية دار العلوم – جامعة القاهرة، وماجستير ودكتوراه في البلاغة والنقد الأدبي.

صدر له إثنان وعشرون كتابًا في النقد الأدبي والتحقيق، وإثنا عشر ديوانًا شعرياً.

رأي واحد على “التشكيل اللغوي وإنتاج الدلالة – قراءة في قصيدة «قناديلُ للقتلِ مرفوعةٌ» للشاعر وليد الزوكاني

  1. كل الشكر والتقدير للشاعر الناقد الدكتور محمد سعيد شحاتة على هذه القراءة المعمقة والواسعة للنص، أعتز برأيه وباهتمامه، والشكر للصديقة جولييت على اهتمامها بالنشر.

    إعجاب

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s