سكتة تجميلية

سكتة تجميلية

د. بلقيس بابو

اللوحة: الفنانة المغربية الشعيبية طلال

صار لا يفوِّت فرصة حتى يمطرها بوابلٍ من الانتقادات بسبب تغير شكلها، وإهمالها لنفسها، لم تعد تلك الفتاة الجميلة الرشيقة التي تزوجها منذ ما يقارب ربع قرن، أنجبت الأولاد وأرضعت.. تحملت الكثير وضحَّت بالكثير، لم تستطع الاشتراك بنادٍ ولا إتباع حمية لدى خبير في التغذية، لأن جل تركيزهم كان منصبّاً على أن يأسس هو شركته ويطورها حتى أصبح من أهم رجال الأعمال بالمدينة.

كثرت الإهانات ولم يعد يسمح لها أن ترافقه إلى حفلات الشركة ولا مشاركته وجبات العشاء التابعة لأنشطة الشركة متحججا أمام أبنائه وزوجاتهم أن زوجته مريضة.. تقبلت إهاناته في صمت مميت، إلى أن أخبرها ذات يوم أنه قد حدّد لها موعدا مع جراح للتجميل لشفط الدهون من أجزاء مختلفة من جسمها وتعديل قوامها.. وأنه سيرافقها عنده، تردَّدتْ قليلا إلا أنها سرعان ما وافقت بعد أن أخبرها أن سيتركها إن لم تفعل ذلك.

*** 

تشير الساعة إلى السابعة مساءً، بدأت خيوط الظلام تنسج غطاءها فوق المدينة، ولا شيء مُغرٍ أكثر من العودة إلى البيت في هذا اليوم الممطر.. ما كدت أجمع أغراضي حتى رنَّ هاتفي، إنه رئيس قسم الإنعاش:

أُخْبِرتُ أنك مازلتِ بالمصحة؟

أجل، أنا هنا.

– أرجو ألا تغادري، حتى نعايِنَ معاً حالة قادمة من مصحة أخرى.

– حسناً، أنتظر.

ما هي إلا بضع دقائق حتى توقفت سيارة الاسعاف، أنزلت سيدة خمسينية يرافقها طبيبان، أحدهما اختصاصي في الجراحة التجميلية والتقويمية.. زجوا بها في المصعد مباشرة دون المرور بقسم المستعجلات، نستقبلها كما جرت العادة في هذا القسم بنشاط كبير كأن اليوم للتو قد بدأ، يضعها الممرضون فوق سريرها باحترافية عالية، ويصِلونَها بمختلف الأجهزة الحيوية الضرورية.. نتقدم لفحصها.. تبدو المريضة في غيبوبة، جانبها الأيسر لا يُبدي أية رد فعل.. على جسدها الكثير من الكدمات والضمادات… تبدو ملامح جلطة دماغية حاضرة بقوة إلا أنه يجب تأكيد ذلك بفحص مقطعي بالأشعة.. في انتظار ذلك، كان عليّ فحص القلب بالصدى، لأن النبض عالٍ جدا، تبدو عضلة القلب بحالة جيدة، وما تسارع النبض إلا مجرد رد فعل فيزيولوجي لحالتها… انتقلت بعد ذلك لفحص الشرايين السُّباتية وهي الشرايين المسؤولة عن ايصال الدم الغني بالأكسجين من القلب في اتجاه الدماغ.

يا للهول، صُعِقتُ ممّا رأيت، هناك تسلخٌ في جدار الشريان السباتي الأيمن نتيجة جرحه أثناء عملية شفط الدهون من منطقة تحت الذقن، ومعناه ان هناك تمزُّقٌ في الغشاء الداخلي للشريان مما أدَّى إلى تسلّل الدم بين الأغشية وبالتالي توقف توريد النصف الأيمن للدماغ بالدم المسؤول عن حركة الأطراف اليسرى.

خضعت المريضة لفحص مقطعي لم يمكن الا ليؤكد تشخيص السكتة الدماغية على مساحة كبيرة، أفقدت المريضة وعيها وقدرتها على القيام بأي حركة إرادية.. ظلت على هذا الحال ما يقارب الأسبوعين ولا تطور يذكر.. لم يعد زوجها يزورها ولا يسأل عن أحوالها..

في بداية الأسبوع الثالث، اتصل ابنها البكر المقيم بإحدى البلدان الاوروبية طالبا إعداد ملفها وتحضيرها لينقلها الى مشفى متخصص، حجز لها سريراً هناك.. حدث ذلك خلال يومين، ولم نعرف عنها شيئا بعد ذلك.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s