يوم المريض الفريد

يوم المريض الفريد

د. هشام منصور

اللوحة: الفنانة الإسبانية ريميديوس فارو

لاتكمن فرادة شهر شباط/ فبراير في كونه الشّهر الأقصر في السّنة، أو الشّهر

الذّي يحتلّ مكانة غريبة في أساطير الشّرق، أو الشّهر الذّي فيه يومٌ يزورنا كل أربعة سنوات فقط.

بل إن لهذا الشّهر أيضًا مكانه الملحوظ في المجتمع العلمّي الطبي منذ التاسع والعشرين من شباط من عام ألفين وثمانية، كونه قد تمّ اختيار اليوم الأخير منه يومًا للتّعريف بالأمراض الفريدة والنادرة وبمن يعانون منها، مذكّرين أشقّاءهم بوجود هذه الأمراض ولافتين نظرهم إلى أن هناك من يعانون منها مختبئين بعيدا عن الشمس في أحضان عائلات تحتضنهم وتمسح دموعهم بإرادة جبّارة وقلوب تنتظر الأمل. أملٌ بعلاج شاف يطوّره الطب يوما ما.

في هذا اليوم نتذكّر كلماتٍ مثل الحثل العضليّ أو أمراض الضّمور العضليّ والعصبيّ، وأمراض الإستقلاب الوراثية مثل مرض الفينيل كيتونوريا والتيروزينيميا والموكوبوليساكاريدوز وسواها من الأسماء الطّويلة المعقّدة التّي قد لا تطالعنا بعيدًا عن العالم الطبيّ وتكوّن عالمًا موازيًا غامضًا ومجهولًا بالنسبة لنا، ولكن جهلنا به لا ينفي وجوده ولا يوقف تطوّر هذه الحالات نحو مضاعفات ضخمةٍ وإعاقات هائلة. فيكون حامل هذا المرض شخصًا فريدًا في مجتمعه وقد لا يلتقي يومًا بشخصٍ آخر يشاطره هذا المصير.

  • لم نسمع يوما بهذا المرض
  • ليس لدينا أحد في عائلتنا يعاني من مرض مثل هذا
  • من أين أصابنا هذا المرض يا دكتور؟

هي عيّنة من التعليقات التي أسمعها في عيادتي عندما أبلّغ أهل أحد المرضى بإصابته بأحد هذه الأمراض. وهو أمر طُبيعي جدًّا، فعلى الرغم من أن تعداد الأمراض النادرة أوما نسمّيه “الأمراض اليتيمة” قد تخطّى حاليًّا عدد السبعة آلاف إلاَّ أنّ هناك شخصا من كل عشرين شخص في العالم يكون على صلة بشخص آخر يعاني من مرض نادر أوما نسمّيه مرضًا يتيمًا.

وخلافا للأمراض الشائعة التي تصيب آلاف الأشخاص لكل عام فإن تعريف المرض اليتيم يقوم على أنه مرض يصيب أقل من شخصٍ من كل مئتي ألف شخص.

هو رقم ضئيل جدا للوهلة الأولى وقد يتساءل القارئ عن جدوى المبالغة في التّعريف بحالات نادرة كهذه، ولكنه يغيب عن البال أنه في حال إصابة شخصٍ قريبٍ أو عزيزٍ بمرضٍ كهذا فهولن يعود نادرًا بالنسبة لأهل هذا المريض بل أنه سيصبح محور حياتهم بكاملها وليس محور حياة المريض فحسب. وحينها سيكتشف الشّخص أن ندرة هذا المرض لا تفوقها إلا ندرة الوصول إلى علاج. 

ومن هنا كانت مبادرة المجتمعات الطّبيّة بالتّعريف عن هذه الأمراض بغية لفت النّظر إلى وجودها والحثّ على القيام بالتّشخيص السّليم على أوسع نطاق ممكن، خصوصًا أن ابتكار علاج مناسب لمرض معين يرتكز على معاينة أكبر عدد ممكن فى المرضى بهدف فهم أساسات المرض الفيزيولوجيّة وصولًا إلى حثّ الباحثين على إيجاد علاج لهذه الحالة.

وتشتمل الأمراض النادرة على عدّة فئات منها ما يصيب العضل ومنها ما يصيب العصب ومنها ما يصيب أعضاء الجسد المختلفة عضوًا عضوًا وصولًا إلى تدهورٍ مضطردٍ في حالة المريض قد توصل إلى حرمانه من نعمة الحياة.

أما المشكل الرئيسيّ فهو يكمن في أن هذه الأعراض بمعظمها، إن ليس جميعها، هي نتيجة خللٍ جينيٍّ ضئيلٍ تمتدّ توابعه إلى تكوين جسد فيه شائبةٌ لا تتوافق مع مقوّمات الحياة المألوفة.

ولكلّ مرضٍ خللٌ يتميّز به عن سواه في موقع الجينة المتضررة. ولهذا لم يستطع الطّبّ الوصول إلى دواء واحد يعالج كلّ هذه الأمراض، فكلّ مرضٍ يستلزم دواءً خاصًّا بحدِّ ذاته يقوم بتصحيح الخلل الجينيّ أو أحد مضاعفاته.

وقد وصل الطّبّ حاليًّا إلى اختراع حوالي أربعمئة دواءٍ “يتيمٍ” كلُّ واحد منها يعالج مرضًا واحدًا ممَّا يتسبَّبُ بارتفاع سعر هذه الأدوية لصعوبة تصنيعها ولقلّة المستفيدين منها. وهنا يكمن دور المجتمع في توجيه البحث العلميّ نحو إيجاد علاجٍ لهذه الأمراض بعيدًا عن القيود التِّجاريَّة ولهذه النَّاحية أهميَّةُ في مجتمعاتنا الشَّرقية عمومًا والعربيّة خصوصًا، كون مجتمعاتنا لازالت مجتمعاتٍ مغلقةً يكثر فيها زواج القربى، وهو المسبّب الأساسيّ لتكاثر هذه الأمراض، إضافةً إلى انعدام وجود سجلّاتٍ طبّيّةٍ إحصائيّةٍ تعطي فكرةً دقيقةً عن هذه الأمراض وعن تعدادها، فنظنُّها أقلَّ بكثيرٍ ممَّا هي عليه. أضف إلى ذلك مفهوم الخجل من المرض بحد ذاته، فنرى عائلات تختبىء مع مرضاها خوفًا من تعليقات بعضٍ من أفراد المجتمع الذين لا زالوا قابعين في مجاهل التّخلّف المظلمة.

فليس بالغريب أن يسألني أحدٌ من أهل المريض أو حتى أقاربهم، بعد أن أمضي ساعةً في شرح المرض ومضاعفاته الخطيرة، فيقول

  • في النهاية الحقّ على مين يا دكتور؟

وذلك في محاولة لإلقاء اللّوم على كائن حيّ يستطيعون الاقتصاص منه حين تعجز نفوسهم عن مواجهة حقيقة أن للخالق مشيئة تفوق إدراكنا وأن لديه امتحانات يخضعنا لها ليهذّب ذواتنا.

ويغيب عن بالهم أن هذا الطفل، هذا المريض، لم يخطئ لا هو ولا أبواه بل لتظهر نعمة الله فيه.

فلعلّ اليوم الأخير من شهر شباط يكون يوما نحاول فيه أن ننظر أبعد من المألوف والمعلوم، ونبحث فيه عن حقيقة تختبىء خلف معاناة جارٍ أوصديقٍ لنا. فأحيانًا تكون الكلمة اللّطيفة خيرًا من جرعة علاج. وذلك بانتظار أن يطوّر الطب هذا العلاج.


صفحة الكاتب في حانة الشعراء

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s