في جبة مريض

في جبة مريض

د. بلقيس بابو

اللوحة: الفنان الإسباني بابلو بيكاسو

تتمكن مني آلام حادة أسفل الظهر، تكاد أطرافي السفلى تُشّل، حرمت من النوم لليلةٍ كاملة رغم محاولاتي الفاشلة بتناول بعض المسكنات المتوفرة لدي. لا أقوى على النهوض الا بمساعدة أحد أفراد أسرتي الذين يبدو عليهم الذهول أكثر من الشفقة على حالي، فلم يتعودوا قطُّ رؤيتي في حالة كالتي أبدو عليها اليوم.

تزداد الآلام حدّة، ولم يعُد لي بدٌّ من الذهاب الى المشفى، فقد نفذ مخزوني من الصبر. 

امتيازي الوحيد كمريضة هو أن زملائي كثر، سهلوا عملية نقلي الى المشفى بسيارة للإسعاف، فلم يعد بإمكاني السياقة أبدا. 

لم تكن اهتزازات السيارة الا لتزيد من شدة الآلام فتبدو الدقائق اللازمة للوصول طويلة جدا ولا منتهية.

أدخل المكان على كرسي متحرك، لطالما كرهت الجلوس عليه، يعطيك ذاك إحساسا مؤلما بالعجز، الفشل والاتكالية.. أنا التي لا تعرف الخمول أبدا.

يستقبلني الطبيب المداوم، يأمر الممرضة بحقني بمسكن من الدرجة الأولى، الذي لا يزيد عما تناولته قبلًا غير انه يُحقن عبر الوريد.. استسلم للأمر.. يخبرني الطبيب أن اختصاصي أمراض الجهاز العصبي أمره أن نجريَ فحصًا بالرنين المغناطيسي على عمودي الفقري في انتظار وصوله. 

على الكرسي المتحرك يقودونني عبر المصعد الى الطابق السفلي، أدخل قاعة الفحص بالرنين المغناطيسي، ثم تتملكني رهبة غريبة رغم تعودي على المكان وأصحابه، وما ان تمددت على الطاولة حتى أدركت ما يخبرني به مرضاي حين يصفون المرور من هنا يشبه الدخول في قبر، حيث لا حركة ولا نفس والصمت رهيب لا تخترقه الا أصوات الآلات، ودوران المحركات، أحاول أن أتخلص من هذا الجسد المنهك، وأحلق عاليا في عالم من خيال لا محدود، لا يبقى فيه للمكان ولا للزمان ولا للآلام حسابٌ. يبدو الموت مغريا احيانا.

تمرّ الدقائق ثم يعيدني إلى الواقع صوت الشاب تقني الفحص بالأشعة معلنا نهاية الفحص. يبدو أنني أعاني من فتق يبن الفقرتين الأخيرتين لعمودي الفقري.

 تزداد الأوجاع شدّة، وكأن مفعول ما تلقيته من مسكنات لم يعد كافيا، أوشك أن أصرخ من قساوتها، أسمع صوت زميلي يأمر بحقني بنوعين جديدين من مضادات الألم، الأول بحقنة تحت الجلد والثانية عبر الوريد، أحس ببرودته تسري في شراييني وما هي إلا دقائق حتى بدأت أشعر بضيق في التنفس وصعوبة كبيرة لجلب الهواء لرئتي، حركات صدري تتسارع، إني أختنق.

لابد أني أعاني من الأعراض الجانبية النادرة للمسكِّن، صرت في حالة هيستيريا وأنا أبحث عن أصغر ذرة أوكسجين. أرى الهلع على الوجوه، لم يتوقع أحد حدوث هذا العارض، قد ألفوا استعمال الدواء دون مشاكل، كيف يحدث أن تتعرض زميلتهم لهذا الحادث الاستثنائي؟ أراهم يركضون في كل صوب، يضعون على وجهي قناعا يسوق صبيبا كبيرا من الاوكسجين، كأنه يزيد من اختناقي، أوَّد خلعهُ، لكن الطبيبة بداخلي تأمرني بتركه. يحضر طبيب الانعاش، لم أعد أعي ما يقوله، لا شيء يهمني الآن، فأنا بين مطرقة مصارعة الموت، وسندان آلام ظهري التي لا تتوقف. إنهم يقومون بعملهم وثقتي بهم لا حدود لها.

 لا أدري كم مضى من الزمن قضيته، لأعود إلى الحياة، بتجربة قاسية استحضرها في بعض المواقف أثناء أدائي لعملي. عندما قضيت ليلة في جبة مريض.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s