تحت تلك القبّعة

تحت تلك القبّعة

د. هشام منصور

اللوحة: الفنان السوري قتيبة معمو

“والآن دور حضرة الأستاذ” قالها وهو يمدّ يده ليصافح الفتى الجالس في غرفة الانتظار بقرب والدته.

نظر إليه الطّفل مستغربًا  وهو يمدُّ يده بحذر، إذ لم يعاود المجتمع اكتساب هذه العادات الحسّيّة إلّا من فترةٍ قصيرةٍ.

“تفضّلوا” أشار بيده داعيًا إيَّاهما للدّخول إلى العيادة.

جلس الفتى أمامه مؤرجحًا رجليه تارةً وقاضمًا أطراف أظافره تارةً أخرى. يسرّح عينيه في كلّ أرجاء العيادة بشكلٍ سريعٍ ومتواترٍ. يمرّ على كلّ تفاصيلها بمسحٍ تكتيكيًّ منتظمٍ قبل أن يعود إلى مناورته الدّائريّة مع سائر عناصر الغرفة وكأنّه يلعب على شاشة هاتفه ويترقّب لونًا مضيئًا من هنا، وشكلًا قافزًا من هناك.

-“أرى أنّ المدرسة أرسلتكم بعد إجراء التقييم مع الأخصّائيّة النفسيّة، وهم يريدون إجراء تقييمٍ ووضع برنامجٍ علاجيّ بالتّزامن مع هذه السّنة الدّراسيّة” خاطب الوالدة بينما كان يتصفّح تقرير المدرسة الضّخم الذي حملته الوالدة معها. 

الفتى لا زال على حركته المتكرّرة وعدم استقراره في كرسيّه ولكنّه كان يتابع كلّ حركة من حركات الطّبيب ويشارك بتعابيره في الحوار الدّائر بينه وبين والدته.

-“يقولون لي أن ابني لا يمتلك من الذكاء ما يكفي ليتابع الدراسة مع أقرانه، وأنّ تركيزه ضعيفٌ جدًّا وهم يريدون إخضاعه لجلساتٍ علاجيّة حسيّة حركيّة مطوّلةٍ ومكلفة وأنا أفضّل حبّة دواء تحلّ المشكلة سريعًا”.. قالت الوالدة متردّدةً وبصوتٍ منخفضٍ.

-“إفراط الحركة وضعف التّركيز لا علاقة لهما بالذّكاء يا سيّدتي” أجابها الطبيب قبل أن يضيف متوجّهًا بكلامه إلى الفتى الجالس أمامه “عليّ أن أنشِئ ملفًّا يحمل اسمك أيّها الشّاب، ولكنّني لا أعرف كيف تكتبه.. هل تستطيع كتابته بخطّك الجميل على هذه الورقة؟”.. وأشار إلى الورقة البيضاء أمامه مع قلم الحبر الأزرق فوقها.

تلفّت إلى والدته مرّتين ثمّ كتب اسمه ببطءٍ بالحروف اللّاتينيّة، كانت الحروف منفصلةً غير متناسقة الأحجام ولكنّه تتبع سطرًا وهميًّا مستقيمًا. 

-“خطّك أجمل من خطّي” – قال له ضاحكًا – “والآن لماذا لا تحاول أن تكتب اسمك بالعربيّة؟” أضاف سائلًا الفتى المرتبك أمامه.

-“المدرسة تشدّد على اللّغات الأجنبيّة كما تعلم يا دكتور، وهو سيجد صعوبةً في كتابة اسمه بالعربيّة” سارعت الوالدة بالقول، فسارع بدوره لطمأنتها: “لا بأس بأن يحاول يا سيّدتي، هو ليس هنا لإداء امتحان أو للحصول على علامة، أريد فقط أن أكوّن فكرةً عن قدراته، هيّا يا عزيزي حاول أن تكتب ما تعرف ولا عليك”.

أكمل الصبيّ كتابة اسمه ببطء شديدٍ وبحروفٍ عربيّةٍ شديدة الاعوجاج مبتدئًا من اليسار إلى اليمين فبدا اسمه وكأنّه مقروءٌ في مرآة.

-“لماذا تكتب هكذا يا عزيزي، لا تؤاخذه يا دكتور أنا أكيدة أنّه يجيد كتابة اسمه، لماذا فعلت هكذا…” وأخذت القلم من الصّبيّ وبدأت بكتابة الاسم صحيحًا وهي تكرّر اعتذاراتها.

-“سيّدتي أرجوك.. أتركي القلم والفتى وعودي إلى كرسيّك، من الواضح أنّ ابنك قادر أن يفهمني مشكلته” 

عادت السّيّدة إلى كرسيّها والقلق يبدو جليّا على وجهها. 

-“حسنًا هل تستطيع أن تكتب عمرك وصفّك وتاريخ اليوم تحت اسمِك من فضلك” 

كتب الرقم أحد عشر على الورقة وكتب تحته اسم صفّه وابتدأ بكتابة التّاريخ وتوقّف هنيهةً ونظر إلى والدته “ماما، نحن في أيّ شهر وأيّة سنة؟” 

-نظَرَتْ إلى الطّبيب الذي أومأ لها إيجابًا فقالت “نحن في شهر أيلول سنة ألفين وخمسة وعشرين”

-“شكرًا” أجابها مكملًا الكتابة بشكل صحيحٍ مستعيضًا عن شهر أيلول بالرّقم تسعة.

-“لماذا لم تكتب كلمة أيلول؟” سأله بهدوء

-“كتابة الرقم تسعة أسرع وتعطي المعنى عينه” أجابه وهو يعود إلى كرسيّه.

نظر إلى الوالدة وسألها من جديد “هل كان يعاني من هذه المشكلة قبل سنوات الوباء؟”

-“لا يا دكتور” كانت نبرة صوتها واثقةً وجادّة “وحتّى في سنوات الإغلاق والتّعليم “الأونلاين” عبر الإنترنت كان متفوّقًا في جميع دروسه وكان يتلقّن المعلومات عبر الشّاشة بسهولة وكانوا يرفّعون صفوفه نظير زملائه، ولكن عند العودة إلى المدرسة وفي خلال السّنة الانتقاليّة الإلزاميّة بدأت المشاكل بالظهور، لم يعد يستطيع الجلوس في الصّفّ أكثر من ربع الساعة، وبعدها يحتاج للخروج والتّنزّه وهو ما كان مسموحًا بعض الأحيان ولكن تدريجيًّا بدأ الفرق باكتساب المعلومات بينه وبين تلامذة صفّه يتّسع، وفي نهاية السّنة الانتقاليّة قرّرت الإدارة عدم ترفيعه صفًّا رغم كلّ المجهود الذي بذله الأساتذة ورغم مجهودنا في المنزل”

كان قد اعتاد على هذه العوارض عند الأطفال بعد سنوات الخلل الدراسيّ التي حدثت مع الإهمال الذي لحق بالأطفال خلالها، فالإجهاد النّفسي الذي أصاب الكثيرين جعلهم يتركون أطفالهم فريسةً للشّاشات المضيئة. 

“وخلال فترة التّعليم الفرضيّ يا سيّدتي، وعند انتهاء الدّرس اليوميّ كيف كان يمضي نهاره؟”

“كان يتمّم واجباته بشكلٍ جيّد جدًّا ولم يكن هناك من حاجة لأن يدرس أكثر، فكان يمضي بقيّة نهاره بمشاهدة التلفزيون  واللّعب على هاتفه”

“شأنه شأن الكثيرين يومها” أجابها متمتمًا مع تنهيدةٍ طويلةٍ، فالمدارس كانت تعطي اليسير من الدّروس حينها وقلائل هم الأهل الذين ثابروا على تدريس أطفالهم المنهج كاملًا بطريقة سليمةٍ مستخدمين الكتب والأوراق مع الإبقاء على نظام يُلزِم الطِّفل بالإنضباط، ففقد الكثير من الأطفال قدراتهم التّركيزيّة بنسبٍ متفاوتة وكان أكثر المتأذّين هم الأطفال الذّين لديهم استعداد جينيّ للصّعوبات التّعلّميّة. 

نظر إلى الوالدة وأكمل سؤاله “وهل كنتم تلزمونه بالقراءة اليوميّة المنتظمة في كتبٍ مناسبةٍ لعمره؟”

“صراحةً لم يلفت أحد نظرنا إلى أهميّة هذا الموضوع”

“وهل قمتم بإنهاء الأجزاء التي لم يشملها منهج التّعليم عن بعد؟”

“هذه أيضًا لم نقم بها مع أنّ بعض الأمّهات في مجموعة الصّف كنَّ أرسلن لنا روابط مواقعها على الإنترنت”  

التفت إلى الفتى وأشار إليه أن يقترب من مكتبه من جديد، “عندي طلبٌ واحدٌ بعد، أريدك أن تقرأ هذ النّصّ إذا سمحت”

-“بس مش بالعربي لأنّ ما بعرف” أجابه الفتى بسرعةٍ وبحزم

كان يتوقّع منه هذا الرّدّ، فطفلٌ بحالته يفضّل قراءة النّصوص المنفصلة الحروف والتي لا تضاعف الحركات من تعقيداتها.

“لا عليك سنقرأ معًا نصًّا بالفرنسيّة” أجابه ضاحكًا وهو يفتح الفصل الأوّل من كتاب “الأمير الصّغير” لأنطوان دوسانت إكزوبيري.

-هل قرأت هذا الكتاب سابقًا أو شاهدت قصّته على التلفزيون؟

-لا يا دكتور هل هي قصّة جميلة؟

-لماذا لا تقرأ بدايتها وتخبرني أنت؟

استعرض الفتى الصّفحة الأولى بنظرةٍ سريعةٍ قبل أن تهرول الكلمات سريعةً من فمه معرقلةً ثنائيّة الشّهيق والزّفير، فتصدر عنه منقوصةً أو مبتورةً دون أن تضرّ بنمط القراءة وسرعتها.

-“وماذا تشاهد هنا؟” سأله مشيرًا إلى الصورة الأولى في الكتاب. 

-هي كما يصفها النّصّ أفعًى من نوع البوا العظيم وهي تلتهم فأرًا أبيض مع أنّ النّصّ يقول أنّها تلتهم وحشًّا، وتبقيه في بطنها مدّة ستّة أشهر.

ابتسم وهو يسمع الفتى يُكملُ قراءته السّريعة للنّصّ، كان الفتى على حقّ فالكاتب لم يكن بالرّسام الماهر والوحش يشبه فعلًا فأرًا خائفًا ومرتعبًا.

-وما هذه الصّورة في آخر الصّفحة؟ سأله الطّبيب واضعًا يده بشكلٍ سريعٍ ومفاجئ على الصّفحة ليمنعه من الانتقال إلى الصّفحة التّالية حيث الجواب.

-هذه صورة مخيفة يا دكتور!

-لماذا تقول هذا يا ولدي، أنت صرت شابّا كبيرًا لا يجوز أن تخاف من قبّعة.

-لا يا ماما، هذه ليست قبّعة إنّها الأفعى التي التهمت هذا الوحش الكبير.

نظر الطبيب إلى الوالدة مندهشًا، لم يعد هناك من شكّ في أن المشكلة متوارثة.

“لا تخَفْ يا صديقي سأسعى جاهدًا لأن أساعدك لتبقى قادرًا على رؤية ما يختبئ تحت تلك القبّعة” قالها له مطمئنًا وأكمل مخاطبًا الوالدة “لا حاجة للدواء بعد يا سيدتي، هناك معالجون أكفَاء قادرون على مساعدة ابنك على تقوية تركيزه وكفاءاته، ولكن ابنك بحاجةٍ لعلاجٍ مكثّف ليعيد اكتساب كفاءاته التّركيزيّة التي فقدها جرّاء الخمول الذي أصاب خلايا دماغه بعد الساعات الطّويلة أمام تلك الشّاشات الفارغة في زمن الوباء، وتصحيحها لن يكون بحبّة دواءٍ بل بالعمل المكثّف والحثيث”.

ربما لن تعود هذه الوالدة إلى عيادته بعد سماعها هذا الجواب ولعلها ستبحث عن طبيب آخر يصف حبّة سحريّة تظنّها قادرةٌ على تصحيح ما كان يمكن تفاديه بمجرّد تفادي الإهمال الذي حدث خلال سنوات الوباء.

ولكنّه قام بما عليه، فتلك العلاجات الوظيفيّة غير الدّوائيّة  كافيةٌ ليعود الطّفل قادرًا على التّركيز كما يجب، ولكن المهمّ أن يبقى قادرًا على رؤية ما يختفي تحت تلك القبّعة.


صفحة الكاتب في حانة الشعراء

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s