حكمة

حكمة

حنان عبد القادر

اللوجة: الفنان الأميركي  يعقوب لورانس

روى لي صديقي الحكيم واقعة حدثت وقت احتلال بريطانيا للهند، إذ دخل أحد المواطنين البريطانيين القطار وتخير مقصورة بعينها أراد أن يجلس في زاويتها الملاصقة النافذة، فوجد رجلا هنديا يجلس فيها، وأمامه بريطاني آخر، فأشار للهندي بتعال قائلا : إني أريد هذا المكان، فلم يرد الرجل، فطلب منه مستنكرا مرة بعد أخرى و هو لايرد عليه، فانطلق إلى مسئول القطار يرغي ويزبد، ويهدد ويتوعد، ويشتكي الهندي أنه تعدى عليه ولم يحترمه، فمن حقه كبريطاني في بلد تحتلها المملكة أن يجلس أينما يختار، وينبغي على الهندي أن يخلي المكان فورا.

أراد المسئول أن يطفئ غضبه فانطلق معه للمقصورة، ولما وقع نظره على الهندي القابع بهدوء شديد في مكانه، التفت للبريطاني قائلا : سيدي أنا في خدمتك، لكني لا أستطيع أن أطلب من هذا الرجل بالذات المغادرة، فتعجب البريطاني وتساءل في صلف، فرد المسئول عليه قائلا : إن هذا الرجل هو رئيس محكمة الإبرام والنقض في الهند، وهذا مكانه المخصص له من قبل السلطات في كل سفراته، فلا أستطيع أن أفعل معه شيئا، وكأنما أسقط في يد البريطاني فبدأ يعتذر، ويقدم أسفه الشديد للهندي وهو أيضا لا يرد عليه، ثم تخير مجلسا آخر في نفس المقصورة، ولما هبط سأله شاهد العيان الذي كان يرافقهما في الرحلة، سيدي، لقد لاحظت التزامك الصمت مع هذا الرجل في الحالين، فلا أنت رددت عليه صلفه وتطاوله، ولا أنت أومأت بقبولك أسفه، فرد الهندي في هدوء : لقد دربت نفسي على ألا يكون فعلها هو ردة فعل لأفعال الآخرين، ووطنتها أن تفكر مليا قبل النطق بالكلام، فإن خرج الصوت فقد فات الفوت، ولاراد لخطئه، وهو في كل مافعل رجل مندفع أحمق ومجاراته هي عين الحمق. 

نعم ياصديقي، وصلتني رسالتك جلية واضحة كالحق، فقد أخذتني تلك القصة في رحلة طويلة مع الذات، وتفقد تصرفها مع ذوات الآخرين، فرأيت منها ما يخجل، وندمت على ما قدمت من جهل وصلف وحمق، وقررت أن آخذها بالحزم، وأدربها بدأب لتنفي سمومها خارجها، وتستأثر بكل ما هو جميل قدر ما تتيح لي قوة الإرادة، فالله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، والبدء بالنفس أولا أول خطوات التغيير للأفضل.

ما أغرب مجتمعنا، وما أفظع تسرع الأفراد فيه! 

الكل يصيح، يثرثر بآراء وأفكار تقنعه وحده، ويريد إجبار الآخرين على اعتناقها، يصارع ويقارع في الحوار لكسب جولة، للتباهي بانتصاره على غيره في حوار عقيم، متناسيا أن النصر ليس بجعجعة الحناجر، ولا برفع العقائر، إنما بالمنطق وجودة الفكر وحسن العرض، والهدوء والثقة وتقبل فكر الآخرين، ولا غبار إن كان غيري على حق فأعترف له بحقه، وأقدمه بفكره على نفسي، وأكبره وأقدره، ففي ذلك احترام لذاتي وتقدير لها.

ماذا لو آمنا أن الفوز في الحياة لا يقاس بمقدار قدرتي على إفحام الآخرين في الحجة، ومراوغتهم بالرأي؟ ماذا لو آمنا أن أفكار اليوم ومعتقداته هي محض ترهات في المستقبل، وكل شيء يحيطه التغيير والتبديل لا محالة، ماذا لو دربنا أنفسنا من الآن على ألا نكون أداة تتحرك وفق أهواء الآخرين، أو أن تكون أفعالنا محض ردة فعل لتصرفات الآخرين؟، ربما تلاشى الضجيج الذي ملأنا به الكون، واستسلمت أرواحنا للسكون والدعة، فأصبحت أكثر تسامحا وتقبلا للغير.

4 آراء على “حكمة

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s