الجينوم البشري.. مكتبة مذهلة تحير العقل

الجينوم البشري.. مكتبة مذهلة تحير العقل

د. جيفري سيمونز

ترجمة: حانة الشعراء

اللوحة: الفنان الإسباني سلفادور دالي

كشخص أمضى حياته كطبيب وطالب في علم الأحياء، لطالما أدهشني كيف أن 75 تريليون خلية – التي تشكل جسم الإنسان البالغ – قادرة على تمرير ملايين التعليمات الجينية. من خلال معلومات مكتوبة في كود DNA. مع أن كل جين لا يحمل – عادة – خاصية واحدة فقط، بل يتم إعداده لمجموعة خواص مرتبة بترتيب خاص جداً داخل الكروموسومات الثلاثة والعشرين الملتوية والمزدوجة الموجودة في نواة كل خلية بشرية.

خلايا الجسم البشري وكافة النوى صغيرة جدًا داخل هذه الخلايا لا يمكن رؤيتها بالعين المجردة، ومع ذلك فهي تحتوي على معلومات أكثر بكثير من أكبر مكتبة في العالم، وربما أكثر من كافة المكتبات في العالم مجتمعة.

ليس هذا وحسب بل يمكن لهذه الجينات إعادة إنتاج نفسها بالكامل في غضون ساعات معدودة فقط، وهي تقوم بذلك مرارا وتكرارا بمرور الوقت. 

وخلال عملية التكاثر يكون كل جين عبارة عن دليل ضخم مقطوع رأسياً إلى نصفين، تحصل البويضة على نصف جين المرأة، ويحصل الحيوان المنوي على نصف جين الرجل، والطفل الجديد يحتاج إلى كلا النصفين ليتكون؛ وعندما يتحد هذان النصفان عند الإخصاب تتحد التعليمات النصفية وتتحول مرة أخرى إلى (كتيبات) ضخمة فيها كل ما يحتاجه الطفل الجديد للتكون والنمو.

تخيل مكتبة ضخمة في نيويورك تقطع يومياً كل كتاب فيها إلى نصفين، وترسل كل شهر أنصافاً كاملة من هذه الكتب إلى مكتبة مماثلة في لندن، وهذه الأخيرة تقوم بقطع محتوياتها إلى نصفين كل شهر، وهنا يتم ترتيب الموضوعات مع بعضها، الكتب الميكانيكية مع الميكانيكية، والكتب الطبية مع الطبية، والسياسية مع السياسية.. وهكذا، بعض المعلومات التي تحتويها الكتب متطابقة، والكثير منها غير متطابق، وبمجر اتصال هذه الكتب مع بعضها تكتمل وتصبح مكتبة جديدة، فيها معلومات وبيانات وإرشادات يتم نشرها باستمرار عبر كل وسيلة وعبر كل جهاز كمبيوتر، وتعمل مئات الآلاف من محركات البحث في وقت واحد، ويتم تنفيذ كافة المعلومات والإرشادات، وفي الطابق السفلي يتم تنفيذ جميع تعليمات الحياة هذه لإنتاج كائن جديد.

مبنى هذه المكتبة الجديدة هو مكتبة بشرية فريدة من نوعها. وكذلك تمتلك الحيوانات والنباتات مكتبات فريدة خاصة بها، بعضها يحتوي على جينات (كتيبات) أكثر وبعضها أقل. قد يقول البعض أن مكتبتنا تشبه تلك الخاصة بالقرود بنسبة ٩٥٪، لكن عند الفحص الدقيق نجد مئات الآلاف من الاختلافات. لاحظ أن الفرق بنسبة ٥٪ في ثلاثة مليارات من أزواج الكروموسومات ينتج الكثير من الأزواج المختلفة. أيضاً علمنا مؤخراً أن ٨٠٪ من بروتيناتنا تختلف عن بروتينات القرود، ويمكن أن يكون السبب في ذلك هي الرسائل المختلفة التي ترسلها الجينات؛ قد يبدو الرسل متشابهون لكن الرسائل المشفرة لا تبدو كذلك.

فكر في البويضة داخل رحم الأم، والآن قم بتوسيع هذه النقطة الصغيرة جداً إلى حجم الغرفة التي تتواجد فيها حالياً، وضع كرة سلة شفافة ومفرغة على الأرض. لديك الآن الحجم المكافئ للنواة داخل البويضة الملقحة؛ هذا هو المكان الذي توجد فيه مكتبة كل شخص، إنه مليء بالجينات (الكتيبات) التي لا تعد، فهي في بعض الأوقات تعمل كبطاقات التداول التي تستطيع من خلالها الشراء والمتاجرة في أماكن متعددة، البعض من هذه الجينات المنتقاة يقفز مثل حشرة بين شيفرات العشب، فعلى الرغم من أن الجين قد يتواجد في الكروموسوم رقم ٣ إلا أنه يعمل مع الجين على الكروموسوم رقم ١٨ أو ٢٢؛ حتى الآن لم يتم معرفة أسباب هذه السلوكيات، لكنها تبدو كما لو أن لاعباً خارجياً يتحكم بها.

منذ اليوم الأول تغطي «الكتيبات» الجينية كل ما هو مطلوب، هذه العملية لا تسير كما لو أن حياة الشخص ستبدأ لاحقاً، بل كما لو أنها بدأت منذ الآن. تحدد تعليمات الحمض النووي الموجودة في البويضة المخصبة كيف سيبدو الجنين في كل ثانية من مرحلة نموه، وكيف ستكون شخصيته الأساسية بعد ولادته، مثل تجنب التجارب المأساوية، وما الذي يعجبه، وما يحب أن يشربه، وماهي الخضراوات التي يحبها؛ سوف يكره بعض الأطعمة ويحب بعضها، وكيف يفضل طهي شرائح اللحم، وما الخصائص والصفات التي يفضلها في الزوج.. وما إلى ذلك. وكيف ستبدو جميع أعضاء جسمه، وكيف ستعمل، حيث توجد مليارات الأوعية الدموية والأعصاب، وكيف ستتصل كل هذه المسارات، وكيف سيتوقف جسمه عن النزيف في حال جرح، وكيف سيصلح هذه الجروح، وما لون بشرته، ولون عينيه. بالإضافة إلى أكثر من ذلك بكثير من التعليمات والإرشادات التي يمكن العثور عليها داخل تلك النقطة الصغيرة الموجودة في نقطة غير مرئية في الجسم البشري.

كل ذلك أجده فوق العادة، فلا يمكن أن تكون أدلة المعيشة والعمل داخل مكتبة حية وعاملة نتيجة لحوادث الطبيعة وللتجربة والخطأ والانتقاء الطبيعي، تبدو وكأن الفطرة السليمة لا تتقبل ذلك.

عندما تنتقل البويضة الملقحة إلى الرحم تبدأ بالانقسام؛ خلية واحدة تتحول إلى اثنتين واثنتان تصبحان أربع ثم ثمانية وهكذا إلى الملايين بعد ذلك إلى التريليونات عندما يصبح الشخص بالغاً، ومع كل انقسام تمرر الجينات (الكتيبات) التي كانت في الأصل نصفها من الأم والنصف الآخر من الأب إلى جميع الخلايا الوليدة. ثم تغير الكثير من هذه الخلايا من مظهرها، أو تنشط وظائف جديدة وتوقف أخرى. على سبيل المثال تنقسم خلية نخاع إلى خلايا دم ما قبل حمراء وخلايا دم ما قبل بيضاء، ثم تتغير الأخيرة إلى همسة أصناف على الأقل، هذا النوع من التقدم ينطبق على كافة أنواع الخلايا؛ مثل خلايا الكلى وخلايا العظام وما إلى ذلك في جميع أجهزة الجسم المختلفة، يتم انتقاء الخلايا الأحدث بطريقة ما، وتختار الاتجاهات التي يحتاجها الجسم لإنجاز العمل، وأي منها ضروري وأيها غير ضروري.

على سبيل المثال لا تحتاج خلايا الغدة الدرقية المكتملة إلى معرفة كيفية تحفيز ألياف العضلات، ولا تحتاج الخلايا العصبية المكتملة إلى معرفة كيفية استخدام هرمون النمو أو صنعه. كيف حدثت مثل هذه التغيرات؟.. لا أحد يعرف تمام المعرفة. على الرغم من أن عملية النسخ تحصل بدقة لا تصدق تصل إلى ٩٩,٩٩٪، فإن الفرق الخاصة بتعديل الأخطاء تقف على أهبة الاستعداد لإجراء التصحيحات في الوقت الفعلي. نظراً لأن كل شيء يتم توقيته فإن جميع العمليات في الواقع رباعية الأبعاد، ثلاثة أبعاد مكانية مضافاً إليها (الزمن) أي بعداً للتحول بمرور الوقت.

تأتي هذه التعليمات بلغة بيولوجية لا تشبه أي لغة يتم التحدث بها على الإطلاق. انها ليست مكتوبة بالحبر ولا مطبوعة. لغة لا يمكن قراءتها بالعينين، ولا يمكن الشعور بها بأطراف الأصابع أو سماعها بالأذنين. هذه اللغة البيولوجية يمكن العثور عليها في جميع الكائنات الحية. 

إنها طريقة معقدة للغاية لتحدث بالصدفة. لا تفيد التفسيرات الداروينية في فهم كل هذه العمليات؛ ولا تجيب عن سؤال، من أين تأتي شرارة الحياة؟ كل ذلك غير محدد وغير مفسر وغير مفهوم.

قد يكون لكل جين مئات الاتجاهات؛ مثل احتياجات البناء والمواصفات، وقضايا التوقيت (التشغيل والإيقاف)؛ فجين لون العينين على سبيل المثال يتضمن مكان تخطيط كل قزحية، وكيفية بنائه وما هي مواد البناء، وكيفية مزج الألوان المختلفة، وكيفية تفاعل عيني كل تلميذ مع الإشارات الخارجية، ونفس الأمر بالنسبة إلى الشعر، لونه، وكذلك أين نضع آلاف الشعرات على أجسامنا، وربما متى نبدأ بفقدان بعضها، نفس الأمر بالنسبة لجميع عظامنا، حتى الفرجة الصغيرة فوق الشفة العليا وأمام الأنف التي تسمى بالنثرة.

المؤلف الوحيد المحتمل لمثل هذه المكتبة الرائعة وللغة الحياة هو صانعنا، وأشك أننا سنعرف يوماً ما وبدقة كيف تعمل كل هذه الأجزاء معاً، وإذا عرفنا فبالتأكيد لن نعرف ما الذي يجعل محركاتنا تبدأ العمل.


*جيفري سيمونز طبيب ومؤلف لعدد من الكتب العلمية. حصل على بكالوريوس في علم الأحياء من جامعة إلينوي وحصل على دكتوراه في الطب من كلية الطب بجامعة إلينوي. متخصص في الطب الباطني وطب الكوارث.

رأي واحد على “الجينوم البشري.. مكتبة مذهلة تحير العقل

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s