ابتسامة الصّباح

ابتسامة الصّباح

د. هشام منصور

اللوحة: الفنان النمساوي إيغون شيلي

هذا الصباح كان واحدًا من تلك الصّباحات التي تدور فيها الأرض بشكلٍ عكسيٍّ فتشرق الشّمس في السّاعة الخطأ، من الشّبّاك الخطأ لتوقظ الشّخص الخطأ الذي لم ينم سوى بضع ساعات متواصلة في اللّيل. كان يعلم أن النّهار الذي يلي ليلةً كتلك سيكون نهارًا تجتمع فيه كلّ الشّواذات والشّوائب والعراقيل، نهار كهذا يكون مثاليًّا لكي يُذكِّره الكون بأنّه لم يَخْتَر مهنةً تلتزم بساعات عملٍ منتظمةٍ ولا بساعاتِ راحة ملائمةٍ لحاجة الجسد البشريّ.

“نهارٌ يُقرأُ من عنوانه، مْبَلِّش غلط” فكّر بصوتٍ عالٍ وهو يحاول أن يتدارك الوقت الضّائع بسبب استيقاظه المتأخّر، أصبح أكيدًا أنّه سيتأخّر على مواعيد عيادته.

أخذ يحاول اختزال الوقت قدر المستطاع مازجًا بين ارتداء ملابسه وتناول فطوره وتحضير محتويات حقيبته، كلّ ذلك بين المكالمات الهاتفيّة التي انهمرت عليه مانعةً إيّاه من إنهاء تحضيراته سريعًا لكي يستطيع على الأقلّ أن يستقلّ السّيارة وينطلق إلى المستشفى.

حاول قدر المستطاع الحفاظ على هدوئه وانخفاض نبرة صوته عند الإجابة على تلك المكالمات الغريبة التي وصلته بشكلٍ متتالٍ

  • سيّدتي قد كتبت لطفلك علاجًا بفيتامين B2 لوكنت أريد إعطاءه الفيتامين B12 لكنت كتبت ذلك على الوصفة بشكلٍ واضحٍ يا سيّدتي.

أغلق الهاتف وتنفّس ملء رئتيه، عليه أن يمنع تلك الشّوائب البسيطة من إغضابه في هذا اليوم الذي ينقصه فيه منسوبٌ عالٍ من النّوم. 

أخذ يبحث عن دفتر الوصفات الموحّدة وهو يلتهم ما تبقّى من الفطور، رنّ الهاتف ثانيةً. “من الآن؟” 

استمع إلى الشّرح المفصّل والمطوّل وعيناه تغالبان النّعاس، لا شكّ أنّ خلاياه لم تستيقظ بعد كما يجب.

  • “يا سيّدي خمسة ميلليغرامات تعادل خمسة آلاف ميكرو غرامات والصّيدلانيّ يدرك ذلك وقد أعطاك البديل الصّحيح ولم يكن هناك من حاجة للإتّصال للتّأكّد”.

أقفل الخطّ ليعود إلى متابعة المحاضرة الأسبوعيّة لقسم الأطفال عبر برنامج ال teams وهو ينهي تحضيراته قبل أن يهرع إلى السّيّارة.

المحاضرة لا زالت مستمرّةً، كان يقود سيّارته بسرعةٍ معتدلةً بما يتناسب مع الإزدحام المروريّ غير المعتاد على تلك الطّريق في هذه السّاعة.

“لم يكن ينقص إلّا هذا، ما الذي يجري اليوم؟!” فكّر وهو يراقب خطّ السّيّارات الطّويل أمامه، لقد اختار هذا الطّريق الأطول لأنّه لا يزدحم أبدًا.

هناك شكلٌ غريبٌ في مرآة الخلف يزيد من تشتّت تركيزه. إنّه سائق درّاجة ناريّة حذقٌ لا زال عالقًا في مسلسلات تسعينات القرن الماضي. أنّه يحاول أن يتسلل من اليمين ومن اليسار وكأن تنقّله على عجلتين يعفيه من امتلاك أخلاق القيادة وانتظار دوره على الطّريق. مهّل سيّارته ليفسح مجال المرور لهذا الخيال المزعج.

توقّف عند الإشارة الحمراء، توقّف وحده، أكملت معظم السّيّارات العبور وكأنّ الجميع بهم عمى الألوان.

أخذ ثانيةً نفسًا عميقًا ملء رئتيه، لا زال النّهار في أوّله.

انتهت المحاضرة، لا بدّ من متابعة البعض المتبقّي من نشرة الأخبار.

“الوباء مستمرّ، أعمال الشّغب مستمرّة، الأسعار مستمرّة بالإرتفاع، الإحتجات مستمرّة على الطّرقات …” الأخبار على حالها وعلى كَرَبِها. 

أخذ ينقّل بين المحطّات، جوقة البوم والغربان تبثّ على أثير كلّ الإذاعات، هذا يصرخ وذاك يشتم وذلك يهدّد. جميعهم يروّجون للحقد والكراهية. لن يستطيع احتمال هذا الهراء اليوم.

 “بسيطة” اختار محطّة “صوت المحبّة”، كانت فيروز تملأ الفوضى بسلام صوتها “لا تهملني لا تنساني يا شمس المساكين”. 

وأخيرًا بدأت أعصابه تستريح بعض الشّيء وأخذ يستسلم لسلام ذلك الصّوت الملائكيّ.

سلام استمرّ هنيهات فقط قبل أن يعكّره سائق معتوه أرعن لم يستطع أن يقاوم رؤية فراغٍ بين سيّارتين متباعدتين في الخطّ الذي على يمينه فأصرّ أنّ يشبع غريزته ظانًّا أن ما سيُقدم عليه سيعطي معنًى لوجوده على سطح هذا الكوكب، فإذا به يميل عجلاته و”يطحش” بسيّارته ليحشرها في تلك البقعة الضّئيلة الفارغة ثمّ يعود للتّوقّف عن السّير في سياق ذاك الطّابور المصاب بجمود أبديّ.

ويطول ذلك الجمود إلى أن يقرّر السّائق الذي خلفه إطلاق العنان لبوق سيّارته لإيمانه بأنّ ضغطه على وسط ذلك المقود المسكين سيعطيه قوّة موسى فيشقّ بحر السّيّارات إلى شطرين ويتقدّم هو أوّلًا سائرًا وسط الشّارع وحيدًا ليصل بسرعةٍ إلى مقصده تاركا خلفه باقي السّائقين كحشرات لا معنًى لوجودها ولا هدف لرحلتها. يطول ضغطه على البوق ويمتدّ الصّوت المزعج فترةً كافية لينزعج السّائق أخيرًا من كونه مصدرًا للإزعاج.

رنّ هاتفه المحمول، إنه رقم العيادة، المريض الأوّل قد وصل وهولا زال عالقًا في الازدحام أمام المستشفى، لوكان سائرًا على قدميه لكان وصل ببضع دقائق.

حثّ خطاه وصولًا إلى العيادة، لا يحبّ الوصول إلى عيادته متأخرًا على المواعيد، لم يكن هناك سوى عائلةٍ واحدة، لا شكّ أن الباقين عالقون في زحمة السّير التي محت بضع سنوات من عمره.

عرف تلك العائلة، كان الفتى خديجًا سابقًا وُلِد بوزنٍ لا يفوق الكيلوغرام الواحد، وأمضى زهاء شهرين في الحاضنة نصفهم موصولًا إلى جهاز التّنفّس الإصطناعيّ. 

لم يكن ذلك عبورًا سهلًا لهذا الصّغير، فبانت آثار نقص الأوكسيجين جليّةً عليه، أطرافه متشنّجة وعضلات ساقيه تعاني ضمورًا ناتجًا عن قلّة الإستعمال إضافةً إلى عدم العناية بالخلايا العصبيّة الضّعيفة.

كانت العائلة ضيّقة الحال ولم يستطع الوالدان إجراء العلاجات التّأهيليّة اللّازمة، من فيزيائيّة وحسيّة حركيّة وانشغاليّة. لم يكن الطّفل محتاجًا لعلاج نطقٍ، كان ثاقب الذّكاء متّقد الفكر سريع البديهة. بطلٌ من ضحايا التّقدّم العلميّ الّذي لم يصل بعد إلى الكمال.

قضى الأهل أربع سنواتٍ يتنقّلون من طبيب إلى آخر دون أن يسمحوا لأيّ من العلاجات بالاستمرار بشكلٍ منتظمٍ ونافعٍ، إلى أن حطّوا رحالهم في عيادته منذ ثلاثة أشهرٍ.

تذكّر كيف دهش وأعجب بذكاء ذلك الطّفل وإرادته القويّة، يريد أن يتنقّل سائرًا على قدميه، وعندما أجرى الفحص السّريريّ اكتشف أن حجم التّشنّج في العضل لم يكن قويًّا وكان يحتاج فقط لعلاجات التّقوية البدنيّة ولم يكن قد وصل بعد إلى مرحلة الحاجة إلى عمليّات.

  • أرى أنّ زملائي الأطباء الذين زرتموهم سابقًا قد نصحوكم ببداية العلاجات الفيزيائيّة، هل أنتم تتابعونها بانتظام؟ سأل الوالدين وهو يتابع تقييم التّشنّج في ساقي الطّفل الصّغير.
  • من أين لنا يا دكتور، العين بصيرة واليد قصيرة، أجاب الوالد ببطء
  • –       “جلسةٌ أسبوعيّة واحدة عند المعالج تكفي يا سيّدي”، أجاب دون أن يشيح بوجهه عن الطّفل الذي أمامه، “وعليكم أنتم أن تقوموا بتكرار التّمارين ساعةً يوميًّا في المنزل”
  • ولكن العلاجات مُكلفة يا دكتور، “ما في شي حبّة دوا … بْتَعْرِفْ يِعْنِي”؟ سألت الوالدة بلهفة
  • وهل نحن نتعاطى السّحر يا سيّدتي؟ دماغ طفلك قد خاض معركةً قاسيةً بعد ولادته مبكرًا وهومن القلائل الذين يحملون آثارًا يكون علاجها بإعادة تأهيل خلايا الجهاز العصبيّ للقيام بالوظائف اللّازمة. والعلاجات متوفّرة في المراكز التّابعة لوزارة الشّؤون الإجتماعيّة. هل استصدرتم بطاقة الإعاقة؟

أجهشت الوالدة بالبكاء عن سماعها تلك الكلمة “لا أريد تلك البطاقة أكره اسمها”

  • يا سيّدتي، ما همّك من اسم البطاقة، ماذا أفعل إذا كان المسؤولون عن كتابة هذا القانون لم يتمتّعوا بالمخيّلة الكافية والحسّ المُرْهف اللّازم لاختيار اسمٍ لائق وغير مؤذٍ، هل يجوز أن نسمح لقلّة درايتهم أن تحرم طفلك من الحقوق الّتي ضمنها له القانون 220 على 2000، هذا حقّ لابنك أعطاه إيّاه الشّعب وليس منّة من أحد.
  • وكيف ستفيده تلك البطاقة سوى أن تضع وسْمًا عليه؟ أجاب الوالد بحدّة
  • إبنك بحاجة لعلاجات تأهيليّة ولجهازٍ رباعيّ نقّال walker، ويجب أن ينخرط في مؤسسة ليتعرّف على أقرانه الذين كافحوا وانتصروا على ضعفهم، وهذه البطاقة ستساعدكم في هذا كلّه، إضافةً لما يمكن أن تمنحه له من تسهيلاتٍ في التّوظيف مستقبلًا عندما يتمّ تطبيق القانون كاملًا
  • وهل تظنّ أن هذا القانون سيُطبّق يومًا ما يا دكتور؟، أكمل الوالد بلهجةٍ ساخرة
  • يقول المثل “قمْ يا عبدي لأقوم معك”، أجابه بنبرةٍ حازمة، قد تأخّرتم كفاية على الطّفل وأيّ تأخّر أكثر سيؤدّي إلى توجّهنا إلى العمليّات الجراحيّة، اليوم سأعطيه دواءً مليّنًا للعضل ولكن الدّواء لا ينفع إن لم ترافقه العلاجات إن عن طريق الوزارة أو غيرها، المهمّ أن يخطو هذا البطل خطواته الأولى، أكمل وهو يرمق بطرف عينه الطّفل الصّغير وقد استوى جالسًا على طاولة الفحص.

يومها أعطاهم كلّ الأوراق اللازمة والإرشادات إلى معظم الجمعيّات المحيطة بمكان سَكَنِهِم وعناوين الجمعيات المتعاقدة مع الوزارة ولم يسمع منهم خبرًا منذ ثلاثة أشهرٍ وها هم هنا اليوم. 

لم يجدوا يومًا غير هذا اليوم المتعثّر المقلوب رأسًا على عقب لكي يزوروا عيادته، لا شيء يمكن أن يتمّ اليوم بطريقةٍ سليمة أو صحيحة خلال هذا اليوم. 

لم يلاحظ أيّ تغيّر واضحٍ على الطّفل الجالس قرب والديه سوى أنّه كان يؤرجح ساقيه بسهولةٍ أكثر من السّابق. لا شك أنهم لم يلتزموا بتعليماته والطفل لا زال على حاله، أو ربّما أعطوه الدّواء فقط مع اليسير من الجلسات العلاجيّة، واستعدّ لساعة استشارة طبيّة محتدمة، إلّا أنّ الطّفل ما إن رآه يدخل العيادة حتّى أشرق وجهه وأضاءت عيناه وبادره مسرعًا: “دكتور، دكتور، شُوفْ كيف بدّي إجِي لعندك”

وسحب ببطءٍ جهازًا رباعيّ الارجل مزوّدًا بدولابين صغيرين خلفييّن كان أخفاه خلف الباب نصف المفتوح، وبدأ ينقل رجليه ببطء دافعًا العكّاز الرّباعيّ أمامه عدّة خطوات حتّى وصل قربه

“شايف جِيْت لعندك لوحدي، ما حدا ساعدني” قالها وهو يطالعه بابتسامةٍ ملؤها فرح الحياة.

شعر بأنّ حملًا ثقيلًا بوزن الدّنيا وهمومها قد أزيح بلحظةٍ عن كاهله، إذ أضاءت تلك الإبتسامة ظلام ذلك الصّباح.

حبس دمعة فرحٍ كادت تخونه في طرف عينيه وداعب شعر الطّفل مربّتًا على رأسه “ألم أقل لك المرّة الماضية أنّك بطل؟”


صفحة الكاتب في حانة الشعراء

رأي واحد على “ابتسامة الصّباح

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s