طُفولَةٌ بِلا سَعادةٍ – للكاتب الفرنسي چان جينو

طُفولَةٌ بِلا سَعادةٍ – للكاتب الفرنسي چان جينو

  ترجمة: عاطف محمد عبد المجيد

اللوحة: الفنان الروسي إيفان جوروخوف

مَا كُلُّ هذهِ الأشياءِ القديمةْ؟

يَا لها مِنْ حياةٍ بسيطةٍ، تلكَ التي نَحْياها!

ليس لديْنا سوى غرفةٍ وحيدةٍ، نعملُ ونأكلُ وننامُ فيها، وفيها نستقبلُ الأصدقاء، كلَّ مساءْ.

يَصْطَفُّ حول جدرانها سريران، منضدة، دولابان، مائدة، حامل موقد، قِدور، وصور لأفراد العائلة، ولرئيس الجمهورية كذلك.

ثمة موقد آخر أمام المدفأة، دائمًا ما يُدخِّن فوقه إبريقُ القهوة. ما زال هذا الموقد يحتفظ بأقدامه الأربعة، غير أن إحداهن قد شُقّتْ إلى نصفين. لهذا نُلْفتُ إليها نظر زائرينا للمرة الأولى، متوسلين إليهم ألا يصطدموا بها مطلقًا.

في الغرفة أيضًا، حبالُ غسيل تركض من ركن لآخر، من أجل تجفيف الغسيل. هناك نافذة علوية تطل على حديقة، أُقيم أسفل منها مشغل، هناك آلة خياطة أمي، هناك خزانة أبي، وهناك دلْو ماء كبير يبلل الأحذية.

في الأيام العادية، تشْغل منضدةٌ مستديرة وسطَ الغرفة، لكنْ أعجب ما في المنزل هذه الأشياء: قرص الموقد، المنبه، مصفاة القهوة، علبة السكر، صليب أسود صغير، وعذراء من خزف أزرق مزخرف بتاج أصفر. في الغرفة أيضًا أوانٍ ملونة، فيها زهور جافة غريبة جدًّا، لم يرَ أحد لها مثيلًا. ذات مرة قال ابن عمٍّ لي علينا أن نحملها إلى مكان بعيد، فقد كانت زهورًا قديمة تغطيها الأتربة، لم يلمسها أحد قط، خوفَ أن ينتزعها من مكانها. ومع ذلك امتلكنا الرأفة والحنان، امتلكنا السعادة، وكذلك جمال العالم. إن كل هذه الأشياء هي أشياء ربانية تتألق وتسطع أعلى الموقد.

أمي، على الرغم من أنها لم تكن قاسية قط، إلا أنها كانت تُبقيني في المنزل، فالسيدات يعرفن، أكثر من الرجال، الاحتياجات المتواضعة لتدبير المنزل، ولهذا لم تترك أمي شيئًا كي يُفقد. من قبل استطعتُ أن أعمل، أن أقوم ببعض المهمات الصغيرة. منذ الخامسة صباحًا تكون أمي بصحبة آلتها، تعمل وتدوس على تروسها حتى الحادية عشر مساءً. حقًّا إنها لغريبة هذه الحياة!

لقد تركتْ أمي الحياةَ تمر بين ضوضاء النقالة التي تسير على البلاط وتلامسه دواساتها في كل دورة.

مع ذلك أحبّتْ أمي الحياة، لكنها كانت تقول أحيانًا: ليتني أموت!. كان هذا يحدث وقتما كانت تفكر في تعاستنا، في أحوالنا التي لا تَسُرُّ، في وضاعة الأشياء التي نمتلكها. كنتُ أجلس فوق مقعد صغير، وأنا في كامل يقظتي، أُلطِّخُ الأحذية، السيقان، وقطعًا أخرى بالألوان. لم تكن المهمة شاقة أو مُتْعِبة، لكنها كانت دقيقة. لقد لوَّنتُ البطانات بمهارةٍ، وكما طلبتْ أمي، دون أن تتسخ، على الرغم من أنها مُخيَّطة ومُقطَّعة. كانت أمي تكلفني بأعمال أخرى.

كنتُ تلميذًا مبتدئًا خلال عشر سنوات، ثم أصبحت بعد ذلك ماهرًا إلى درجة كبيرة، لأنه لم يعد لديّ الوقت الكافي. مازلتُ أقوم بأعباء العائلة كغسيل الأواني، كتنظيف القدور، كتقشير البطاطس، وإعداد الحساء.

في تلك اللحظات، كانت أمي تغرز على آلتها كراهبةٍ تُحَدِّثُ مسْبحتها. وكان عليّ أن أستنشق رائحة العمل كما قالت أمي، التي قالت أيضًا إن أحدًا لن يأخذ أبدًا ما يكفيه!

صحيح، ذهبتُ إلى المدرسة، وكان هذا نوعًا من الإفراج عني، وتحريري مما أنا فيه. صحيح، أنني كنتُ ألعب أحيانًا مثل غلمان المنزل، الذين كانوا يتواعدون ليلتقوا في وضح النهار، كي يلعبوا في الفناء لعبة العسكري. وعندما كانت تمطر السماء، كنا نلعب في الدور الأرضي لعبة الأزواج، لكن لا تمر ساعة، إلا ويجئ مَن يفتح الباب. كنا نلتزم الصمت لحظتها، ثم ننتظر اسم من ينادون عليه، وكأنّ صداه يسقط في بئر السُّلَّم كالحجر. ثم يصعد من ينادون عليه إلى أعلى، وهو يتعهد بالعودة إلينا. إنه يصعد إلى أعلى ليتناول طعامه…


* ݘان جينو..كاتب وناقد أدبي فرنسي ولد في 25 مارس 1890 ورحل في باريس في 22 سبتمبر 1978.  


صفحة الكاتب في حانة الشعراء

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s