كوفيد ١٩.. ويوم في حياة طبيب

كوفيد ١٩.. ويوم في حياة طبيب

د. توماسو لوبيا (إيطاليا)

ترجمة: حانة الشعراء

اللوحة: الفنان الجزائري عبدالحليم كبيش

بصفتك طبيبًا متخصصًا في الأمراض المعدية، فإنك تشهد حالات يصعب نسيانها. وبصفتك طبيبًا يتابع وسائل الإعلام حول تطور الوباء، فأنت تعتقد أن هذه تجربة لا يمكن أن تنساها. أما إذا كنت الآن طبيباً شاباً في شمال إيطاليا، فسيكون هذا بلا شك وقتًا لا يمكن نسيانه أبدًا.

7:30 صباحا

أرتدي معطفي الأبيض وأجدد نشاطي سريعًا قبل تناول فنجان من القهوة مع العديد من الوجوه الودودة. أتنفس بعمق وأستعد للإحاطة الصباحية.

8:00 صباحًا

يبدو أن زميلتنا في نهاية نوبتها الليلية متعبة. النوبات الليلية ليست جديدة بالنسبة لها، ولكن عيناها تعكسان مؤخرًا نوعًا مختلفًا من التعب. تقول: “لقد استقبلت أربع حالات COVID-19 الليلة الماضية”. تتنهد، وتتابع قائلة، “سيدة تبلغ من العمر 57 عامًا تعاني من سعال حاد وارتفاع درجة الحرارة. حتى الآن ليست بحاجة إلى أكسجين، لكنني أعتقد أنها بحاجة إلى أن يتم تقييم حالتها من قبل مختص. المرضى الآخرون مستقرون في الوقت الحالي”. 

منذ أن تم قبول أول حالة COVID-19 في المستشفى بتاريخ 22 فبراير، ان يتم فحص هؤلاء المرضى ثلاث مرات يوميًا بالاشتراك مع أخصائي العناية المركزة. ومع زيادة عدد الحالات أصبح هذا التعاون جزءًا أساسيًا من طريقة علاجنا للمرضى.

10:00 ص

يرن الهاتف كل خمس دقائق. معظم المتصلين يرغبون بالتشاور بشأن الحاجة إلى إجراء مسحة SARS-CoV-2.. الباقون يريدون معرفة ما إذا كان ينبغي عليهم إحالة مريضهم إلى المستشفى. سبب ذلك وفي غضون ثلاث ساعات، تم عزل أحد الطوابق المخصصة لوحدة الأمراض المعدية عن باقي أقسام المستشفى من قبل فريق من المهندسين. من الجيد عرفة أن لدينا الآن ست غرف إضافية مع اثني عشر سريرًا إضافيًا.

12:00 ص

لدينا جولات الآن على المرضى، بالإضافة إلى معاينة أربعة مرضى جدد. يلفت انتباهنا رجل يبلغ من العمر 61 عامًا، سنسميه المريض Z. يبدو أنه متعب ولا يصحوا كثيراً، تشبع الأكسجين لديه منخفض على الرغم من تلقيه 50٪ أكسجين من خلال قناع فنتوري. فهو يعاني من عدة أمراض مصاحبة بالإضافة إلى السمنة وارتفاع ضغط الدم، ويتم علاجه باستخدام ليسينوبريل. بالأمس كان هناك بعض النقاش حول التفاعل المحتمل بين مثبطات الإنزيم المحول للأنجيوتنسين (ACE) والالتهاب الرئوي SARS-CoV-2، لكن لم يتم التوصل إلى نتيجة. نتذكر هذه المناقشة اليوم عندما اكتشفنا أن ثلاثة من المرضى الأربعة الجدد يعالجون بمثبطات الإنزيم المحول للأنجيوتنسين. بغض النظر، نطلب استشارة العناية المركزة للمريض Z أيضًا.

02:00 مساءً

يمثل توفير المعلومات عبر الهاتف للأقارب الممنوعين من زيارة أحبائهم تحديًا كبيرًا. ينتظر الكثيرون في المنزل نتائج اختبارSARS-CoV-2. تتصل إحدى النساء بالجناح على أمل الحصول على أخبار عن والدها الذي يبلغ من العمر 97 عاما. تسألني، “هل يسأل أبي عنا؟ عن إليزابيث “بيتينا” وغابرييل “غابريو”؟ أجد صعوبة في توضيح أن والدها مرتبك ومشوش. بدلاً من ذلك، أعدها بإبلاغه أن ابنته وابنه سيزوره في أقرب وقت ممكن.

04:00 مساءً

الموضوع الرئيسي لمناقشتنا مع المختص هو المريض Z. قررنا أخيرًا زيادة تركيز الأكسجين «FiO2» ونقله إلى وحدة العناية المركزة، فهناك يمكن أيضًا توفير الدعم التنفسي بالتهوية غير الغازية. الإصابات تزداد ومقابل كل مريض يتم نقله إلى وحدة العناية المركزة، يتم قبول خمسة آخرين يشتبه في إصابتهم بـ SARS-CoV-2. وهذه المرة كان ثلاثة من المرضى الخمسة الجدد على اتصال عن غير قصد بمريض مصاب في قسم طب الطوارئ قبل قبوله في الطب الباطني. فالمستشفيات ليست أماكن آمنة للمرضى خصوصاً هذه الأيام.

06:00 مساءً

أثناء فحص المرضى وجدنا امرأة تبلغ من العمر 84 عامًا وتعاني من خشخشة وأزيز في صدرها. أي إنها تعاني من ضيق التنفس وحالتها تتطلب تزويدها بمزيد من الأكسجين. تعرضت هذه المريضة لكسر في الفخذ قبل عام ولم تغادر منزلها منذ ذلك الحين. هي أيضًا مصابة بـ SARS-CoV-2 ولم يتم التعرف إذا كانت قد نقلت العدوى من اتصالها بالمرضى، فهذا الأمر لم يعد نادرا.

08:00 مساءً

في هذا الوقت كان الجناح ممتلئاً بالمرضى فهناك أربع حالات جديدة، وكالعادة يتم إعطاء العلاج الداعم للمرضى ومضاد للفيروسات والمضادات الحيوية وفقًا للفحص السريري. لسوء الحظ التفاعلات الدوائية والآثار الجانبية شائعة. ونحن نبذل قصارى جهدنا للعناية بهؤلاء المرضى بأفضل ما نعرفه.

10:00 م

على الرغم من أن الوضع العام ديناميكي للغاية، إلا أنني أقدم تقرير حالة إلى الزميل الذي سيغطي النصف الأول من الليل. نقوم بسرعة بجولة في الجناح معًا. ابتسمنا معتقدين أن المريضين في الغرفة 9 قد عاشا بشكل عام 188 عامًا. تذكرت فجأة أنني قطعت وعدًا بخصوص أحد هذين المريضين. قلت له: “يا سيدي، اتصلت إليزابيث لتستفسر عن صحتك”. “بيتينا!” يصيح “كيف حالها؟” أقول “كانت قلقة عليك”. يبتسم لي. “قل لها أن ترتاح بهدوء. لقد نجوت من الحرب. سوف أنجو من هذا أيضًا “، سأخبرها ما تقول يا سيدي.

01:00 صباحا

لدي بعض الوقت للراحة خارج الجناح، أستحم، أشعر أن يدي جافة، وبشرتي أصبحت متشققة ورقيقة. يمكنني تتبع الخطوط العريضة التي تركها القناع على وجهي. لقد قمت بقص لحيتي ولكني أتردد في حلق شاربي المفضل. بينما تتدفق المياه الساخنة على كتفيّ، استرجعتُ أحداث اليوم حتى هذه الساعة. وفكرت في العلامات الحيوية للمرضى. اثنان منهم ليسوا بشكل جيد الليلة. أجريت محادثة ودية في وقت سابق من المساء مع إحداهن، المرأة في الغرفة 2. لقد تعرفت على لهجتي، فكلانا من روما، وكلانا قضينا جزءًا من حياتنا بالقرب من بحيرة بولسينا. أتذكر أني سبحت هناك الصيف الماضي. والآن كلانا يسبح في مياه مختلفة، في بيئة مليئة بالقطرات الحاملة للفيروس. “كم من الوقت كنت تعيش هناك يا دكتور؟” سألتني؛ بذلها لهذا الجهد البسيط تركها تسعل، مما أدى إلى إزاحة قناع الفنتوري. “ثماني سنوات” أجبتها مشتتاً، بينما كنت أحسب معدل تنفسها: 18 نفسًا في الدقيقة. أقول لها “غدًا سنتحقق من غازات الدم مرة أخرى”، ابتسمت لي، ربما لم تفهم ما قلت. قالت “سأعود إلى البحيرة عندما ينتهي كل شيء”. أما أنا فكنت أتعرق، ربما بسبب الرداء الأبيض الذي أصبح لا يطاق.

04:00 صباحًا

مرة أخرى تجاوزت طلبات الأدوية.. أنا الآن أحضر القهوة.. أرد على الهاتف.. ألقي نظرة خاطفة مرة أخرى على إحصاءات جامعة جونز هوبكنز لانتشار الوباء، منذ كانون الثاني/ يناير بدأت بمتابعة الموقع. لطالما كانت الخريطة السوداء بدوائرها الحمراء التي تتوسع بمثابة تحذير. أنا الآن في منتصف دائرة حمراء من دوائرها.. ما زلت أشاهدها بتوتر.. ويبدو أن الجميع يقللون من شأن سرعة الانتشار.. نعم الجميع ما عدا زملائي الأطباء في أجزاء أخرى من شمال إيطاليا.. نتشارك البروتوكولات والتجارب والنصائح والاقتراحات والقصص. نجيب على استفسارات بعضنا البعض. نحن مرهقون ولكن بطريقة ما نستمد القوة كل يوم من رغبتنا بالتغلب على الكارثة.

في هذه الأثناء، جاءت نتيجة فحص مريضي البالغ من العمر 97 عامًا وكانت النتيجة سلبية. أدون ملاحظة لزملائي في الفترة الصباحية للاتصال بحبيبته «بيتينا».. قليل من الوقت ويبدأ يوم جديد.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s