جبل لا يتصدع

جبل لا يتصدع

د. أمل بشير

اللوحة: الفنان الإيطالي جياني سترينو

نظرت لوجه والدها الذي جاوز السبعين من العمر ببضع سنوات. كان وجهه شاحبا مرهقا تبدو عليه خطوط العمر وأثار الزمن. وقد كساه المرض بلون باهت لا حياة فيه.

ظلت تراقب ذلك المونيتر الموصول بأسلاكه لصدره الهزيل ويديه النحيلتين وصوته يقطع صمت المكان.

فرت من عينيها دمعة تكاد لا تصدق انه نفس الرجل القوي الذي كان ومازال أحب الرجال لقلبها، تذكر جيدا كيف حملتها تلك اليدين وكانت تربت على رأسها وكتفيها بحنان. وكيف امتلأت تلك العيون الغائرة بالدموع فرحا بلقائها وحزنا لفراقها. انه والدها ومعلمها الذي كان دوما قدوتها بكفاحه وعناده، كان قويا صامدا تحمل مسؤولية إخوته من كبيرهم إلى صغيرهم مذ كان غضا، حتى نسي الاهتمام بنفسه وتحقيق طموحه الخاص.

 انه والدها الذي أصبحت طبيبة لتحقق أحلامه فدوما ما كان يراها كذلك، عندما كانت صغيرة كان يناديها يا دكتورة هالة، كان يرى فيها أحلامه الضائعة. والدها حبيبها مصدر ثقتها بنفسها ومنبع قوتها، والدها ذو القلب الحنون، ربما هذا الداء الذي ألم بقلبه كان سببه فرط حنانه. فقد أنهكت الحياة قلبه، فباتت تتراكض دقاته في كل درب أجبرته الظروف عليه، فتشتت واختلطت ولم تعد تدر كيف المسير، حتى باتت غير كافية لتضخ الدم في عروقه. لم تعد تكفيه، فأصيب قلبه بعدم الانتظام في ضرباته مع زيادة في عددها. وتضخمت عضلة لقلب بفعل ارتفاع ضغط الدم فعجزت عن أداء وظيفتها بنفس الكفاءة. والغريب أن دقات القلب رغم تسارعها فإن ذلك يجعلها مع عدم انتظامها عبئا لا فائدة منها. 

تقلب والدها في فراشه وأصدر صوتا يدل أنه استيقظ، فبادرت إليه، تسأله كيف يشعر، وهل يحتاج شيئا لكنه هز راسه بالنفي، وأغمض عينيه باستسلام، كم اوجعها أن تراه لأول مرة منذ تفتحت عيناها على الدنيا، في تلك الحالة.، تساءلت هل يمكن للشيخوخة والمرض أن يهدما هذا الجبل الشامخ الذي كان سترها من كل ريح، وكان دعمها من كل ما حاول اقتلاع روحها، فكان يعيد إليها ثقتها؟

 طالما كان موجودا فلا شيء تخافه، وأنها تستطيع تحت عباءته أن تختفي متى أرادت أن تكون غير مرئية. ومتى ارتجف قلبها خوفا أو بردا، أو حتى متى أرادت أن تكون بقربه.

قطع صمتها صوتا أصدره جهاز المونيتر الموصل بصدر والدها، رفعت بصرها نحوه فإذا بضربات قلبه تتسارع بشكل كبير وتتناقص أمامها درجة تشبع رئتيه بالأوكسجين. علمت أن هناك خطبا. يبدو كأنه قرأ أفكارها فشعر بالرثاء على نفسه لم يرد أن يكون ذلك الجبل المتصدع، لم يحتمل أن تتمزق عباءته فلا تجد ما يسندها أو تختبئ تحته من غوائل الزمن.

ركضت الممرضة تهاتف الطبيب المناوب، فلم يكن ذلك الصوت الا إنذارا بخطورة وضعه الصحي، فقد كان قلبه يلفظ أنفاسه يحاول أن يكسب معركته فيزيد سرعته ولكنه يزداد اضطرابا ويفقد تماما المقدرة على أداء وظيفته. فينهار كل من كان يتبع دقاته وينتظر أن يستلم منه الراية ليعمل الجميع تحت إمرته. لكنه اليوم أسقط تلك الراية ولم يعد يستطيع أداء دور القائد بعد

سارعت بالاتصال بصديقها رمزي طبيب القلب الذي كان يتابع حالة والدها منذ البداية فلطالما احست بالأمان والاطمئنان بوجوده ووثقت بقراراته وعلاجه

ابي يحتضر ارجوك أن تعيد أبي.. كان هذا كل ما استطاعت النطق به، بينما تحدث رمزي صديقها الطبيب.

همت الطبيبة الشابة التي تم استدعاؤها بتركيب المزيد من المحاليل المحتوية على الأدوية التي تحاول جاهدة ان تخبر ذلك القلب أن ببطئ قليلا ولكنه لم يكن يستجيب

كانت ضربات قلب والدها ترفض بعناد الاستجابة لكل المثبطات، ولم يستطيع كل الأكسجين في أنابيب المشفى أن يشبع رئتيه اللتين لم تستطيعا شق عصا الطاعة على قائدها العليل

مرت لحظات لم تدر كم كانت قبل أن يدخل رمزي مسرعا ويبدأ بالسؤال عما حدث، وكيف كانت القراءات على المونيتر، وما الادوية التي ضخت في دمه، ليتخذ قرارا يحاول به أن ينقذ والدها ويستعيده من بين فكي الموت المحدق. وبمنتهى الثقة والثبات وبسرعة اتخذ قرارا والتفت إليها قائلا، هالة انت طبيبة وتعلمين سنصعقه بالصاعق عسى أن تعيد الصدمة لقلبه صوابه.  الجهاز الصاعق هو جهاز يولد صدمة كهربية توقف عمل القلب تماما فإما أن يعود للعمل مجددا بشكل صائب أو أن يفشل في العودة للعمل مجددا. كأننا نقتل شخصا فإما أن يعود للحياة مجددا أو أن يفشل في ذلك

لم تعد تستوعب ما يقال وبدأت دموعها تتساقط بلا توقف لم تصدق ان المريض الذي يعاد انعاشه هو والدها، كم مرة فعلت هذا أو رأته يحدث أمامها لكنها لم تصدق ان والدها اليوم هو هذا المريض

رمزي أعد الي والدي سليما فانا بدونه لن استطيع النجاة

أحضرت الممرضة الجهاز وبدأوا بشحنه وإبعاد الجميع استعدادا للقيام بتلك الصدمة. كانت تتمنى لو تستطيع إمساك يده فكم مرة امسك يدها فأنقذها من موقف ما أو جنبها خطرا ما. أو كانت مجرد مسكة يد تملأ خزائن قلبها أمانا وحنانا. كان قلبها ولسانها يبتهلان والخوف يلجمهما فتختلط الأحرف والكلمات وهي تدعو الله أن يرد والدها سليما وان يستجيب قلبه العنيد

صعق الجهاز قلب والدها العليل وبفضل من الله ومنة فقد أعاد إليه رشده فبدأت ضرباته تتناقص وتصبح أكثر توازنا. ووسط كل التوتر والدموع لم تنس أن تشكر رمزي فارسها ذي الرداء الأبيض الذي أعاد والدها سالما

جلست بجوار والدها النائم تنظر إلى ملامحه التي بدا عليها الراحة والسلام وتارة أخرى لتلك الشاشة المعلقة لتطمئن أن كل شيء عاد بخير

في لحظات كانت قد نسيت فيها أنها طبيبة لتذكر فقط انها ابنة لتتجرد من ردائها وعلمها وتقف عارية من كل شيء إلا مشاعر الخوف والقلق التي لازمتها

مسحت على وجهه وهمست: فلترتح يا حبيبي واطمئن لن يستطيع المرض ولا السنون أن يتركا ولو شرخا صغيرا فيك ستظل دوما ذلك الجبل الشامخ ولن يستطيع لا الكبر ولا العجز سرقة عباءتك ستبقى دوما موجودة، وسأعود دوما لأختبئ تحتها.

رأي واحد على “جبل لا يتصدع

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s