بضع خطوات إلى الوراء وخطوةٌ إلى الأمام

بضع خطوات إلى الوراء وخطوةٌ إلى الأمام

د. هشام منصور

اللوحة: الفنان الفلسطيني أحمد الدنان

لم يكن المغلّف الذي بين يديه يحمل خبرًا سعيدًا.

كان يدرك هذه النّتيجة يوم زاره الفتى مع أهله منذ شهرين. الفحص السّريريّ كان كافيًّا للوصول إلى التّشخيص حتّى قبل فحوصات الدّم وخزعة العضل، وكلّ هذه كانت فقط لتأكيد التّشخيص وبداية البحث عن العلاج.

كان ذلك بداية الصّيف، يذكر جيّدًا كيف دخل الطّفل عيادته بابتسامة عريضةٍ ورأسٍ مرفوعٍ وخطواتٍ واثقةٍ ولكن متثاقلةٍ النّقل وبطيئة الوقع عندما تلامس الأرض. 

صافحه مبتسمًا وأشار إليه أن يجلس على الكرسيّ في الطّرف الآخر من الغرفة، ووقف يراقب من الخلف مشيته المتمايلة، كان يرفع فخذيه ببعضٍ من الصّعوبة قبل أن يلقي أسفل قدمه بخطوةٍ متسرّعةٍ إلى الأمام. 

كان يلبس سروالًا صيفيًّا قصيرًا يُظهِر أسفل ساقيه، فبانت بطّتاهما متضخّمتين وكأنّه أحد أبطال قصص ميخائيل نعيمه.

 والدا الطّفل يشكوان من أنّه أبطأُ من أترابه في اللّعب، كان متأخّرًا في المشي حتّى عمر السّنتين ومشى بدايةً على رؤوس أصابعه، وكان دومًا متأخرًا بضع خطوات عن أقرانه إن في الحركة أوفي الاكتساب.

كان أهله يتقبّلون هذا الأمر ولكن مؤخّرًا بدأ الفتى يشكو من التّعب بعد ساعات اللّعب الطّويلة وأصبح يتحاشى القيام بالمجهود الجسديّ وبدأ يستغرق وقتًا أطول في صعود درج بيتهم في الطّابق الأوّل. 

طلب من الفتى الجلوس في أرض العيادة ثمّ طلب منه أن ينهض ويقف مستقيمًا. 

وضع الطّفل راحتي يديه على الأرض استعدادًا للوقوف فبادره مسرعًا مع ابتسامة مطمئنة “لماذا لا نحاول دون استعمال اليدين؟”، أطاعه الطّفل فلم لم يستطع النّهوض. 

“لا بأس يا صديقي” طمأنه مربّتًا على كتفه “لماذا لا تريني كيف تنهض عادةً؟”

وضع الطّفل راحتي يديه على الأرض أمامه ودفع بجسده إلى الأعلى مستخدمًا كتفيه فصار جالسًا على ركبتيه، ثمّ أرجع يديه تدريجيًّا إلى أن لامسا ساقيه وبدأ بدفع الجزء الأعلى من جسده وهو ينقّل يديه صعودًا على ساقيه مستعينًا بهما للنهوض إلى وضعيّة مستقيمةٍ بعد مجهودٍ ملحوظ.

ساعد الصّبيّ في صعود الدّرجتين وصولًا إلى طاولة المعاينة وبدأ بفحص عضلاته، عضلات ساقيه طريّة الملمس تنسحق بسهولةٍ تحت أصابعه.

فحص الدّم السّريع كان كافيًا ليؤكّد أنّ الطّفل يعاني من أحد أنواع الحثل العضليّ، وعليهم إجراء الخزعة لتحديد نوع الحثل وحجم خطورة الحالة. ولم يحمل له ذلك المغلّف نتيجةً مطمئنةً.

طلب من الوالدين الحضور دون ابنهما، فذلك الفتى فطنٌ وذكيٌّ ولا يجب أن يعلم أنّه لم يبقَ له سوى بضعة سنوات على وجه هذه الأرض، وبعضٌ منها فقط سائرًا على قدميه. 

هولن يخبره هذه الحقيقة اليوم، ولكن لن يطول الأمر بهذا الفتى قبل أن يبدأ بطرح الأسئلة والوصول إلى الإجابات الصّحيحة بسرعةٍ كبيرةٍ.

فهذا الفتى سيكون من ضمن تلك المجموعة القليلة التّي تسعى وتصل باكرًا إلى تلك المعرفة مدفوعةً بغريزة البقاء، تلك المعرفة المبكّرة التّي تهجّر الطّفولة، كما يقول الرّحبانيّان. معرفةٌ تهجّر الطّفولة إلى براري الحكمة الموحشة.

  • أعلم أنّكما قد تصفّحتما الإنترنت ومررتما على الكثير من المعلومات، قال للوالدين الجالسين أمامه محاولًا معرفة المتاهات التي قادتهما إليها تلك الشّبكة العنكبوتيّة 
  • أيّ نوع من الحثل العضليّ تبيّن عند ابني وفق الخزعة يا دكتور؟ سأله الوالد متردّدًا
  • إنّه نوع ال Duchenne  يا سيّدي
  • إذًا مصير ولدي هو التّراجع الأكيد، بضع سنوات وسيصير أسير كرسيّه المتحرّك، ولن يتأخّر الحثل في القضاء على عضلات قلبه ورئتيه، أليس ذلك صحيحًا يا دكتور؟ سألته الوالدة بصوتٍ مخنوقٍ ونبرةٍ واثقة.

كانت شخصًا مثقّفًا ومطّلعًا وهو يعلم أنّها ستكون السّند القويّ لولدها باتّساع معرفتها.

  • ولا شكّ أنّك قرأت في تلك الصّفحات أنّ هذا المرض لم يعد اليوم كما كان في الأمس، والعلاج لم يعد مستعصيًا، أجابها وهو ينظر إليها مشجّعًا
  • تقصد الكورتيزون يا دكتور؟ سأله الوالد متنهّدًا
  • الكورتيزون هو العلاج التّقليديّ الذي يسمح بتأخير خسارة المشي بضعة سنوات ولكنّه يبقى ضرورةً عند استعمال العلاجات المتطوّرة
  • الدّكتور يقصد العلاجات الجينيّة الحديثة يا عزيزي، أردفت السّيّدة وهي تمسك يد زوجها وأكملت وهي تلتفت إلى الطّبيب، ولكن هل هذه العلاجات ناجحة يا دكتور وهل هي متوافرة في بلادنا؟
  • هذه العلاجات هي أبعد ما توصّل إليه الطّبّ يا سيّدتي، أجابها الطّبيب مطمئنًا، فأنت كما تعلمين أن حالة ابنك ناتجةٌ عن طفرةٍ جينيّةٍ تؤدّي إلى عجز جسده عن إفراز وتكوين البروتيين الأساسيّ اللّازم لتركيب كافة العضلات ممّا يتسبّب بانحلالها وخسارة وظائفها تدريجيًّا، وهذا الدّواء كفيلٌ بترميم الخلل الجينيّ وصولًا إلى إعادة تكوين هذه المادّة، وهذا الدّواء متوافرٌ في بلادنا. 
  • إذًا هناك أملٌ يا دكتور، ولكن هل الدّواء مكلفٌ؟ سأله الوالد بلهفةٍ
  • –       “علينا بدايةً إجراء فحص الجينات لنرى إن كان الدّواء ينفع عند ابنكم، فهذا العلاج لا ينفع عند كلّ الطّفرات الجينيّة في هذا المرض”، أجابه محاولًا تفادي الإجابة الكاملة لئلّا يضيف الوالد إلى لائحة المحتاجين لعلاج. فالرّقم كان فيه على الأقلّ خمسة أصفار إلى اليمين، “وإذا كان ابنك من الأطفال الذين يستفيدون من هذا العلاج نبحث حينها في كيفيّة الحصول عليه” 
  • إذا كان هناك أمل شفاء ولو ضعيف لا توفّر السّبيل إليه يا دكتور، أضافت الوالدة وهي تحبس دمعةً تسلّلت من عينها.

كتب اسم الفحص الجينيّ على الوصفة الطّبيّة الموحّدة وأعطاها للوالد.

  • ما دام هناك أملٌ! قال الوالد وهو يأخذ منه الورقتين البيضاء والزّهريّة، ولكن هل نستطيع تصحيح الخلل الذي حصل؟
  • قد وضعنا يدنا على المحراث يا صديقي، فلا يجب بعد أن ننظر إلى الوراء.

راقب الوالد يفتح الباب مغادرًا العيادة بخطوات متمهّلةٍ خلف الوالدة وفي عينيهما بصيص من الأمل. 

خمسة عشر بالمئة، كان ذلك فقط حجم الإحتمالات في أن يكون هذا الفتى متجاوبًا مع العلاج الجينيّ الحديث. أغمض عينيه وفكّر بالمبلغ الضّخم الضّروريّ لتوفير هذا العلاج الدّائم اللّازم لإبقاء هذا الطّفل على قيد الحياة. هو ثمرة سنوات طويلةٍ من الأبحاث المعمّقة التي توصّلت إلى تصحيح الشّيفرة الجينيّة للمريض، بجرعةٍ صغيرة تصحّح خطأً تكوينيًّا خلقيًّا يسمح للطّفل بالبقاء على قيد الحياة، حياة يصعُبُ تقييمها بأرقامٍ أو بثمن. 


صفحة الكاتب في حانة الشعراء

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s