في يدها رعشة

في يدها رعشة

د. هشام منصور

اللوحة: الفنان الهولندي جيرارد تيربورغ 

وضَعَت يدها على نقطة الإنطلاق وسط الشّكل الحلزونيّ، ضغَطَت على قلم الرّصاص بملء قوّتها، أحنت ظهرها وطأطأت رقبَتَها، فالتصق رأسّها بالورقة التي أمامها سعيًا منها إلى مضاعفة قدرتها التّركيزيّة على تلك المهمة المُسنَدَةِ إليها.

لم تكن تلبس النَّظارات وقد استطاعت كتابة اسمها وبضعة أسطرٍ سابقًا بسهولةٍ ودون أن تقترب بذلك الشّكل اللّصيق بالورقة. 

طبعاً لم تكن الكلمات التّي كتبتها مستقيمة الخطوط ولا متقاربة الأحرف.

كانت الحروف مضعضعةَ التَّناسق، متباعدة المسافات، فيها من التَّعرُّجات ما يوحي بضعفٍ عميقٍ في الحركة وفي تناسق عضلات أصابع اليدين.

وضع يديه بهدوء على كتفيها وأرجعهما إلى الخلف معيدًا ظهرها إلى الوضعية المستقيمة.

  •  “لست في المدرسة ولا تخضعين اليوم لإمتحان، هدّئي من روعك ولا تقلقي، لن يكون هناك تقييم ولا علامات، أريد فقط أن أطّلع على طبيعة حركتك في اليوم العاديّ”
  • –       “سمعتِ ما يقوله الدّكتور يا عزيزتي” أضاف والدها من خلفها مطمئناً بصوته الذي يحمل نبرةً مرتجفةً شبيهةً بنبرة ابنته عندما بدأت تخبر الطبيب سابقًا بالذي يضايقها.

كان صوتها هادئ الوقع واضحَ الكلمات بدايةً إلى أن وصلت إلى التّفاصيل المزعجة وحينها بدأ صوتها بالتّهدّج بشكلٍ تصاعديّ.

هي في الثّالثة عشرة من عمرها وكانت قد اكتسبت وعيًا ملحوظًا بالنّسبة لذلك العمر، وهوكان نتيجةً طبيعيّةً لمعاناة طفلةٍ تسعى جاهدة لتخطّي معضلةٍ، لا تتناسب وعمرها، كانت وضعتها الحياةَ عثرةً مبكّرةً في طريقها. فجاء حديثها حديث فتاةٍ ناضجةٍ تفهم مكامن الحياة.

  • –       “أنا أعرف معظم الإجابات إن ليس كلّها، وعندما يكون جواب السّؤال باختيار احتمالات متعدّدة، تكون إجابتي صحيحةً بمعظم الأوقات” قالت بصوتٍ واضحٍ وجليّ، “ولكن عندما يتطلّب السّؤال جوابًا مكتوبًا بأسطر عدّة، حينها لا أدري ماذا يحصل وتقلّ سيطرتي على حركة يديّ وأصابعي فتخرج الحروف وكأنّها “تخربش دجاج””. ختمت مستعملةً هذا التّعبير المألوف منذ عدّة عقودٍ، بينما كان صوتها يشتدّ وعباراتها تتسارع بوقعٍ مرتجفٍ يحاكي ارتعاشة شفتها السّفلى.

أعادت تحسين وضعية جلوسها ووضَعَت قلم الرّصاص ثانيةً وسط الورقة عند نقطة البداية، وضغطت بكل قوّتها عليه وهي تتابع رسم الخط الحلزونيّ الذي خطّه الطّبيب منذ لحظاتٍ. ولم تكد تصل إلى نهاية الدّورة الأولى من المخطوط حتى سمعوا صوت رأس القلم الرّصاصيّ الصّغير وهو ينكسر.

  • عذرًا يا دكتور، لم أقصد، ولكنّ هذا يحصل معي دومًا وليست هذه أوّل مرة.
  • –       “لا بأس يا عزيزتي”، أجابها مبتسمًا وهو يناولها قلم حبرٍ برأسٍ إسفنجيٍّ سائلٍ كان حمله في يده منذ لحظات، “أظنّك ستجدين نفسك مرتاحةً أكثر مع هذا النوع من الأقلام”

كان السبب الرئيسيّ لزيارتهم عيادته أنّ المدرسة لم تعد تجد وسيلة لتقييم هذه الفتاة دون أن تتغاضى عن مشكلة الكتابة التّي تعاني منها، وما يرتب على ذلك من مضاعفاتٍ خصوصًا في الفحوصات الرّسميّة، حيث يقوم أساتذةٌ لا يعرفون حالة هذه الفتاة بتصحيح مسابقاتها.

كان قد مضى عليها عدّة سنواتٍ مع المعالجين في سعيهم لتقوية عضلات أصابعها ولكنّ النّتيجة لم تكن كافيةً، والتّحسن لم يكن بالقدر المطلوب. كانت تحرّك أصابعها براحةٍ أكثر مع قلم الحبر، ولكنّ التزامها بالخط الذي رسمه لم يكن مستطاعًا، فالخطّ الذي رسمته بدورها أتى متعرّجًا بشكل عشوائيٍّ وإن كان يتبع بعض الشّيء دورات الخط الذي رسمه هو.

  • –       “هذا أفضل ما أستطيعه يا دكتور ” 

كان وعيها على حالتها مُدهشًا وملحوظًا، وهوما ليس مألوفًا عند العديد من المرضى البالغين، خصوصا الذين يسعون إلى تجاهل حالتهم.

أخذ الورقة منها ومسح صورةً ضوئيّةً عنها ليضعها في ملفّه ونظر إلى والدها سائلاً “كم من أفراد العائلة عندكم يعانون من هذه الحالة؟”

  • –       “أنا وثلاثةٌ من إخوتي يا دكتور”، أجاب الوالد
  • –        “ووالدي قد بدأ يعاني فى مرضى الباركنسون منذ بضعة سنوات وحالته شبيهة بحالتها يادكتور” أضافت الوالدة مع قلقٍ واضحٍ في صوتها
  • لا تقلقي ياسيدتي فحالة ابنتك قد تشبه حالة الباركنسون في الشكل، ولكنها تختلف عنها عضوياً، هي تعاني مثل والدها من حالة الارتعاش الأساسيّ العائليّ essential familial tremor ، وهي حالةٌ حميدةٌ لا تؤدّي إلى التّدهور الذّي يصيب مرضى الباركنسون ولكنّ هذه الحالة ترافق المريض مدى حياته، وأظنّ أن زوجك هو الأخبر بتفاصيل هذه الحالة بيننا فهو يحيا معها يوميًّا وأظنّني أدري لماذا تأخّر في طلب مشورة الطّبيب، وذلك هربًا من الدواء.
  • صدقت يا دكتور أنا، أعلم أنّ ابنتي تعاني من حالة شبيهةٍ بحالتي وأنا أجيد الإلتفافات اللّازمة لمتابعة حياتي مع هذه الحالة، ولكنّ هذه الحالة ألزمتني ترك الدّراسة باكراً بحثًا عن عملٍ يتناسب ومشكلتي، ولكنّني أرغب في أن تتابع ابنتي دراستها ولكنّ الأدوية التي حاول الأطباء إعطائي إيّاها أرهقتني ولست أدري إن كانت طفلتي تتحمل هذا النوع فى الأدوية، ولذلك كنت أطلب العلاج الطّبيعيّ أوّلًا.
  • أتفهّم حذرك يا سيدي وأظن أن الأدوية التي تم استعمالها معك كانت بمعظمها أدوية للقلب ولها بعض المفاعيل الجانبيّة وأنت لم تخطئ باللّجوء إلى العلاج الطبيعيّ أوّلًا، فنحن نتفادى اللجوء إلى دواءٍ إلّا عند الحاجة. ولكنّ هناك علاجاتٍ دوائيةً عديدةً أقلَّ إزعاجًا وذات فعاليّة تضاهي الأدوية التّقليديّة. وأرى أن ابنتك قد وصلت إلى مرحلةٍ تستحقّ بعض المساعدة، وستكون هذه العلاجات بالڨيتامينات بدايةً 
  • –       “إذا مشكلتي بسيطة يا دكتور” سارعت الفتاة إلى القول بلهفةٍ
  • لن أعِدَكِ بحبّة دواءٍ سحريّةٍ يا صغيرتي، وأرى من حديثنا أنّ لديك من الوعي ما يكفي لتساعديني على إعطاءك الأقلّ اللّازم من الدّواء بينما تجدين الإستراتيجيّات اللّازمة للتّآلف مع حالتك كما فعل والدك. ولكن علينا البداية بتهييء أرضيّةٍ لازمةٍ مع المدرسة بدايةً بطلب وقتٍ إضافيٍّ لإنجاز الفحوصات أو بالسماح باستعمال الكومبيوتر أو بالاستعاضة بفحوصاتٍ شفهيّةٍ. كما سأعطيكم تقريرًا نطلب فيه الشُّروع بالمعاملاتِ الرَّسميَّة للسّماح لك بالتّسهيلات اللّازمة في الإمتحان الرّسميّ.
  • –       “وماذا عن الدواء يا دكتور؟” سأل الوالد وهو يركّز نظره على الطّبيب
  • –       “لا تقلق! حالة ابنتك ليست صعبة، وسوف نبدأ بالڨيتامينات ولن نحتاج لأدويةٍ أقوًى قبل برهةٍ من الزّمن”. أجابه دون أن ينظر إليه ثانيةً وانكبّ على ملء اوراق الوصفة الطّبيّة ثمّ بدأ بكتابة التّقرير للمدرسة.

كان مضى عليهم حوالي ثلاث أرباع السّاعة في عيادته وقد تأخّر على المريض التّالي على عادته، فأخذ يسرع في كتابة التّقرير للمدرسة محاولًا التّفصيل قدر الإمكان بأقل وقت ممكن، فأتت كلّ كلمات نصّه متشابهة الأشكال تخالها للوهلة الأولى مخطوطةً سريانيّةً في دير قديم.

 توقّف برهةً عن الكتابة ونظر إلى ورقته ثم رفع نظره وابتسم للفتاة قائلاً وهويريها الورقة “هل هذا النّصّ جيّد برأيك؟”

فتحت الفتاة عينيها وقد جحظتا وهي تحاول فكّ رموز الخطوط التي أمامها وقالت بصوت منخفضٍ وخجولٍ وكأنّها تخشى أن يصدر عنها تعليقٌ يقلل احترام سامعها “شوهيدا؟”

  • –       “صدقتِ ياعزيزتي، حتّى أنا لا أظنّني أستطيع إعادة قراءة نصّ كتبته بنفسي ببعضٍ من العجلة”، وأضاف ضاحكًا “أرأيتِ؟ معظم الأطبّاء يعانون من مشكلةٍ شبيهةٍ بمشكلتك بعض الشيء”

ثمّ أمسك ورقة التّقرير غير المكتمل ومزقها من نصفها وأخذ ورقة جديدة وبحث عن قلم الحبر السّائل ليبدأ بالكتابة من جديد.


صفحة الكاتب في حانة الشعراء

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s