بين شَنّ وراعي الأغنام

بين شَنّ وراعي الأغنام

جولييت المصري

اللوحة: الفنان البولندي آدم استيكا

جاءتني قصة جميلة من إحدى قارئات #حانة_الشعراء ،  وهي قصة من حكايا العرب ونوادرهم، ذكرتني بمثل عربي أيضا يقال في نفس الموقف، وكأن الشيء بالشيء يذكر، أما المثل – وهو الذي أحب أن أبدأ به مقالتي فهو قول العرب: “وافق شَنُّ طَبَقَة”، وهو من الأمثال العربية التي لها قصة جميلة وأمثولة تبقى في الأذهان، وتقول قصة المثل:

يحكى أن رجلا من دهاة العرب وحكمائهم يدعى شن، أراد الزواج من امرأة لا تقل عنه حنكة وذكاء، فقال: والله لأطوفنَّ في الأرض حتى أجد امرأة مثلي أتزوجها، وبينما هو في مسيرة بحثه، صادفه رجل في الطريق، فسأله شن عن وجهته، فقال له الرجل: موضع كذا، فرافقه شن حتى إذا سارا في طريقهما، سأله شن: أتحملني أم أحملك؟ فقال له الرجل: يا جاهل أنا راكب وأنت راكب، فكيف أحملك أو تحملني؟ فسكت شن.

وظلا على سيرهما حتى إذا اقتربا من القرية المقصودة، إذا بزرع قد حُصِد، فقال شن للرجل: أترى هذا الزرع قد أُكِل أم لا؟، فقال له الرجل: يا جاهل ترى نبتًا مستحصدًا فتقول: أكل أم لا؟ فسكت أيضا شن، ولم يرد على كلام الرجل، حتى إذا دخلا القرية، وجدا أمامهما جنازة، فقال شن: أترى صاحب النعش حياً أم ميتاً؟ فتعجب الرجل من سؤاله!

وعلى عادة العرب من حسن الضيافة، رفض الرجل أن يترك شن حتى يصحبه معه إلى منزله، وكان له ابنة يقال لها: طبقة، فلما دخل عليها أبوها، حدثها بما دار بينه وبين شن من حديث، فقالت: يا أبتِ ما هو بجاهل، أما قوله: أتحملني أم أحملك، فإنما قصد بها أتحدثني أم أحدثك حتى نقطع طريقنا، ولا نشعر بطول المسافة، وأما قوله: أترى هذا الزرع أكل أم لا؟ فإنما قصد بها هل باعه أهله؛ فأكلوا ثمنه أم لا؟

وأما قوله في الجنازة فقصد به هل ترك المتوفى ولدًا يحيا به ذكره أم لا؟، ولما فطن الرجل لمقصد شن، خرج إليه وقعد معه، وأخبره بجواب أسئلته التي طرحها عليه، فقال شن: ما هذا بكلامك، فأخبرني من صاحبه؟، قال الرجل: ابنتي طبقة، فلما سمع شن بها، ورأى رجاحة عقلها، خطبها منه، فزوجة الرجل إياها وحملها إلى أهله، فلما عرفوا عقلها ودهاءها قالوا: وافق شَنٌّ طَبَقَة.

وأما قصة صديقتنا العزيزة، فتحكي عن راعٍ للغنم لم يكن راعيا إلا لغرض في نفسه، فقد أخفى هويته حتى يصل لمبتغاه، ويتحقق مناه. وتقول القصة:

يحكى أن أحد الملوك زوج ولده ثلاث مرات، وفي كل مرة كان الولد يطلق زوجته دون أن يعرف أبوه الأسباب، فطرده أبوه من القصر لكثرة طلاقه، وخرج الشاب من المدينة سائحا في بلاد المملكة، ومتنكرا في ثياب رجل من سكانها، وكان لزاما عليه أن يبحث عن عمل يتقوت منه، فوجد عملا عند صاحب أغنام من الموالين، فلما أعجبه الشاب كثيرا لخلقه وأمانته ورزانة عقله؛ قربه وأكرمه، وكان لصاحب الغنم بنت وحيدة، فسألها أن تتزوج به لكي يظل عاملا معهم، فوجوده ربح وفضل، فقالت لن أتزوج به يا أبي حتى تسافر معه لتعرف حقيقته، فالرجال لا يعرفون إلا في الأسفار.

وافق الرجل رأي ابنته، ومن غده نادى الشاب وقال له: غدا لا تخرج بالأغنام، سنسافر بضعة أيام لقضاء حاجة، فسافرا معا، وفي الطريق مرّا على غنم فقال الشاب: ما أكثرها وما اقلها! تعجب الرجل ولم يرد عليه، ثم مرا على غنم أخرى فقال الشاب: ما اقلها وما أكثرها!، فقال الرجل في نفسه: إنه والله لغبي، لذلك طلبت مني ابنتي السفر معه.

وفي الطريق صادفتهما مقبرة فقال: فيكِ الأحياء وفيكِ الأموات، وصادفا بستانا جميلا فقال لا أدري إن كان هذا البستان أخضر أم يابس، تعجب الرجل كثيرا ولم يتكلم، فلما دخلا على قرية من القرى طلبًا لماء للشرب فاعطوهم الحليب، فشرب هو ثم أعطى الرجل بعده، ثم دخلا قرية أخرى وطلبا الماء فاعطوهم الماء فأعطى للرجل أولا ثم شرب هو.

 قال الرجل في نفسه: إنه لم يوقرني ولم يحترمني، فقد شرب الحليب قبلي أما الماء فأعطانيه أولا، هذا الشاب لا يصلح زوجا، لن أزوجه ابنتي أبدا، حقا، إن السفر يكشف الناس على حقيقتها.

 ولما عادا من السفر، خلا الرجل بابنته، وقص عليها ما كان من الشاب من أفعال وهو متعجب حزين، فقالت البنت لأبيها، يا أبي، إنه نعم الرجل، فتعجب أبوها وقال كيف ذلك؟ قالت أما الغنم الأولى ففيها الكباش أكثر من النعاج، والغنم الثانية فيها النعاج أكثر من الكباش، والمقبرة فمن ترك ذرية فهو حي، ومن لم يترك فهو ميت، والبستان إن كان صاحبه اشتراه وزرعه بماله فهو أخضر وإن كان بالدين فهو يابس، أما الحليب، فعند وضعه في الإناء ينزل الحليب ويصعد الماء، فشرب هو الماء وأعطاك الحليب ،وأما الماء، فماء البئر الصافي يصعد للأعلى ويرقد الماء العكر، فأعطاك أنت أولا كي تفوز بصفائه وعذوبته، فزوجها أبوها له من فوره،

 وعند دخوله بها، وضع يده على رأسها وقال: لمن هذا الرأس؟ قالت: كان رأسي وأصبح رأسك، فقال لها تهيئي للسفر، فلست براعي غنم إنما أنا ملك ابن ملك، وقد خرجت للبحث عنكِ.

رأيان على “بين شَنّ وراعي الأغنام

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s