إثبات عذرية

إثبات عذرية

د. بلقيس بابو

اللوحة: الفنان الفلسطيني محمد الركوعي

بعد مداومة هادئة طوال اليوم بقسم المستعجلات، لم تبق إلا دقائق معدودة ليتولى فريق الدوام الليلي مهمته، اهتزت جنبات المبنى فجأة بدخول مجموعة من الأشخاص إلى القسم، ينتمون لنفس الأسرة تتوسطهم فتاة في مقتبل العمر تذرف من الدمع سيولا، يبدو عليها الخوف والقلق الشديدين، يمسك بها شابان، أحدهما أخٌ لها على الأرجح، ويعقبهم خمسة أو ستة أشخاص؛ تتعالى أصواتهم بين من يعنفها ومن يحاول الدفاع عنها، لا تكاد تفهم ما يريدون من كثرة الصراخ، والغضب يتملك أغلبيتهم.

 يجعلنا هذا الظرف كأطباء لا نفكر إلا في كيفية احتواء الوضع وتهدئة الأجواء قبل أي شيء آخر، مخافة تفاقم الأمور إلى ما لا تحمد عقباه.

يتقدم الشابان وهما يتأبطان الفتاة إلى شباك الاستقبال:

ـ نريد شهادة إثبات العذرية؛ نطق أحدهما بنبرة حادة ‏قبل أن تتفوه الموظفة بكلمة 

– يجب أن تفحصها طبيبة، أردف ملِّحًا.

‏نزلت الجملة على مسمعي كالصاعقة فلا طبيبة غيري خلال هذا الدوام، هناك ثلاثة أطباء رجال وأنا الرابعة، اثنان منهما يعملان بقسم المستعجلات الجراحية‏ والثالث يعمل إلى جانبي بالمستعجلات الطبية.

كيف أفعل ذلك وأي جواب أعطي هذه العائلة الثائرة، الغاضبة؟

مرت بضع ثوان قبل أن استوعب أنه لا مفر من القيام بالأمر.

‏دخلت بمعية الفتاة إلى غرفة الفحص أقفلت الباب بإحكام وأنا شاردة الذهن والأفكار تتسارع في ذهني، كيف أدبر هذا الموقف؟ ما عساي أخبرهم إن كانت نتيجة الفحص سلبية؟ قد يكون ذلك سببا في حدوث جريمة ما.

هل يحق لي أن أكذب إن لم تكن الفتاة عذراء؟‏ هل يمكنني أن أخبرهم عكس الحقيقة لإنقاذ حياتها وانقاذ حبيبيها المزعوم؟

‏سألتها إن كانت تريد أن تخبرني شيئا ما قبل أن أتورط في جواب معين، أقسمتْ باكيةً أنها بالرغم من أنها كانت تقابله إلا أنه لم يلمسها يوما.

طلبت منها أن تهدأ فأنا مجبرة على معاينتها وسنرى ما يمكننا فعله ‏بعد ذلك.

قمت بالفحص وكانت يداي ترتعشان كلما تذكرت النيران المشتعلة في عيون أهلها، اعتراني بعض من الغضب وكثير من الإحراج أمام هذا الموقف الغريب.

أما كان يمكن أن تُحَلَّ هذه المشاكل بطريقة أقل إهانة وأكثر سرية دون الحط من كرامة الفتاة والتشهير بها بهذه الطريقة البشعة خاصة وأن الحقيقة لم تعرف بعد.

أتممت‏ فحصها وتنفست الصعداء ظنا منِّي أن تجاوزت كل الصعاب؛ لحسن حظنا جميعا أنها كانت لا تزال تحتفظ بعذريتها.

أخذت منها إذنا ‏بإخبار ذويها الثائرين الغاضبين بالنتيجة، ‏أشارت برأسها موافقة قائلة: سيقتلونني إن لم تخبريهم.

انتظرت حتى ارتدت ملابسها وتبعتني خارج الغرفة ‏ فما كدنا ندخل المكتبة لتحرير الشهادة حتى التَّف كل مرافقيها حولنا ليعرفوا منِّي الجواب، أخبرتهم وكلي ثقة في أن المسألة قد حُلَّت، أن الفتاة في حالة جيدة وأنها لازلت عذراء وإنني سأحرر الشهادة خلال دقائق.

لم أصدق كيف انهالوا عليها بالضرب والتعنيف، وأصواتهم تتعالى بالصراخ من شدة الغضب: لقد أخفتنا، لقد أرعبتنا.. صابِّين عليها كمّاً من الشتائم والنعوت البذيئة.

التف حولها طاقم الممرضين لحمايتها، لم نستطع إخماد النيران المشتعلة بين أفراد هذه العائلة وإنهاء هذه الفوضى بالقسم إلا بعد حضور الشرطة، حيث تجاوزنا وقت انصرافنا من الدوام بحوالي الساعتين.

انصرفت إلى حال سبيلي ومايزال الحادث عالقا بذهني، تتجاذبني الأسئلة حول إمكانية تغيير هذه العادات الاجتماعية و جعلها في إطار يحفظ للمرأة ليس كرامتها فقط بل إنسانيتها، وحقها في اختيار ما يناسبها ويسعدها في الحياة، ما الذي يمكن أن نقدمه لبنات مجتمعاتنا من تعليم أو عمل أو تثقيف أو غير ذلك كي يستطعن امتلاك حق تقرير مصيرهن، وأن يكن قادرات على تحصيل الوعي الكافي لحماية أنفسهن.. مضت الآن على الحادث أكثر من عشرين سنة ومازالت كل الأسئلة معلقة بلا جواب.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s