هديّة العيد

هديّة العيد

د. هشام منصور

اللوحة: الفنان العراقي حسين الشبح

نظر إلى شاشة هاتفه تضيء بتكرار، قبل بداية موسيقى افتتاحية ميس الريم بالتصاعد تدريجيا من الهاتف.

لم يكن يعرف كل الأرقام التي تتصل به هذا اليوم، فقد خزّن في ذاكرة الهاتف أرقام الأصدقاء والأقرباء، الذين تبادل معهم المعايدات منذ الصباح الباكر. لازال هناك منهم من يحافظ على تقاليد المعايدة بالصوت إن لم يستطع الزيارة، بعدما كانت العادة قد تحوّلت إلى مجرّد رسالةٍ مع صورةٍ أنيقةٍ مُتناقلة عبر تطبيق هاتفي جافٍّ يحوّل المعايدة إلى مجرّد “رفع عتب” عوض أن تكون تذكيرًا ببُعدِ العيد الإنسانيّ إن ليس الدّينيّ.

نظر إلى شاشة هاتفه ثانيةً وعرف رقم الهاتف، لم ير هذا الرقم منذ تسعة أشهر تقريبًا، ربّما أكثر بقليل، كان ذلك نهاية الصوم الكبير الماضي. 

لم يكن يحب تخزين أرقام المرضى في ذاكرة هاتفه، وهو يدري إن كان ذلك ضرباً من التشاؤم أو نوعًا من الإعتقاد بالخرافات التي تتغلغل في تفاصيل حياة الشرقيين، أو أنّ ذلك كان من محاولاته اليائسة للفصل بين العمل ومساحة الحياة الشّخصيّة بعد ساعات العيادة، وإن كانت تلك السّاعات تتعرّض للإجتياح المستمرّ من طالب حديث مطمئنٍ أومن طارح سؤالٍ كان سمع إجابةً عنه عشرات المرّات وفي القليل القليل تحتوي تلك المخابرة الليليّة حالةً طارئة. ذكّره ذلك بقول أستاذه في الجامعة “عبر الهاتف ليس هناك من حالات طارئة وإنّما أشخاصٌ مستعجلون”.

لقد اقتنع بهذه النّظريّة في بداية مسيرته المهنيّة ولكن بعد فترةٍ قصيرة اكتشف حجم التّضحية الشّخصيّة التي تحملها مهنته وخوصًا أن قول أستاذه لم يكن صحيحًا بالكامل.

فبضع من الأهل الذين لديهم أطفال يحملون حالة مستعصية ملزمون بالبقاء على تواصل دائم معه بغض النظر عن ساعات، النهار فيصير رقم هاتفهم جزءا فى ذاكرته البصرية.

ولكن هذا الرقم قد مضى وقت طويل على وقوعه أمام عينيه.. يومها لم يسمع تحية الوالد المعتادة بعد ان فتح الخط، بل سمع شهقاتٍ متكرّرةً وصوت أنين كئيب: “راحت يا دكتور، راحت!” 

كانت العبرات تخنق صوته. كانت تلك آخر محطة في طريق عذابهم، المسمار الأخير في ختام جلجلتهم بعد ٤ سنوات من المعاناة مع مرض تلك الفتاة الذي بدأ من اليوم الأوّل لولادتها، يوم لم تصرخ صرختها الأولى وكان جسدها متهلهلًا كدميةٍ قماشيّة.

كان الوالدان من القلائل الذين أدركوا فى البداية حقيقة المرض ولم ينظروا إلى معاناتهم على أنها معاناة مع “الطفلة” بل مع “مرض تلك الطفلة”. ولم يعيشوا حالة الرفض الكاملة للمرض ولم يبحثوا عن كائن عضوي يلقون اللوم عليه، في حين لا زال مجتمعهم مقتنعا بأن المرض عقاب سماويّ والمريض يسعى دوما إلى تبرير الإصابة، وفي حال حدوثها إلى إلقاء اللوم على كائنٍ حيٍّ آخر. كانت تلك أحد صور الوثنية التي لازالت تستشري في هذا المجتمع الذي يدّعي التّحضّر.

ولكن ذلك لم يكن وضع تلك العائلة. سار معهم بكل الخطوات اللازمة حتى وصلوا إلى التّشخيص الجينيّ، وتم تحديد الجينية المسؤولة عن الحالة وتبين أن الوالدين يحملانها، وهوما تسبب بانتقالها إلى طفلتهما.

  • –       “هذه الحالة لا علاج لها”.

 كان يشعر بثِقَل هذه الكلمات وهو يتلوها على مسامع الوالدين. لا شك أن وقعها على أرواحهم أثقَلُ بكثيرٍ من مرارتها على طرفِ لسانِهِ.

  • –       “شو يعني؟” سألت الوالدة مذهولة
  • –       “يعني ما في أمل؟” سأل الوالد إثرها.

 كان قد شرح لهما مسبقًا أن الفحص الوراثيّ لم يكن بهدف العلاج.

  • –       “يا صديقي! قد شرحت وأسهبت مسبقًا.” هذا الفحص بهدف تحديد الحالة وذلك لتفادي تكرارها عند طفل جديد.
  • –       “صحيح يا دكتور ولكنك لا تستطيع أن تلومنا إن كان لدينا أمل بفسحة ضوء لصغيرتنا”. أجاب الوالد بهدوء قبل أن يُكمل “وماذا بالنسبة لطفل جديد؟ ما هي الحظوظ والمخاطر؟”
  • “الخطورة تصل إلى ٢٥ بالمئة بتكرار الحالة عند طفلٍ جديد بغضّ النّظر عن الجنس”
  • –       “واحد من أربعة! هذا كثير! يا الله! لا يجوز أن نخاطر بتحميل طفل جديد ما تتحمّله صغيرتنا من معاناة” أكمل الوالد بمرارة
  • –       “وماذا نستطيع أن نفعل إذا؟” سألته الوالدة وكأنّها تنتظر منه تأكيدًا على الحديث الذي جرى بينهم قبل طلب فحص الخارطة الجينيّة.

كان هذا السؤال الأصعب الذي يَنتَظر أن يطرحوه عليه. فقانون الأخلاق الطّبيّة يُلزِمُهُ أن يَتجرّد من كلّ قناعاته الإنسانيّة ومعتقداته الدّينيّة ليترك لهما حرية الخيار وعليه أن يلتزم بإعطائهم المعلومة الطّبيّة البحتة دون رأيه الشّخصيّ.

  • –       “هنا يستطيع الطب أن يحدد إصابة الجنين أو عَدَمها في الأشهر الأولى من الحمل، وفي حال حدوث الإصابة يقع القرار عليكما وعلى مرجعكما الديني إن كان يحلّل إيقاف الحمل أولا. فأنتما تعلمان أن الإجهاض ممنوع قانونًا ، إلّا في حال تحمل طرف دينيّ المسؤوليّة عنكما وعن الطبيب”. أجابها ميكانيكيّ رتيبٍ مُعيدًا النّصّ الذي درّب نفسه عليه لمواقف كهذه.
  • هذا ولدي! هذا من روح الله فيّ! لن أبحث عن بشريّ يدّعي التّواصل مع الخالق ومعرفة رأيه أكثر منّي ليُخبرني إن كان الذي ينمو في أحشائي كائِنًا حيًّا أولا! هذا إحتمال غير واردٍ في قاموسنا يا دكتور. ما هي الحلول الأخرى؟ أكملت الوالدة بحدّةٍ وثقةٍ.

إبتسم واطمأن قلبه عند سماعه جوابها وأكمل: “تبقى حلول الإنجاب عن طريق الزّرع وهنا الأطباء النّسائيّون يشرحون لكم خيرًا مني”. 

  • “وطبعًا نحن نتكلّم عن الزّرع والتّلقيح الصّناعيّ مع تكاليفهما”. أردف الوالد وهو ينظر إليه مباشرةً.

أومأ برأسه إيجاباً دون أن يتكلّم وساد الغرفة سكونٌ ثقيلٌ.

  • –       “وغير ذلك؟” سألت الوالدة
  • –        “غير ذلك يبقى أن تتوكّلا على الله وعلى رأفته وحنانه” أجابها بصوتٍ خافتٍ

كان ذلك الحديث بضعة أشهر قبل أن ترحل الصّغيرة بصمتِ الدموع. كان قد فحصها مرارًا بعد تلك الزّيارة، ولكن الأهل لم يعيدوا السّؤال أو الاستفسار عن طفلٍ جديدٍ أوعن ما يتلو ذلك من مخاطر.

نظر ثانية إلى شاشة هاتفه وضغط على رسم السّماعة الخضراء ليطالعه صوت الوالد مبتهجًا:

  • –       “ينعاد عليك يا دكتور! اشتقنا لسماع صوتك. وأحببت أن أعيّد عليك بخبرٍ جميلٍ أنا أعرف انه سيُفرح قلبك”.
  • –       “وعليكم يا صديقي” أجابه وقد طمأنه صوته الفرح “انشالله صحّتكم منيحة، خيرًا ان شالله طمّنّي”
  • بألف خير يادكتور، أنا وزوجتي والصّغير نسلّم عليك ونعايدُك
  • أيُّ صغيرٍ؟ سأله بلهفةٍ
  • –       “الأسبوع الماضي يا دكتور أنجبت زوجتي طفلاً كالقمر، وهو بألف خير، زهريّ اللون قويّ العصب، صراخه يملأ الدّنيا، غير أخنه كلّيًّا، وان شاء لله قريبا نزورك وتطمئننا إلى حالته بنفسك، ولكنّنيِ أحببت أن أشاركك الخبر الجميل”
  • –       “ألف مبروك، خبرٌ جميلٌ ولا شك، وانتما تستحقّان كل خير” أجابه وقد عمّه شعورٌ بالرّضى والقناعة أن هذه العائلة أحبّت أن تشاركه فرحها لما في ذلك من ثقةٍ تجاهه. 

وأكمل قائلًا “ولكن أخبرني. هل تلقّيتم أيّ علاجٍ؟”

  • “والله يا دكتور ذهبنا إلى الخيار الثالث” أجابه ضاحكاً
  • يعني؟
  • يعني توكلنا على الله وقرعنا بابه وفتح لنا.
  • –       “أحسنتم الخيار يا صديقي، أحسنتم الخيار!” كرّرها قبل أن يقفل الخط ويعود فرحًا إلى متابعة يومه الذي صار أجمل وقد علت الإبتسامة وجهه.

وكيف لا يكون فرحاً وسعيداً، فالهديّة دائمًا أجمل عندما يتلقّاها صباح يوم العيد.


صفحة الكاتب في حانة الشعراء

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s