صمت الجدران

صمت الجدران

د. هشام منصور

اللوحة: الفنان المغربي عبد الله الحريري

حيطان العيادة الثلاث بيضاء حتّى حدود الضّجر، لا لوحة تزيّنها ولا نسخ عن شهادات مؤطّرةٍ تحكي قصص مسيرته الجامعيّة التي استمرّت زهاء عقدٍ ونصف من الزّمن، كان قد فرض الصّمت على الجدران المحيطة به منذ عمر المراهقة يوم اعتنق وإن مبكرًا فنّ الإصغاء، لم يكن في عيادته غرفةٌ للألعاب ولا مساحة للتّسلية شأن عيادات أطباء الأطفال. 

المرضى الذين يزورونه بسبب التهاب عابرٍ أو لتلقّي حقنة لقاح لا يتخطّى عددهم أصابع اليد الواحدة. أمّا الغالبية السّاحقة المتبقيّة من الأطفال، فهو لم يكن يريد إضافة ما يشتت أفكارهم خلال النّصف ساعةٍ التي سوف يقضونها في عيادته، لما في ذلك من تضييع لبوصلة التّشخيص.

سرّح نظره من الشّبّاك بعيدًا نحو الأفق خلف المرفأ، محاولًا أن يملأ ذهنه من خليط متناقضات شاطئ بيروت في محاولةٍ يائسةٍ منه لإسكات صوت الضّجر المتصاعد من فراغ الغرفة. مريضه الأوّل لن يصل قبل عشرة دقائق. 

عشرة دقائق هي وقت طويل بالنسبة لشخص قلّما وصل عيادته على الوقت. فازدحام ساعات النهار بين مرضى المستشفى والإجتماعات العلميّة ومواعيد العيادة كان قد ولّد نمط إرهاقٍ يوميّ أصبح من الروتين المألوف لديه.

عدم انعقاد الاجتماع هذا الصّباح كان قد أضاف إلى نهاره ساعةً مجّانيّة من الراحة، قلّما يحظى بها خلال ساعات شروق الشمس.

 تصفّح معظم صفحات الأخبار خلال صعوده المنحدر نحو العيادة، لم يبق له سوى مطالعة بعض من صفحات التواصل الاجتماعي بحثا عن خبر مسلّ هنا أو حكمة ملصقة على صورة شخصية معروفة هناك. طالعته صورة ذلك الوجه الذي كان محاه من ذاكرته من زمن طويل.

عادت الذاكرة بلحظات إلى الماضي البعيد، إلى ذلك الزّمن الذي كان فيه اكتشاف الحياة يسير بوتيرة الدقائق اليوميّة. كان التلامذة جالسون بهدوء ووجلٍ بانتظار دخول المدير الرًّئيس القادم لتوزيع العلامات النهائية لهذا الشهر، قلّما كان المدير الرّئيس يزورهم لتوزيع العلامات وكان لقدومه مهابةٌ استثنائيّة. كان النّظام الصّارم من البديهيَّات التَّربويِّة حينها.

كان ذلك شهرًّا لا يشبه سابقيه من حيث الأحداث المتراكمة فيه. يومها كان الإنجاز الدّراسيّ هو التّحدّي الأكبر للتّلامذة، أو له على الأقلّ، كان ينتظر بقلق ورقة التّقييم، العلامة. كانت المبارزة غير المعلنة على أشدّها بين تلامذة الفئة الأولى، كلّ يسعى جاهدًا ليحصد المجموع الأعلى من العلامات. 

هذا الشهر كان على ثقةٍ تامّة من إنجازه، في مسابقة الفيزياء كان الوحيد الذي نال العلامة كاملةً إضافةً إلى اضطرار الأستاذ لإلغاء سؤالٍ كاملٍ لم يجب عليه أحدٌ بشكلٍ صحيح سواه، لا ينكر أنَّه أحسَّ يومها بالظّلم، فهو كان أتمّ ما عليه، ولكنَّه لم يقلق إذ أنّ كلّ علامات سائر الموادّ العلميّة نالها كاملةً وأمَّا المواد الأدبيَّة فهي كانت من نقاط قوّته المحسومة.

دخل المدير الرّئيس بخطواتٍ هادئةٍ ووزّع نظراته القاسية على الجالسين، كان لا بدّ له من إلقاء تلك العظة قبل البدء بتوزيع العلامات. طالت تلك العظة وهو يستحثّ الدّقائق الفاصلة بينه وبين إعلان اسمه وعلامته، تلك العظة لم تكن له، كانت موجّهةً لسواه، لم يكن يعلم لماذا عليه الإستماع إلى تفاصيلها.

“ثمانية عشرة فاصل سبعة من أصل عشرين”، قالها المدير وهو يناديه باسمه في مستهلّ أسماء الطّلاب، وأكمل وهو يناوله دفتر العلامات “من أين أتيت بهذه العلامة العالية في هذا الشّهر الصّعب”

كان ذلك مجرّد تعليق، دون نغمة مذمّة أو إطراء، وهو لم يكن ينتظر منه جوابًا على هذا الاستغراب، ولم يُتبِعُه بأي تعليق آخر.

كانت المجموع التّالي بعيدًا جدًّا عن علامته، “لماذا علامتك منخفضةٌ” سأل التلميذ الذي يليه بحدّة، وأكمل وهو يشير بإصبعه إليه “و من أين فرّخ لنا هذا؟”

نظر إلى المدير مشدوها من هذا التّعليق… “من أين فرّخ لنا هذا؟”… ونظر ثانيةً إلى دفتر علاماته، نعم علامته هي العلامة الأعلى كما أعلنها المدير… أراد أن يجيب ولكنّ قواعد الآداب أبت عليه ذلك.

 أنصت ثانيةً وهو يراقب تتالي توزيع العلامات، لبرهةٍ أحسَّ أنَّ ما يسمعه ليس بباطن الكلمات وجوهرها. أغمض عينيه لبرهةٍ وأنصت من جديد. 

كان الكلام يتواصل منبعثًا من الأشخاص والجدران حوله، أنصت جيّدا وللمرّة الأولى بدأت الأصوات تخبو وتختلط بغمام من النّغمات الرّماديّة. ومن بين تلك الهمهمات سمع يومها صوتًا جديدًا من خلف جبّة العجوز الواقف أمامه ومن خلف الجدران المحيطة به ونظر إلى دفتر العلامات ثانيةً. سمع الصّمت للمرّة الأولى في حياته ورأى ذلك الدّفتر مع تلك العلامات التي لم تغيّرها لا الأصوات ولا الضّجيج ولا الضّوضاء.

كان قد مضى الكثير على تلك الحادثة، ودهش لوجودها في ذاكرته بكلَّ هذه التّفاصيل.

نظر ثانية إلى هاتفه وصورة المدير الذي استوقفته للحظات على صفحة قدامى المدرسة. كانت تلك الصّفحة تحمل خبرًا حزينًا على عادة اخبار تلك الأيّام. ضغط على خانة التّعليقات وكتب RIP وهمّ بإرسالها والانتقال إلى صفحة أخرى.

عادت صورة تلك اللّحظة من الماضي وجثمت أمامه برهةً ثانيةً. بقدر قساوة تلك اللّحظة حينها مع ما رافقها من سحابٍ داكنٍ بعثرته الأيّام، إلّا أنّه أدرك أنّه في تلك اللّحظة خطى خطوته الأولى داخل معبد الصّمت، يومها تعلّم كيف يفرض الصّمت على ضوضاء الجدران المحيطة به ليسمع الصّوت الخافت الصّادق المتصاعد من هناك من خلف هيكل الحقيقة، من عمق مذبح الحياة. 

حرّك إبهامه بسرعةٍ ماسحًا ما كان كتبه للتّوّ، فتلك ليست تقاليد الشّرق التي تليق بمهابة تلك اللّحظات، وضغط على لوحة المفاتيح الإفتراضيّة على الشّاشة كاتبًا “المسيح قام، حقًّا قام، الله يرحمه” وضغط على زرِّ الإرسال. 

نظر ثانية إلى جدران العيادة ليتاكّد من أنّها لا زالت صامتةً ولا يعلوها شكلٌ من أشكال الكلام. أنصت إلى الصّمت براحةٍ وسلام هنيهات إلى أن عكّره صوت رنين الهاتف فوق سطح المكتب “وصل مريضك الأوّل يا دكتور وسأقوم بإدخاله على الفور…”

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s