يوميات هناء في نيويورك.. (ميراث الوالدين)

يوميات هناء في نيويورك.. (ميراث الوالدين)

هناء غمراوي

اللوحة: الفنان الأمريكي جيرمي مان

هذا اليوم لا يشبه أيّا من أيامي السابقة التي قضيتها في نيويورك؛ فقد رافقت ابنتي منذ الصباح الى المستشفى لإجراء تنظير للمعدة في مستشفى (ماونت سيناي) الذي يبعد أقل من ثلاث كيلومترات عن سكننا. ركنا السيارة في مكان قريب لثلاث ساعات فقط على أمل أن تكون العملية قد انجزت خلال هذه المدة. ولكن حساب الحقل جاء مخالفاً لحساب البيدر.

فقد خرجت ندوة من غرفة المعاينة، وبعد ارتدائها الملابس المعقمة، استعداداً لإجراء التنظير أخبرتني أن هناك حالة طارئة في المستشفى تستدعي تأخير دخولها حوالي أربع ساعات على الأقل، بالإضافة إلى ساعتين لإنهاء العملية لتكون جاهزة للخروج من المستشفى، وبناءً عليه يتوجب عليّ تحريك السيارة المركونة، والعودة الى البيت…

غادرت المستشفى وتوجهت نحو السيارة. 

كانت تلك المرة الأولى التي أقود بها السيارة بمفردي في شوارع المدينة، بالرغم من حصولي على رخصة القيادة لأكثر من شهرين مضت. صحيح انني كنت أقود السيارة وباستمرار الى مركز التسوق القريب من سكننا، ولكن الفرق أن الموضوع كان يتم بمنتهى البساطة فمركز التسوق قريب جداً وأمامه ساحة كبيرة تمكنني من ركن السيارة دون أي عناء. دخلت السيارة أدرت المفتاح وانطلقت، وشريط طويل من الذكريات ينساب في مخيلتي؛ انا القادمة من الشرق، ولم تتجاوز مدة إقامتي هنا في هذه المدينة العشرة أشهر أقود السيارة بنفسي! فعندما كنت أرافق ابنتي كنت أراها تعتمد على خريطة المدينة الموجودة في هاتفها على غوغل، أو على الدليل الإلكتروني GPS خلال التجول، شأن أغلب السائقين هنا. أما أنا فيتوجب علي الاعتماد على ذاكرتي في حفظ أرقام الشوارع التي يتوجب عليّ اجتيازها في طريق عودتي إلى البيت. شوارع المدينة كلها تحمل أرقاماً متسلسلة طولاً وعرضاً. يختفي أحد الأرقام أحياناً ليحل محله اسم لشارع معروف كشارع DITMARS الذي يقطع استوريا طوليا ويمتد من أقصى جنوبها، وينتهي عند ضفاف الأطلسي في المنطقة التي تسمى عرفاً؛ East River النهر الشرقي، والذي هو بطبيعة الحال قسم من المحيط يتمدد داخل اليابسة ويفصل كوينز عن باقي أقسام المدينة؛ برونكس، مانهاتن، وبروكلين …

وهذا ما استدعى بناء عدة جسور عملاقة تسمح لهذه المناطق من نيويورك الاتصال ببعضها براً. ومن الشوارع التي تحمل اسماً وليس رقماً ايضاً؛ شارع Steinway أو شارع العرب كما يحلو للبعض أن يسميه لوجود عدد كبير من المحال التجارية، التي يملكها أشخاص من كافة الجاليات العربية الموجودة في المدينة…أدرت المفتاح وأنا أحاول طرد بعض الأفكار من رأسي والتركيز في أرقام الشوارع التي سأجتازها في طريق العودة دون أن أعرض نفسي للخطر، أو للمساءلة القانونية في حال دخلت بطريق الخطأ أحد الشوارع. ولم أترك الزهو بنفسي يصيبني وأنا اتذكر الصديقة الأميركية “غاي” جارة أخي في أوكلاهوما، التي حذرتني من القيادة هنا في نيويورك قائلة؛ “أنا أقود سيارتي في كافة الولايات الأميركية ما عدا نيويورك، استحالة أن أقود هناك، لأن بعض السائقين مجانين، وانا لا أحب أن أعرض نفسي للخطر”.

خرجت من شارع (Crescent) وكان علي أن أنعطف يساراً لأخذ الطريق الصحيح، ولكن هذا الشارع كان مقفلاً بسبب أعمال الصيانة، وعليّ أن أبحث عن شارع آخر يوصلني الى الشارع رقم 35 دون أن ارتكب مخالفة سير. بالرغم من تركيزي الشديد في الطريق لم أستطع الهروب من الأفكار التي كانت تغزو دماغي، وسرحت في حوارات مع ابنتي كانت تصل أحياناً حد المشادات الكلامية، وأحياناً الغضب. فهي تريدني أن أحصل على رخصة القيادة، وإتقان اللغة، والانخراط في هذا المجتمع الجديد، الذي وجدت نفسي فيه فجأة، مقيمة لا زائرة.!

أمام إلحاح ابنتي وعنادها رضخت للأمر الواقع، وخضعت لامتحان القيادة واجتزته بنجاح. وما الذي يعيقني عن ذلك، وقد أمضيت حوالي ثلاثين سنة من عمري وأنا أقود سيارتي الخاصة في بلدي؟! وهنا سرحت في خيالي وتوغلت أكثر في الماضي البعيد، وتذكرت كيف انني تعلمت قيادة السيارة بنفسي دون مساعدة أحد، ودون مساعدة أي مكتب لتعليم قيادة السيارات. فقد كانت الحرب الأهلية مشتعلة آنذاك وليس من وقت ولا مال لتحقيق هذا الأمر. كان حافزي هو حاجتي الى ذلك، وتحفيز وتشجيع من زوجي الذي لا يكلّ ولا يملّ. ارتسمت ابتسامة صغيرة على شفتي وزفرة مرفقة بعبارة “الرحمة لروحك يا أبا همام في الذكرى السادسة عشرة لوفاتك، كنت صلباً منيعا، وعنيداً لا تلين لك قناة، ولا تفتر لك همة في سبيل تحقيق ما تصبو اليه، وما تجده حقاً وواجباً”. وهذا الإصرار وهذا العناد ساعداني لأكون ما أنا عليه اليوم. (فرغم ارتباطي به قانونياً، وأنا في سن الرابعة عشرة مع وقف التنفيذ لمدة سنتين فقط لأتمكن من نيل الشهادة الإعدادية والانتقال بعد شهر واحد فقط من نيلها إلى بيت الزوجية)؛ كل ذلك لم يحل دون نيلي شهادة الثانوية العامة، ومن ثم دخول الجامعة اللبنانية ودراسة الحقوق، ودخول معهد إعداد المعلمين في نفس الفترة لأصبح بعد سبع سنوات فقط، مدرّسة للغة الفرنسية، ومن ثم ترقيت في عملي الى ناظرة ومديرة.…

طبيعي أن يرث الأبناء طباع الوالدين. وانا أجد أن ندوة تشبه والدها، وقد ورثت عنه الكثير من الصلابة والإصرار في تحقيق أهدافها.

انقطع حبل أفكاري وأنا أدوس على المكابح لإيقاف السيارة أمام البيت. 

شكراً ندوة على إصرارك عليّ للحصول على رخصة القيادة في نيويورك، ورحم الله والدك الذي أورثك هذا العناد.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s