حيث ترسو الرياح

حيث ترسو الرياح

د. هشام منصور

اللوحة: الفنان الأمريكي جورج بيتر ألكسندر هيلي 

صوت الزجاج يجرّح صمت الإسفلت الأسود إذ تلاعبه المكانس عند أقدام المباني التّراثية في أحياء الأشرفية الحزينة. إنّها بيروت بعد الانفجار.

طلعة العكّاوي شبه خالية من السّيّارات. لم يجرؤ على ركن سيارته في مرآب المستشفى تحت الأرض. كانت جدران المبنى لا زالت قائمة مكانها.  أمّا كلّ ما فيها من معدن وبلاستيك و زجاج فقد أصابه من التّهشيم والتَّدمير ما لم يُبْقِ منه أثرًا يشبه شكلًا هندسيًّا معروفًا.

صوت المكانس مزيلةً الزّجاج عن الإسفلت لازال مستمرًّا.. الجميع يقومون بتنظيف آثار جريمة العصر من أمام عتبات بيوتهم تحت سماءٍ نقيَّةٍ طهَّرتها أرواح شهداء لم يرتكبوا ذنباً سوى انهم كانوا على قيد الحياة.

مواجهًا للمرفأ المنكوب، يربض مبنى المستشفى المهيب على تلة تشرف على شاطئ بيروت. كان خلع عنه حلَّته الزَّجاجيَّة البهيَّة فصارت الريح تلعب في أروقته التي تمَّ إخلاؤها من المرضى ليلة الانفجار. سقط من المرضى من سقط ونجى منهم من نجى. وبقيت الجدران شامخة تحكي بطولات الطَّاقم الطِّبي والتَّمريضي تلكَ الليلة رغم كثرة شهدائه و ضحاياه ممن قضوا عند السَّادسة و ثماني دقائق من مساء ذلك الثلاثاء في الرابع من شهر آب وهم يقومون بواجب إنسانيَّ لا مبالغة لغويّة فيه.

منهم من بقي يسعف المرضى ويعمل تحت جنح الدّمار ومنهم من نقل المرضى إلى مستشفيات أخرى سيرًا على قدميه فأنقذ أرواحاً بريئة لم تأت ساعتها بعد. منهم من تلقّفت بطولاتهم شاشات الإعلام فحكت مسيرة الأميال التي ساروها خطوة خطوةً حاملين أطفالًا عرفوا للتّوّ شكل الحياة.. ضرب العدو ضربته وهرب تحت جنح الظلام وهرعت ملائكة النور لتعيد الأمل بالحياة.

هو لم يكن في عين العاصفة ولا وسط زوبعة الدمار كان الاهتزاز الذي شعر به يشبه وقع الانفجارات التي عهدها أيام الحرب. اهتزاز عنيفٌ خال وكأن فوّهات الأرض ستنفتح إثره لتلقي على البشر حممها. هي لحظة في الزّمن، كسر من كسور الثّانية التي شعر فيها وكأنّ كلّ جدران المنزل ستطبق على من فيه.

  • الله ينجينا

ما هي إلا ثوان ووقع انفجار ثان يفوق الأول قوّة بأضعاف. لم يخَف كثيرًا، لم تكن تلك المرّة الأولى التي يكون فيها على مقربة من انفجار.  كان ذلك بالأمر المحزن، أن يعي حجم الأحدث التي شهدها على مدى حياته القصيرة. لا يجوز لإنسان في عصرنا هذا أن يمرّ على مقربة من قنبلة أو انفجار.

هو لم يولد في بيئةٍ تؤمن بالحرب بل إنَّه تربى على أنّ الحرب خطيئة ولكن الخطيئة كانت تجوب شوارع الوطن وكان لديها الكثير من المرافقين.. سمع الصّوت وأحسّ بالانفجار ولكنّ مشاهد الدّمار كان تعكس بعضًا من هول العاصفة التّي انقضّت على غفلةٍ على كلّ من كان في محيط مسرح الجريمة. المباني المتصدّعة والطرقات المتشقّقة والآليات المحروقة، كانت هناك تبكي وتشهد.

كانت تلك ساعة مهيبة من تلك السّاعات التي يخجل فيها الانسان من شكر الله على نجاته بل يكون حَريًّا به أن يصمت متأمِّلًا في حكمة الذَّات الإلهيّة أمام مأساة إخوته، نظر ثانيةً إلى مبنى المستشفى وقد عادت تدبّ فيه الحياة. كل شخص في ذلك المبنى كان لديه قصة بطولة إنسانيَّة يرويها له عن تلك الليلة الظَّلماء.

جميعم نظروا شيطان الموت وحدّقوا في عينيه دون أن يرمشوا وانتصروا للحياة.

الأطبَّاء والممرّضون والمسعفون أكملوا عملهم في وسط الدّمار. عمليات جراحيّة إنقاذيّة تمَّت على ضوء الشموع وبصيص مصابيح الهواتف النَّقالة. لم يعد هناك من اكتراث للتَّباعد إبَّان انتشار الوباء. كانت تلك معركةٌ مع الحياة في لحظتها.

أصبحت بيروت منطقةً منكوبةً والجاني لازال طليقًا على وجه الأرض.

  •  “شو بدك تفوت تشوف يا دكتور؟ المبنى خطر ولا نعرف أين التَّصدُّعات!” قال له موظف الأمن وهو يحاول ثنيه عن الدخول.

هو كان على حقّ فالمستشفى كانت قد بدأت مباشرة أعمال التَّنظيف ولكن بشكل منظَّمٍ كي لا تحدث مفاجآت لا تُحمد عقباها.. حيّاه وأكمل سيره إلى عيادته في المبنى الملاصق للمستشفى.. مصعد المبنى محطَّمٌ. بابه المعدنيُّ التوى في نصفه تحت ضغط الانفجار. لم يكن من واجهة زجاجيّة سليمة هناك. صعد الأدراج على مهل إلى الطابق الثَّالث حيث يستأجر في عيادة مشتركة. كان باب العيادة مفتوحًا على مصراعيه لم يكن مفتوحًا بل “مشلّعًا” كما يقولون، والعيادة لم يبقَ منها سوى جدرانها الأربعة. فصارت سماء شرقها تلاقي سماء غربها فيظلّل النور بقايا أعمدة لا تسند السّقوف. الأوراق مبعثرة على الأرض والزُّجاج يغطّي بعضًا من الزَّوايا، كان ذلك وجه التَّشريد الجديد.. هناك من يريد تدمير الوطن.

رفع هاتفه ليأخذ صورة للعيادة المحطّمة ولكنّه لم يضغط على البقعة الحمراء وسط الشاشة. لا مكان لهذا المشهد على صفحات تاريخه اليوم.

وضع هاتفه في جيبه والتقط سمّعة الفحص السّريريّ الملقاة على الأرض وأعادها إلى مكانها في الخزانة المتهالكة. لا زال لديه هناك ما يلزمه ليعاود العمل، إنّه من جديد مستعدّ للانطلاق.. اقترب من حافّة الحائط حيث لم يعد هناك من جدار واقٍ ونظر إلى المرفأ المواجه للمبنى. المرفأ حزينٌ هناك ولكنّ السّماء صافيةٌ فوقه. لا غيوم سوداء في الأفق فوق بحر بيروت. كانت السّماء صافية بعد ان حلّق فيها الفينيق؛ فكلّ مئة عام يحلّق طائر الفينيق بعيدًا نحو الشمس، إلى أن تصل أجنحته إلى أوج اشتعالها، فتتناثر رمادًا فضّيًّا يعود على مهلٍ إلى سطح الأرض تحمله روح الفينيق في بوتقتها الخفيّة، ومن ذرات الرماد التي تلامس ثرى لبنان يعود الفينيق ليولد من جديد.. يومها حلّق الفينيق وعانق شمس المغيب. 

هي فسحةٌ من الزّمن ويحطّ رماد الفينيق على تراب لبنان الطّاهر للمرة الألف بعد الآلاف.

صوت الزجاج لا يجرّح صمت الإسفلت تحت المكانس، لم يعد الحيّ صامتًا، هناك امرأة في البناية المقابلة ترندح لحنًا جميلًا مع الأغنية المتصاعدة من الراديو قربها وهي تزيل آثار الدّمار ” في أمل… إيه فيه أمل”

فتح عينيه ونظر إلى ليل التاريخ، كانت الشمس تشرق من جديد.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s