غفلة

غفلة

حنان عبد القادر  

اللوحة: الفنان السوري نزار علي بدر

بطبيعتي أميل لمشاهدة الأفلام الأجنبية، ولا أفضل في العربية إلا الفن القديم، ورغم مقاطعتي الطويلة للتلفاز وبرامجه؛ لكثرة ما فيها من تهميش وتعتيم وتجهيل، وميل لبث العنف ومحو الفضائل خاصة فيما يقدم للأطفال، إلا أني أحن بعض الوقت لمشاهدة فيلم اجتماعي أو رومانسي أو خيال علمي هادف، فأصدم بكم الأفلام التي لا تدور إلا حول الجريمة وإراقة الدماء.

ذات مساء أسعدني الحظ بأحد الأفلام الاجتماعية الأجنبية بالطبع، استطاع أن يجذبني بما فيه من بساطة وتلقائية في الأداء، وإبراز للمشاعر الإنسانية الراقية، لكنه غادرني تاركا صوتها وعينيها الباكيتين تحتلان روحي.

أرملة تربي طفلها، تكد لتعلمه وتساعده في ممارسة هوايته المفضلة “السباحة” حتى رشح للبطولة، ولأنهما وحيدان، والحياة لا تستقيم إلا بالتعاون، فقد قسما العمل في المنزل بينهما، كل يلتزم بما كلف به دونما إهمال.

 صبيحة يوم البطولة اضطرت للخروج بولدها في عجلة لتأخرهما بعض الوقت عن الموعد، وكان لزاما عليه أن يخرج سلة القمامة للخارج لكنه ما استطاع، طوال الطريق كانت تذكره أنه عند عودته لابد أن يخرج تلك السلة، وهو يؤكد لها أنه لن ينسى.

في خضم السباق  اختفى الولد تحت الماء، ولم يستطع المنقذ إخراجه في الوقت المناسب فقضى نحبه.

حبست الأم كآبتها، وما كان أكثر ألمها إلا أنها طوال الطريق لم تشجعه بكلمة، ولم تقل له كم هي فخورة به، ولم تتفوه بكلمة حب واحدة.

في خضم بكائها رأيت نفسي، تذكرت كل عزيز لم أمنحه من روحي ما يستحق، وكل تافه تركته يقتات على مشاعري، فبكيت بحرقة معها.

كم من شخص فقدناه فجأة ثم ملأتنا المرارة لأننا شغلنا عن قضاء وقت كاف معه بسبب سعينا لتحقيق ما يرضينا وليس ما يسعدنا!

كم من أبنائنا ضاعوا منا بسبب انشغالنا عنهم بطلب لقمة العيش أو تحقيق النجاح في العمل!!

كم من مرة أدينا لأطفالنا أعمالهم بروتينية وضيق، في حين أننا لو فقدنا أحدهم ظللنا نندم على أننا لم نؤدها معه وملؤنا شعور بالحب والبهجة والمتعة لأنها لحظات لن تتكرر أبدا، وكم شغلنا عنهم بأشياء وأعمال أقل أهمية من وجودهم في حياتنا راضين بالراحة المؤقتة التي نحصلها ومتناسين السعادة الحقيقية أين تكمن!.

إنها الغفلة التي تجعلنا لا ننتبه لكثير من الأمور المهمة في حياتنا.

ماذا لو انطلقنا من الآن خلف حقيقة مشاعرنا، وغمرنا من نحب بكلمات قدر ما تسعدهم بالتأكيد ستبهجنا؟!

ماذا لو آمنا في داخلنا أنه بقدر حاجتنا للكلمة الطيبة فإن الآخرين أيضا يحتاجونها منا؟!

ألم يعلمنا ديننا أن الكلمة الطيبة صدقة؟!

ماذا لو تصدقنا بها على كل من يستحقها منا؟! 

بالتأكيد ستزهر أيامنا فرحا، وتخيم عليها سعادة الرضا.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s