المهووس

المهووس

د. بلقيس بابو  

اللوحة: الفنان السوري عادل داوود كردي

جلسْتُ أمامه بوقارٍ وثقة وابتسامة طفيفة شبه مفتعلة تحسبا لأية ردَّة فعل من طرفه، لم أتعود التعامل مع أناس في وضع يوسف، لكني مجبرة على التحاور معه وتحرير تقارير مفصلة عنه وعن اثنين آخرين من النزلاء مع تحليل للحالات ومناقشتها.

تعوَّد يوسف أن يجلس على تلك الطاولة المنزوية في ركن الغرفة وعيناه لا تكادان تزيحان عن النافذة الصغيرة القريبة من السقف، يتناول طبقا من أحد الأطعمة البسيطة المقدمة له، تشعر وأنت تنظر إليه أنه لا يعرف لها طعما من عمق شروده.

كيف حالك يوسف، هل أنت بخير؟ 

رفع رأسه ببطء شديد، وتذمُّر خفِّي كأن لسان حاله يقول لم تزعجني هاته السيدة؟ زدت من جرعة الابتسامة للتخفيف من حدة توتره:

– أنت أيضا جئت تسألين عن زينب؟ 

فرحت بسؤاله فقد كان كمن فتح لي بوابة كبيرة على مصراعيها، وسهل لي الولوج لعوالم خفية أتحسس تفاصيلها خطوة خطوة..

– نعم جئت أسأل عنها، هلا حكيت لي ماذا وقع؟

نظر إلى النافذة الصغيرة من جديد قائلا: كنت بعد عملي أرتاد مطعما وسط المدينة نتناول وجباتٍ يناسب ثمنها معظم المرتادين ذاك المكان، أغلبهم قادمون من مناطق بعيدة للاشتغال في معامل بتلك المدينة الكبيرة، والكثير منهم يسكنون عادة حجرة واحدة تلاثى أو رباع يتقاسمون أجرتها. كنت أذهب هناك كل مساء، أنادي زينب، ما إن تهز رأسها حتى أومئ لها قائلا : كالعادة..

كانت زينب نادلة بالمطعم، قدِمت هي الأخرى من مدينة في أقصى الجنوب، فرضت عليها ظروف الحاجة والفقر الذي تعانيه بلدتها بسبب الجفاف، أن تخرج في رحلة طويلة للبحث عن مصدر رزق قادها إلى تلك المدينة في أقصى الشمال، زينب بنت عشرينية سمراء البشرة تدل ملامحها الرزينة على تربيتها المحافظة، نادرا ما تبتسم، تلَبِّي طلبات الزبائن دون الكثير من الكلام، أجوبتها مقتضبة جدا، مازلت لا تفارق مسامعها وصية والدتها بأن تحافظ على نفسها وتحصنها من مطامع الكثيرين.

سكت يوسف قليلا فلم أُرِدْ أن أقطع عليه شروده ثم استرسلَ يخبرني أنه قد مرَّت شهور كثيرة والحال كما هو عليه، فالأيّام متشابهة، والإمكانية المادّية لسكان هذا الحي وكذا لزبائن المطعم لا تسمح لهم بالتغيير من عادتهم ولا من أشكالهم ولا حتى نوع أطباقهم.

تعودت زينب على رؤية يوسف وصارت تعرف ما يريده بإشارة منه، حتى أنه الوحيد من بين كل الزبائن الذي صارت تبادله بعض الكلمات حتى أنها تبتسم له على غير عادتها كلما وطأت قدماه المكان. مرّت أيام وصارت تنتظر مجيئه وهو يبحث عنها بناظريه قبل الجلوس إلى طاولته المعهودة.

اقترح عليها أن يلتقيا خارج المكان، لم تعارض، فكلاهما يحتاج إلى من يشاركه همومه وانشغالاته، طالما هما الاثنين يعيشان بعيدين عن ذويهم ولا يستطيعان السفر إليهم إلا مرة واحدة في السنة، ويكتفيان بإرسال المال إليهم عبر البريد بقية العام.. الحياة قاسية جدا ولا تفرق في قسوتها بين رجل وامرأة ولا كبير أو صغير في السن.

التقيا المرّة تلو الأخرى، وفي كل مرة كانت الأحاديث لا تنضب، والحكايات لا تنتهي والذكريات الطفولية تسبب موجات من الضحك وحالات من الفرح والسعادة.

صارا حبيبين لا يفترقان الا من أجل العمل والنوم ليلا بعد أن يرافقها إلى حيث تقطن متقاسمة حجرة صغيرة مع إحدى بنات قريتها.

استرسل وقد بدت ملامحه تتحول إلى كآبة واضحة؛ في أحد الليالي لم تكن زينب هناك، جاء نادل آخر ليأخذ طلبه، تردد يوسف قبل أن يسأله عنها، لم يكن يعرف شيئا.

تناول طبقه بسرعة حتى إنه لم يكمله وتوجه مسرعا إلى بيت زينب علّه يرمقها أو يستطيع معرفة أي شيءٍ عنها؛ لم يُفتح باب الدار ولم يخرج أحد منها ليلتها. بدأت الأفكار السوداوية تجوب رأس يوسف، ربما تركته زينب بسبب رجل آخر، ألا يمكن أن يكون تجار الهجرة السرية قد غرروا بها لتعبر للضفة الاخرى، لكنها لم تبد قط رغبتها بذلك، عسى ألا يكون قد أصابها مكروه، أو لربما اختطفها أحدهم واستدرجها الى الغابة المجاورة للمدينة. أوشك أن يجن لهذا الاختفاء المفاجئ وقرر ألا يدخر جهدا للبحث عنها، يذهب إلى حيث كانا يلتقيان قرب الشاطئ، يجوب الشوارع والطرقات حتى ساعات متأخرة من الليل، يسأل هذا وذاك حتى إنه يكاد يكلم الجدران والأبواب

ذات ليلة مقمرة وهو يبحث كعادته عن زينب حيث الطرقات خالية إلا من بعض مرتادي الحانات وقطعان الكلاب الضالة، رمق يوسف حبيبته يتأبطها رجلان يترنحان يمينا وشمالا، ضاقت أنفاسه وهو يركض مسرعا للحاق بهم وأخذها منهما إلا أنهم اختفوا وسط الأزقة الضيقة بسرعة الطيف، رآهم مرّة على الشاطئ وظن أنه يباغتهم ويأخذ منهم الفتاة إلا أن أمانيه ما فتئت تتبدد بعد أن اختفى أثرهم، والناس حوله ينظرون إليه بغرابة واستنكار لم يفهم ماهيته. أصيب بخيبة جديدة بطعم مرارة الفقد إلا أنه اطمأن قائلا لنفسه:إنها حية ترزق.

في اليوم الموالي وهو في طريقه إلى العمل رأى الرجلان ذاتهما وسط الطريق وهما يعتديان على زينب ويُعنَّفانها، أصابته نوبة من الجنون، وفورة من الغضب العارم، اتجه نحوالرجلان وصار يتعارك معهما..

صمت يوسف وتوقف عن الحكي وانتابني فضول أكبر من مجرد إنشاء ملف طبِّي فقلت له مستجدية :

– أرجوك أكمل يا يوسف؟ ماذا حدث بعد ذلك؟ نظر إليَّ بعينين مثقلتين والدموع تقف على مشارف الجفون قال ويداه ترتعشان

 – لا أذكر جيدا، لم استعد وعيي حتى وجدت نفسي هنا أرتدي لباسا أبيض غريبا وذراعي مشدودتين إلى الوراء بأكمام طويلة، كنت أشعر بصداع شديد.

و ماذا عن زينب؟ 

– تأتي لزيارتي كل ليلة بعد أن ينام الجميع.

كيف لها ان تأتي ليلا، زيارة المرضى تنتهي عند حدود السادسة مساء وهذا قسم الرجال؟ 

لا أدري، لا أدري لقد أتعبتني أسئلتك الكثيرة.. قال غاضبا..

ما كدت أقوم من الكرسي حتى حضر الممرض المسؤول عن القسم يحمل حقنة مهدئ وأشار إلي بالانصراف السريع لأن يوسف قد يتعرض لنوبة جديدة الآن.

انصرفت ساعتها.

أعددت تقريرا شاملا، وضعت عدة احتمالات تشخيصية لتكون فرضية الانفصام التشخيص الأرجح لحالة يوسف، حظيَ تقريري بتشجيع الأساتذة، إلا أن فترة التدريب التي قضيتها في قسم الأمراض النفسية والعصبية، كانت غريبة وكان الكثير من الأسئلة حول الذات الانسانية تروج في رأسي، منها ما لم أجرؤ أبدا طرحه، هل فعلا ما يعانيه مرضى الانفصام من تهيؤات سمعية وبصرية مجرد هلوسة وتهيؤات، أم أنهم أشخاص ذوو قدرات خاصة وأننا نحن “العاديون” لا نستطيع رؤية ما يرون ولا سماع ما يسمعون مما يجعلهم في صراع دائم مع أنفسهم ومحيطهم؟

أسئلة تبادرني كل مرة أصادف في مسيرتي المهنية مريضا نفسيا، وأشعر أن ألمه يفوق الآلام العضوية حيث إنه لا يستطيع الشكوى منها حتى!

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s