النرجسية

النرجسية

فردوس عبد الرحمن 

اللوحة: الفنان الفرنسي جان ميتسينجر

النرجسية: هي أول وعي بالجمال كما يقول (باشلار). فالنرجسي حين ينظر في الماء الرقراق الصافي، يرى صورة وجهه، ويرى ـ أيضًا ـ صورة السماء بزهائها مع صور الأشجار الحانية على جانبيه. النرجسية تمنح سحراً كونياً فكما أرى نفسي من خلال تلك العين التي وضعها الله في رأسي. أرى الأرض ـ نفسها ـ من خلال عين الماء التي نبعت منها، فينطبع الكون على صفحتها ويتحول العالم إلى (نرجس ) شاسع مستغرق في التفكير بذاته، ببهائه وجماله واكتماله. ولأن الأرض لها مئة عين، بل آلاف الأعين، بل ملايين، تستطيع أن ترى نفسها أكثر مما أستطيع أن أرى نفسي. وبالمقارنة تكون نرجسية الإنسان هشة،  فالنرجسي يخاف أن ينفخ في الماء حتى لا تهتز صورته وصورة الكون من حوله.

هل كنت نرجسية إلى هذا الحد؟ حتى أنني عند هبوب أول ريح تهتز صورتي، بل وتنمحي، ومن ثَمَّ تهتز معها صورة العالم؟

فهذه أنا عند سقوط أول قناعة عن الحب والقيم النبيلة التي عشت بها، أفقد وجهي، ملامحي، وأرى الأشجار كائنات موحشة، والأشخاص أشباحًا صلفة، مقطوعة الرؤوس.

إلى هذا الحد أصبح العالم مخيفًا بالنسبة لي، وإلى هذا الحد اغتربت عن نفسي وما عدت أعرفها.

ظللت أبحث عن مرآة أخرى، عن عين ماء آخر، في كل مكان أحل به وفي كل شخص أقابله. ولأن الحياة لا تهدأ.. يهب الهواء باستمرار، ويرج الماء الذي أرى فيه وجهي، وأرى العالم فيضيع وجهي مرة أخرى ويضيع العالم. لذلك، مرَّ وقت طويل حتى عبرت بركًا ومستنقعات ومررت على ينابيع كثيرة، إلى أن أذعنت للامِّحاء ثم التجدد، أذعنت لحالة التغيير المستمر، حتى فقدت التشبث بفكرة ما، بمكان ، بشخص،بل و بذاتي التي أعيها.

في خضم ثورة الخامس والعشرين من يناير، في تلك المياه الهادرة التي جرفت التاريخ ورمتنا على شواطئ لا نعرفها، في ذروة التغيير هذه. قابلت رجلًا لم أعرف منه سوى صورته على سطح المياه الراكد قبل الثورة. أدركت ساعتها أنني لا أعرفه، وعليَّ الإمساك بلحمه وعظامه حتى أتأكد من وجوده.  أنا عن نفسي كنت قد فقدت صورتي في الثورة التي مارت بداخلي قبل ثورة 25 يناير مباشرة. لذلك وقفت أمامه وسرت بجانبه وأنا بلا وجه أو ملامح. راهنت ساعتها على اللحم والعظام، على الوجود الحقيقي لا على الصورة، على يدينا اللتين أمسكتا ببعضهما وأقدامنا التي تجري من محطة جمال عبد الناصر إلى جريدة الجمهورية للاختباء بها من القنابل المسيلة للدموع.. أجري معه بلا وجه ولا ملامح ومع ذلك كان يعرفني، يراني..حتى عندما انفلتت يدانا وسط التدافع والذعر، ودخلت أنا في بناية قديمة لأغسل وجهي بالماء والخل.عرف أين أنا، رآني وهو مغمض العينين من أثر الغاز ووجدته يمسك بكتفي ويشدني من ذراعي لأكمل معه المشوار.

كيف رآني هذا الرجل وأنا بلا وجه، بلا صورة؟ وكيف رأيته أنا وائتنست به.. بعد كل هذا الادراك بأن الصور زائلة وصورته هذه التي ارتسمت في رأسي سوف تتنحَّى بعيداً وسط هذه الريح التي تجرف كل شيء؟ هذا ما أبحث عنه الآن!!.

قلت قبل ذلك إنني عندما تركت ” صاحب الشرط ” لألد نفسي من جديد، ولدت كائنًا عظميًا مرتعدًا، وأخذ اللحم ينتشر على هذه العظام بألم شديد، عندما قابلت هذا الرجل كانت الطبقة اللحمية رقيقة جداً. لقد رآها طازجة ووردية فأشفق واقترب، رأى رعبي فلم يجفل، رأى جثتي القديمة الزرقاء تطاردني فلم يخف. تحت الطبقة الرقيقة والوردية من اللحم تستطيع أن ترى العروق وهي تنبض بالخوف دون أن تخاف إن كنت غير مرتعب من الحياة مثل هذا الرجل. رأيته يمتلئ بها، بالحياة وأنا التي بحثت عنها كثيرا،ً فانجذبت إليه، ورآني أحتاج إلى غطاء كي ينضج اللحم ويربي جلدًا يحميه وعرف أنه ذلك الغطاء فانجذب إليّ.

نحن نرى الآخر ـ حقيقة ـ دون أعين، ودون فساد الصور المرسومة له في أذهاننا. نراه فقط من خلال اللحم والدم والعظام التي تحتاج بعضها بعضاً.. لذلك عندما ذكرته في قصيدة لي، قلت:

“رجل من لحم ودم رأيته فعلاً فرافقني وهمست في أذنه..هل أنا امرأة جوفاء”. 

لقد اكتفيت بهذا السطر في وصفه، حيث أدركت أنني عندما لم أرسم له صورة، ولم أعرف منه سوى اللحم والدم والعظام، أدركت أنني رأيته. كائنًا طينيًا أرضيًا كما ينبغي أن أكون، فوثقت به وسألته عن سرِّي الأول “هل أنا امرأة جوفاء؟” فالكائنات الأرضية فقط هي من تعرف السر.. سر الأرض، البشر، الحياة.

هل تخلصت من نرجسيتي؟ هل فقد العالم نرجسيته بلقاء هذا الرجل؟ أيظن العالم نفسه جميلًا الآن؟ وأظن نفسي جميلة أيضاً بعد كل هذا؟. أعتقد ذلك، فالرحلة الطويلة، نحتت ملامحي من جديد فأحببتها، ومع كل تغير أحبها أكثر. أصبحت لعيني مرونة الماء وسيولته وتجدده المستمر، كما هذا الرجل الذي من لحم ودم وأعرفه.

الإذعان للتغير هو سر الطمأنينة، سر الجمال والدهشة.

النرجسيون المثبتون على مرآة واحدة لا يندهشون، النرجسيون فاقدون لبراءة التجدد، الطزاجة، اللحم الوردي الرقيق، الحنو على نبتة جديدة، الرفق بغريب. النرجسيون شائخون، تلك المياه الراكدة التي يبصون فيها سوف تتعطن بعد قليل، وتهبهم روائحها.

يقول(باشلار): “نحن جاهزون دائمًا للتمتع بوظيفة الماء النرجسية” ولكن أن نكون فوق بشريين ـ كما يقول ـ  هو تحقيق لإنسانيتنا.

وأعتقد أن باشلار يقصد بفوق البشري: تجاوز احتياجات البشر الأولية، كحاجتنا للمرآة ـ مثلً ـ في أول سنتين من حياتنا كما يرى (لاكان). حيث يتعرف الطفل على هويته من خلال المرآة. 

إذن: فالاحتياج لأن نرى أنفسنا، هو احتياج أولي، ولكن بما أننا طينيون أرضيون، فيجب أن تكون أعيننا كتلك العين الأرضية التي ينتشر الكون على صفحتها. إذن نحن لا نبصر إلاَّ من خلال الأرض، ولكن هل معنى هذا أنني أكبل الخيال؟ 

كثير من المبدعيين والمثاليين ينزعجون من تلك الأفكار الأرضية التي تثقل أرواحهم وتفصلهم عن الخيال والحلم. وما الإبداع سوى ذلك الخيال وتلك الأجواء الحلمية؟

قال لي الطبيب بالنص: إمَّا أن تُشفَي من التعاسة والخوف، وإمَّا أن تبدعي. فاخترت الشفاء وتوقفت عن كتابة الشعر لمدة سنتين.

في إحدى حلقات برنامجي “على ضفاف الحياة” حكى لي دكتور خليل فاضل أستاذ الطب النفسي، عن مريض فنان عالجه من الإكتئاب، فكف المريض عن الإبداع، وبعد فترة ذهب إليه يصرخ: أعد لي اكتئابي! وكأن الإبداع مرتبط بالمرض النفسي والألم. هذا ما يظنه الكثيرون.”فليذهب إذن هذا الإبداع إلى الجحيم بدلًا من ذهابي أنا إليه” هكذا قلت لنفسي أثناء انقطاعي عن كتابة الشعر، ولكني فوجئت بعد انقضاء هذه المدة أنني أكتب من جديد ولكن بشكل مختلف تمامًا.

في ديواني الأول “هنا مقعد فقط” كنت أرى نفسي وحيدة، مهجورة، مرمية في الجحيم، منفصلة عن الحجر والشجر والماء، كنت أرى الشمس عدوة لي، والبشر جامدين ومصنوعين من مادة أخرى، العالم كله من مادة أخرى.

“قلبي ينقط على حجر البكاء

ولقد تعبت من احتكاك الروح بالحجر”

***

“الصفير الهائل الذي يبتلع أذنيك 

الوهج المقيت الممتد في محاجرك

الطبول المزعجة التي تمتص رأسك

ماذا تفعل الروح المسكينة بكل هذا الضجيج”

إلى هذا الحد. كان الألم وكان الجحيم إلى أن يئست تمامًا واستسلمت لهما.

“عليّ الآن أن أراقب تحطمي بنظرات باردة

عليّ أن أرش ارتجافاتي تحت قدميّ وأضّجع بهدوء

لأن السماء لن تفعل لي شيئاً

والأرض لن تنبت أرواحاً أتسلّى معه”ا

هكذا يتآزر الكون على نفيي ..إلى أن أدركت أنه من نفس المادة التي خُلِقت منها:

“وعرفت أن التراب لحم

                والماء لحم

                والأحجار لحم

                لحم حيّ رافقني على الطريق”

هذا كان أول ما كتبت بعد محاولاتي الالتحام بالأرض، بعد اعترافي بأمومتها ورحمها الذي خرجت منه.

أدركت أخيراً أن الإبداع ليس قرينًا بالتحليق وبجحيم الانفصال.

تستطيع أن تحلم وأنت على الأرض، تستطيع أن تمسك بسحر الخيال ـ هكذاـ وأنت طيني أرضي. الحلم أيضًا هو من نفس المادة الأرضية والخيال ليس فضاءً شاغرًا. 

وقوفنا هنا لا يحرمنا متعة الخيال ولا سحر الأحلام. أنا أكتب الشعر الآن بالخيال المادي، بالماء والتراب والنار. تلك العناصر الأرضية.

في خيالي الناري مثلاً: لا أستعير نار الشعراء أو نار العاشقين، لا أستعير الرمز الناري أو الهوائي أو المائي أو الترابي بل أوغل في تلك العناصر نفسها، لا أنقل حديثًا عن حديث، بل أذهب إلى العنصر نفسه وأستحضره. هذا هو الفرق بين خيال المحلقين المنفصلين والخيال الأرضي الأقرب لتلك العناصر بل الملامس لها.

..الخيال الأرضي هو إيقاظ الطبيعة لا الحديث عنها من بعيد، هو ملامسة الماء والهواء والتراب والنار لا استنساخ الصور المرسومة هناك في كتب الأدب، أو في الأساطير. أطمح لقصيدة حية.. تمشي مثلي على الأرض، وتستحم بالماء، وتُحرق بالنارن ويذروها الهواء أحيانًا.

الزلطة المرمية على الأرض أبلغ لديّ من الصور المرسومة لها في كتب الجيولوجيا، لم أعد أحب استعمال الرموز، الرموز ميتة، لهذا أحاول الامساك بالأشياء نفسها، بجيناتها الوراثية، بوجودها.

ليت الأدب أو الفن ـ عمومًا ـ يفرغ اللغة من دلالتها الرمزية، يقطعها عن تاريخها ويأخذها عارية طازجة حية مولودة للتو بين ذراعيه.

حلمت بها في ديواني الأول “هنا مقعد فقط” وإن كنت ساعتها لم أستطع الإمساك بها هكذا.

“الكلمات حافية لا ترتدي إلاّ عريها

عليّ فقط أن أجربها هكذا”

“التورية عديمة النفع والرمزية يباس”

لكنه الخيال المادي المعجون بالماء والتراب والنار والهواء.. لا فكاك من الأرض لا فكاك..عليّ إذن أن أحول نرجسيتي الطفلية الأولى ذات العين الواحدة التي لا ترى شيئًا سواي، إلى نرجسية كونية بمئة عين، نرجسية الماء كما يقول (باشلار)، عين الماء التي ترى فيها الأرض العالم برمته.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s