حقيبة السّفر

حقيبة السّفر

د. هشام منصور

اللوحة: الفنان الأميركي يعقوب لورانس

– يا سيدي، من فضلك افتح حقيبتك

 « vous monsieur, ouvrez votre valise s’il vous plait»

قالها له الشرطي الفرنسيّ اليافع وقد لاحظ في سيمائه ما أقلقه لسبب ما. 

  • “هذا ما كان ينقص اليوم بعد”. تمتم بتأفّف وهو يتوجّه مع حقيبتيه إلى حيث أشار له الشّرطيّ.

لم يكن يفترض أن يكون هناك تفتيش حقائبٍ في مرسيليا، فهو كان دخل مساحة الشّينغين في ميلانو منذ اثني عشر ساعة على الأقلّ.

كان يفترض به أن يخرج من الطّائرة مباشرة ويتوجّه إلى موقف الباصات مباشرةً. فالرحلة إلى المدينة ستستغرق أربعين دقيقة وهو لم يكن يحتمل الانتظار حتى يصل إلى السّرير ليريح جسده المرهق قبل يوم الغد.

كان من الطّبيعيّ أن يكون مرهقًا، فهو لم ينم منذ حوالي أربعٍ وعشرين ساعةً على الأقلّ. لا شك أن أمائر التّعب كانت واضحة على وجه غير الحليق منذ البارحة. أضف إلى ذلك أن سحنته العربيّة لم تكن عاملا مساعداً في تلكَ المدينة.

وكان من الطّبيعي لهذا الشّرطيّ أن يخشى من شكله المعوجّ من كافة الزّوايا. فعرس قريبته كان البارحة بعد الظّهر وبعدها سهرة العرس التي طالت حتى ما بعد منتصف اللّيل وفي طريق العودة أوصله والداه إلى المطار ليأخذ طائرة السّاعة الثّالثة بعد منتصف اللّيل. ولم يأته النعاس في الطّائرة الإيطاليّة التي تأخّرت على عادتها وبقي عليه أن ينتظر عشر ساعات إضافيّة في مطار مالپينزا حتى يأخذ الطّائرة التّالية إلى مرسيليا. فأمضى وقته متنزِّها في أرجاء المطار شاغلًا نفسه ببعض من القراءة والتّحضير لمؤتمر الغد.

كانت تلك سنته الدّراسيّة الثّانية في فرنسا. كل ستّة أشهرٍ كان يحقّ له بثلاثة أسابيع من العطلة. وهو كان طبعًا يجمعها ليعود إلى وطنه يقضيها مع العائلة والأصدقاء وليحصد طاقةً تكفيه لغربة الأشهر السّتّة المقبلة. وهذا ما فعله هذه المرّة أيضًا. أنهى التّحضير لمؤتمره في اليومين الأوّلين وأمضى الأيام التّالية بعيدًا عن كلّ ما له علاقة بالطب والمرضى.

كان ذلك بمثابة رحلة حجٍّ دوريّةٍ إلى الأرض التي رأى منها النور. كان يشعر بنوعٍ من الجاذبيّة غير المنطقيّة التّي تسيِّر حنايا روحه وكأنّ في داخله بوصلةً تتّجه دومًا نحو حقل الزّيتون وشجرة الخروب. وكأنّ عليه أن يعود دومًا إلى تلك الأفياء ليستقي منها بعض حبيباتٍ من النُّور قبل أن يعود ليغرق في زحمة تلك المدينة المكتظّة، حيث يصير متل سواه رقمًا يؤدِّي ما عليه من واجباتٍ قبل غياب الشّمس.

نظر الشّرطي إليه ثانيةً متأمّلًا إيَّاه من رأسه إلى أخمص قدميه بنظرةٍ هجينةٍ. هو كان على حق فانعكاس صورته في الزّجاج خلف الشّرطي كان يُظهر صورة وجهه الدَّاكن المتعب المرهق وهو يجرّ بيديه حقيبتيه الكبيرتين، مسدل الكتفين، وقد فقدت ملابسه ترتيبها السّليم وبان هندامه وكأنّه يوحي بشريدٍ يبحث عن مأوًى.

رغم إرهاقه لم يستطع أن يمنع نفسه من الابتسام وهو يرى انعكاس صورته، إذ تكهّن ما يمكن أن يكون قد خطر في بال ذلك الشرطيّ عندما رآه خارجًا من الطّائرة. هو كان كسواه يخاف على وطنه من الغرباء.

أشار إليه أن يفتح حقيبته الكبيرة ليعاين محتوياتها. رفعها بصعوبة إلى المنضدة، كانت تزن خمسة وعشرين كيلوغرامًا على الأقلّ يوم الأمس، ومع تعبه اليوم كان الوزن مضاعفًا. 

تذكر كيف ملأ حقيبته يوم سافر إلى هنا منذ عام. كانت تلكَ المرة الأولى التّي يسافر فيها خارج البلاد. كان عليه أن يمضي سنتي تدريب في مستشفى متخصّصٍ في أمراض الجهاز العصبيّ والاستقلاب عند الأطفال ليستطيع العودة إلى بلاده ومزاولة هذا الاختصاص.

أرسل طلبات إلى ما يقارب العشرة جامعات في فرنسا يومها. ولكن فرنسا كسواها فى البلاد تستلزم من يوجّه خطاك وينير دربك. كان لأستاذه الدّور الأساس في حصوله على المنصب في مستشفى الأطفال الرئيسيّ. كان ذلك انتقالا جذريّا إلى نظام طبّيّ مختلفٍ ومتكاملٍ في ظلّ إدارةٍ عامّةٍ تتفوّق على الإدارة الخاصّة.

كان عليه أن يبحث عن مسكنٍ قبل الوصول إلى ذلك البلد الجديد. عرف من صديق سبقه إلى هناك أن المستشفيات تقدّم مساكن مؤهّلةً للأطبّاء المقيمين وذلك في إطار ما يشبه نقابة للأطبّاء غير المتخرّجين.

  • –       “بس رح تكون بين الفرنساويّي، ما رح تشوف لبناني، ادفع مبلغا إضافيًّا واستأجر في الرّعية المارونية” قال له صديقه، “هي رعيّة قديمة مقابل القنصليّة اللّبنانيّة وقرب “بارك بوريلي” عند الشاطئ، موقعٌ رائعٌ وإن بعيدًا عن المستشفى ولكن في هذه البلاد النقل العام يؤمن الخدمة اللازمة”

وصديقه كان على حق، فالشقق في مبنى الرّعية الملاصق للكنيسة كانت مؤهلة بشكل تامٍّ وكل سكَّانها من الطُّلَّاب اللُّبنانيِّن، وهو ما كسر من حدّة الغربة بالنسبة لشخص لم يتخطَّ يومًا حدود الوطن.

هو يذكر اليوم الأول لوصوله. لم يكن كاهن الرَّعيَّة يتوقَّع وصوله يومها وهو كان يصادف عيد الأضحى وجميع العمَّال في عطلة ولم تكن غرفته مهيّأة. ذهب يومها ليستكشف محيط المنطقة، وليشتري الحاجيات الأساسيّة لتنظيف الغرفة. ولكنه وجد من المناسب أن يشتري كيلو من الأرزّ والسُّكَّر والبطاطا والبصل. كان لازال تحت تأثير حرب ال ٢٠٠٦ رغم ما تبعها من انتصار منذ ما يقارب الشهرين. بقيت كلُّ تلك الحاجيات في أكياسها غير مستعملةٍ بعد ذلك اليوم، ليعود فيتذكَّرها بعد بضعة شهر حين كانت رؤوس البطاطا قد ترصعت ببراعم خضراء صغيرة ورؤوس البصل قد أنبتت أوراق خضراء جديدة.

لم ينم ليلتها، ليس بسبب قلقه، ولكن بسبب الطّائرات التي كانت تحلق في سماء المدينة، مع صوتها الذي يوقظ في ذاكرته صورًا قاتمةً تحكي قصصًا حزينةً.

أشار له الشُّرطيُّ أن يفتح الحقيبة ليعاين محتوياتها.

وما أن فكَّ السَّحَّابة وفتح الغطاء حتى اتَّسعت عينا الشرطي، وفغر فاه، وأرخى فكّه مندهشًا من المشهد الذي أمامه.

فالحقيبة لم تكن تحتوي على أيٍّ من الملابس أو الحاجيات الشَّخصية. لم يكن فيها سوى ست ربطاتٍ فى الخبز المرقوق، مع عدَّة علبٍ من البقلاوة والمعمول والسُّمسميَّة الموضَّبَّة للسَّفر التّي اشتراها من صيدا البارحة مع بضعة أكياس بزوراتٍ مضغوطةٍ وعشرات أكياس البهارات والأفاويه، وقنّينتين من دبس الرّمان التّي كانت والدته قد حضَّرتها من شجرة الرُّمان التّي في كرم الرّزين و كيسين كبيرين من الصعتر و قنّينتي نبيذ لبنانيّ كان حملهما هديّة للطّبيبة المشرفة.

“Mais c’est quoi ça?” – 

سأله الشرطي وهو يشير إلى هذه المأكولات بإصبعه. سأله إن كان يمتلك متجرًا أو مطعمًا وإن كان لديه رخصة لإدخال هذه البضائع.

ابتسم وهو يشرح له أن هذه للاستعمال الشّخصيّ.

  • C’est impossible, vous allez manger ça tout seul

ابتسم للشّرطي، فسؤاله منطقيٌّ جدًّا، فبمفهومهم لا يمكن لشخصٍ واحدٍ أن يأكل كلَّ هذه الكميَّة في بلادٍ يشتري فيها الفرد حبَّة خيارواحدة وحبّة بندورة واحدة وقطعة بطيخ من السّوبرماركت ورغيفًا واحدًا لحاجته اليوميّة.

طلب منه مستندًا يعرِّف عن وظيفته وهو ما ضاعف أمائر الدّهشة على وجه الشّرطيّ عندما أبرز له بطاقة المستشفى. صمت الشرطي قبل أن يبدأ بالتّلعثم وهو يبحث عن كلماتٍ تناسب هذا الموقف الغريب الذي لم يدرّسوه إيّاه في كليَّة الشُّرطة. وحينها تقدم شرطيّ آخَر من آخِر الرِّواق وكان يبدو من عمره أنّه يعلوه رتبةً وبادر بالسؤال عمَّا يحدث قبل أن يطلب منه مبتسمًا أن يغلق حقيبته ويتابع طريقه. 

  • –       “هيك هيك تعذّبنا وفتحنا الشّنطة”، قالها متمتمًا وهو يقوم بفتح علبة بقلاوة عارضًا على الشّرطيّين أن يذوقا ما فيها.

أخذ كل منهما قطعةً بعد تردّدٍ كبيرٍ، وأخذا بمضغها للتّوّ بتمهُّلٍ على عادة الفرنسيِّين، محاولين تذوُّق كلِّ طرفٍ في القطعة ومستمتعين بمحتوياتها مع تغيُّير مستمرًّ في تعابير عضلات وجهيهما مع كل مضغةٍ، ممَّا يوحي بما كانا يشعران به مع تذوّق قطع الحلوى.

Ah! J’adore! C’est du quoi? – 

قال الشرطي الأكبر سنا وهو يسأله مستفسرًا عن مصدر الحلوى.

C’est du Libanais – 

أجابه سريعا ولم سيسمح له بإعطائه احتمالاتٍ قد لن يحب أحدها. ثم أخرج منديلًا ورقيًّا ووضع فيه بضع قطعٍ وأعطاهما إيَّاها بينما كان الشُّرطيُّ الفتيُّ يساعده في إنزال الحقيبة عن المنضدة.

ودّعهما وقام بجر الحقيبتين خلفه من جديد وعيناه لا زالت تغالبان النّعاس وهو يصلّي ألَّا يغفو في الباص بعد قليل.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s