الإسكندرية كما رآها علي باشا مبارك

الإسكندرية كما رآها علي باشا مبارك

د. ناصر أحمد إبراهيم

اللوحة: الإسكندرية في منتصف القرن الثامن عشر كما رسمها الفنان والمستشرق البلجيكي برتنشامب

الإسكندرية كما يُطلق عليها دائماً “عروس البحر الأبيض المتوسط”، أسسها الاسكندر الأكبر المقدوني، في العام 331 ق.م. تعد أحد أبرز المدن التي شيدها في أعقاب غزواته وفتوحاته العالمية (أنشأ حوالى 17 مدينة في تاريخ فتوحاته)، وجميعها حملت اسمه بصيغ مختلفة كالإسكندرية، والإسكندرونه، والكساندريا، واليكسندروبوليس …إلخ. ويقال بأن هناك ما يقرب من 50 مدينة حول العالم تحمل اسم الاسكندر، بيد أن المدينة الأشهر بينهن (تاريخيا وحضاريا) هي مدينة الإسكندرية التي اكتسبت شهرة كبيرة في العهد القديم كما في العصر الحديث.

كانت الإسكندرية عاصمة للعلم والرقى الحضاري، وقد شهدت في القرن التاسع عشر، على عهد محمد على باشا وخلفائه، نهضة تحديثية غير مسبوقة، في تنظيمها وإعادة الاهتمام ببنيتها التحتية وتجميل شوارعها ومبانيها ومؤسساتها: فقد ذبلت  المدينة في العصر العثماني، وتضاءلت أهميتها، وانتشرت الخرائب بين أزقتها وأحيائها، حتى باتت كما يقول على مبارك “كأنها شبيهة بقرية من قرى الأرياف، عم بها الخراب داخلها، وأحاط بخارجها، وفارقها عزها وشهرتها بسبب التقلبات الدهرية التي دمرت مبانيها وفرقت أهلها في المدد التي سبق الحديث عنها” (وهى الحقب التي سبقت وصول أسرة محمد على باشا).

وكان من المتوقع أن ينعكس هذا الاضمحلال على عدد سكانها الذين بلغوا عند افتتاح القرن التاسع عشر، وتحديداً زمن الحملة الفرنسية (وفقا لتقدير كتاب وصف مصر) ” ثمانية الآف نسمة”. ولم تجد الإسكندرية من يوليها الاهتمام، ويجعلها تسترد سمعتها كمدينة كوزموبوليتانية شهيرة A cosmopolitan city، (يتعايش بها أجناس وثقافات) سوى في عهد محمد على باشا الذي “نزع عنها ثياب الأحداد وألبسها حال الثروة والإسعاد”. استوقفت هذه الحداثة (غير المسبوقة) على باشا مبارك، خلال انشغاله بمشروعه الكبير في وضع خطط مصر، والتي ضمنها كتابه الموسوعي “الخطط التوفيقية” (الواقعة في عشرين مجلداً). كان على باشا مبارك (وهو من المقريبين من صناع القرار) أحد شهود العيان على المرحلة الأعلى في تطور عمليات التحديث بمدينة الإسكندرية،ما دعاه إلى أن يخصص لها، في خططه، مجلدا مستقلا، يليق بأهميتها ومكانتها، ويرصد ويسجل عمليات التحديث التي طورت حاضرة بكاملها في جيلين. راح مبارك يرصد دقائق ما جرى من اهتمام بتطوير شبكتها الحضرية، وتشييد مبانيها العظيمة، وعموم الانضباط والتنظيم والنظافة والتجميل الأنيق، وما تعلق بحفظ دواعي الصحة العامة بها. إن بهاء المدينة وسحرها لا يأتيان من كل هذا الاهتمام، وتلك الرعاية الخديوية الواعية بقيمة المكان وحسب، وإنما أيضاً جراء المدينة العتيقة نفسها، صاحبة السجل الطويل في ذاكرة الزمن، ذاكرة ثرية لا تضاهيها حاضرة مناظرة، كما لا تنساها ذاكرة كل جيل في عالم المتوسط. 

سجل على باشا مبارك شهادته للتاريخ على تطور حاضرة استثنائية من كل الوجوه، التاريخ والمكان واستثمار حداثة واعدة، عاينها بنفسه، حداثة تستوعب كل آخر، برزق وفير، وخير عميم، وحياة آمنة؛ وثقافة ورقي حضاري، جاذب لكل ألوان البشر ممن مروا عليها أو سمعوا عنها؛ يقول مبارك: “أصبحت سواحل الإسكندرية تبدي للناظرين ما يبهر العقول، فتري في كل موضع من تلك السواحل، ما يناسبه من ذلك، على حسب التقدمات الوقتية والتجديدات العصرية”. ولم تزل في تطورها تتبع أسباب العمار والثروة والتجارة النشطة، حتى فاقت – في تقدير على باشا مبارك – زمن الاسكندر الأكبر نفسه!

لقد أضحت المدينة برقيها الحضاري جاذبة لجميع المسافرين إليها، والقادمين إليها من كل حدب وصوب، ليندمج كل أهلها (بلغوا في عهد محمد على وتحديدا سنة 1830 ستين ألفا، وفى عهد إسماعيل باشا 270 ألف نسمة)، على اختلاف ثقافتهم وأعراقهم ولغاتهم، في أجواء ثقافتها الخاصة التي أضحت عالمية. يضربون المثل الأعلى في التعايش المشترك، والتعايش الملهم في تنوع الثقافات واتساع فرص العمل وبناء المستقبل الواعد؛ ليجد فيها الأجانب متسعاً لقضاء حيواتهم فيها حتى النهاية. ولما لا والمدينة تحتضن كل زائر أو مقيم، يجد فيها العمل والرزق العميم، يقول على مبارك: ” وتجد في جانبي كل شارع وفى الميادين يتعجب من كثرة البضائع واختلاف أجناسها وأصنافها مما يحث الناظر على إدامة الثناء على العائلة المحمدية حيث بذلت في إحياء ما كانت فقدته مدينة الاسكندر الأكبر من الشهرة”. 

حارة الإفرنج تدب فيها الحياة والنشاط والتجارة وتفيض بألوان من الثقافة المتنوعة. ومصر الخديوية بإدارتها الواعية لقيمة الجمال ونشر الجمال والبهاء في كل جنبات المدينة، خصصت ديواناً للسهر على تجميل المدينة، ومنع أي إنشاءات من شأنها أن تعوق روعة الجمال والتناسق الذي بدا عنواناً لها، سمى هذا الديوان بـ “مجلس أورناتو الإسكندرية” (كانت بداية إنشائه مع محمد على باشا، وتحديداً عام 1834). إن اصطلاح أورناتو  ornato (المنقول عن اللغة الإيطالية) يعنى الزخرفة والجمال والتناسق. وقد نالت حارة الإفرنج ومنازل القناصل الأجانب الاهتمام نفسه الذي نالته المدينة في كل مبانيها وإنشاءاتها، يقول على باشا مبارك: “إن ما تسكنه الإفرنج جميع منازله جديدة حسنة الهيئة مزخرفة ذات وجهات جميلة ومساكن جليلة، أدوارها السفلى محلاة بالدكاكين المتسعة المشتملة على جميع أنواع البضائع الثمينة”. 

إن جمالية المكان وتاريخيته شكلت جاذبية غير عادية للقناصل الأجانب الذين آثروا أن يقضوا إجازاتهم الصيفية مع عائلاتهم في الإسكندرية، ولاقوا تشجيعاً من الحكومة الخديوية التي يسرت لهم اتخاذ مقار لقنصلياتهم بأحياء المدينة، حيث توزعت بيوت وكلاء القناصل على عدد من الحارات الرئيسة: كحارة العطارين، حارة حنفى أفندي، حارة شريف باشا، وحارة النبي دانيال، وحارة صهريج الفرن، وحارة محمد توفيق، وميدان محمد على باشا… إلخ. كان هذا التجمع لمنازل وكلاء القناصل بالقرب من مركز المدينة وكثافة الوجود الأجنبي من عائلات التجار والدبلوماسيين، أحد العوامل التي أكسبت المدينة طابعها الكوزموبوليتاني (العالمي). 

وأشار على مبارك أن محمد على باشا هو من قرر منح القناصل حق السفر من القاهرة إلى الإسكندرية على “طرف الميري” (الخزينة المصرية)، لهم ولجميع عائلاتهم، لتشجيعهم على الإقامة بالمدينة خلال فصل الصيف، مع ما يعنيه هذا من تنشيط للسياحة التجارية للمدينة التي أراد لها أن تتحول إلى مدينة عصرية تبز نظائرها بين مدن البحر المتوسط، علاوة على جعل الإسكندرية المدينة المفضلة للتصييف والراحة من حر القاهرة ولهيب حرارتها. وتسهيلا للأمر، وكأنه ينقل الحياة الحكومية شبة كاملة إلى هناك، قرر جعل دواوين الحكومة كذلك تعمل لمدة ثلاثة أشهر خلال فصل الصيف، من خلال مقرات لها بمنطقة رأس التين بالقرب من مقر قصره. كان ذلك بحسب شهادة على مبارك “من السنن الكريمة للأسرة المحمدية والإغداقات الخديوية” الحميدة التي جعلت المدينة تحيا في رقي ونشاط غير مسبوقين، أوصلها لأن تكون بحق مدينة عالمية بمقياس عصرها “في الدول الفخيمة” على حد تعبيره. أخيراً، يجزم صاحب الخطط التوفيقية بأن ما جرى بالإسكندرية يحتاج إلى عدة مجلدات كي يرصد ذلك الكم الهائل من التطور والنشاط والحيوية والجمال والتحديث الأنيق الذي أصابته الإسكندرية على مدار القرن التاسع عشر.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s