يوميات هناء في نيويورك – السباحة على شواطئ الأطلسي (1)

يوميات هناء في نيويورك – السباحة على شواطئ الأطلسي (1)

هناء غمراوي

اللوحة: الفنان الفلسطيني خالد نصار

نشأت في البداوي، إحدى ضواحي طرابلس الشمالية، وقد تميزت هذه البلدة بانتشار بساتين الليمون والبرتقال الممتدة على طول ذلك الشاطئ الجميل. الذي يشكل جزءً صغيراً من الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط.

وكم كان سروري كبيراً عندما كنت أصعد سطح منزلنا القابع على ربوة قليلة الارتفاع بحيث يتسنى لي مشاهدة ذلك الأزرق العظيم الممتد بمحاذاة سجادة من الأخضر المتوهج تحت شمس الصيف اللاهبة؛ حيث كانا يشكلان معاً لوحة في غاية الجمال تمكن المشاهد من تسريح النظر لساعات وساعات دون أن يدركه الملل. وكنت في طفولتي أفكر في سكان المدن التي ليس لها أي منفذ على البحر، وأتساءل بيني وبين نفسي: كيف يتمكن هؤلاء البشر أن يبدأوا يومهم دون أن يسرحوا نظرهم في زرقة البحر وامتداده العظيم؟

مرت السنون وما زال البحر مكاني المفضل خاصة بعدما تعلمت السباحة وصارت هوايتي، ومتعتي الأحب.

وصلت الى نيويورك اواسط شهر آذار مارس في العام الأول للجائحة وقد كان الإقفال مخيماً على المدينة بكافة مرافقها. لذلك لم تكن الفرصة متاحة للتفكير في كيفية قضاء الصيف ولا على أي شاطئ سأتمكن من ممارسة هوايتي المفضلة، السباحة طبعاً. 

هذه الهواية التي مارستها لسنين ويومياً خلال فصول الصيف المتعاقبة في مدينتي، طرابلس ولا زالت الأثيرة عندي حتى اليوم، ولطالما شكل هذا الموضوع هاجساً لابنتي التي تقيم في نيوريورك عندما كانت تدعوني لزيارتها، وبخاصة خلال فصل الصيف. فشواطئ الأطلسي عموماً غير مناسبة للسباحة لشدة ارتفاع الأمواج فيها حتى في عز الصيف. 

لم يكن الجبل يوماً مكاني المفضل لقضاء عطلة الصيف، فأنا أحب أن أقصده في كل الفصول عدا الصيف؛ اذ أن الصيف بالنسبة لي لا بد أن يكون مرتبطاً بالبحر والسباحة طبعاً.. لم يشكل اول صيف من اقامتي الدائمة في نيويورك العام الأول للجائحة أي مشكلة فقد غادرت الى أوكلاهوما بداية شهر حزيران يونيو ولم أعد سوى مع قدوم الخريف بداية شهر تشرين الأول أو كتوبر.

ثم إنقضى فصل الشتاء، ولا شك أني سأعود لأدون انطباعاتي الجميلة عن هذا الفصل في مدينة نيويورك. ذابت الثلوج، وبدأت الأشجار تتنفس وتورق مع هبات النسيم الدافئة. وبدأت الأزهار مهرجانها السنوي في عروض الألوان ونفث العطور في الأرجاء معلنة حلول الربيع الذي لا ينعم به سكان نيويورك سوى اسابيع قليلة فقط. وبدأت تباشير صيف نيويورك تلوح مع هبات مفاجئة في ارتفاع الحرارة مصحوبة بموجات من الرطوبة الشديدة.

ها هو صيف آخر يطل في العام الثاني للجائحة، والتي تزامنت مع قدومي الى هذا البلد.. لا شيء يمضي مسرعاً كالوقت!

حلّ الصيف وارتفعت درجات الحرارة مصحوبة برطوبة عالية تكاد تكتم الانفاس لدرجة أنه يخيل اليك ان الهواء قد فقد نسبة كبيرة من الأوكسيجين الموجود فيه واللازم للتنفس السليم.. في مثل هذا الطقس، طبيعي ان يفكر سكان نيويورك في الهروب من المدينة الى الأماكن الجبلية المرتفعة الأقل حرارة؛ لقضاء عطلة نهاية الأسبوع في أجواء الغابات الخضراء حيث تكثر البحيرات العذبة، والمجاري المائية وبخاصة في محيط نهر الهدسن، الذي تتحول بعض ممراته المائية الى طريق للسفن التجارية.

خفت تدابير الحجر والحظر التي كانت مفروضة، وبدأت الحركة الطبيعية تعود تدريجياً للمدينة، هذا الوضع المستجد جعلنا نعيد البحث عن الشواطئ المناسبة التي تسمح لهواة السباحة بارتيادها دون أن يكونوا معرضين لخطر أمواج المحيط العاتية، ولا لتياراته الخطيرة. الأمر الذي كان يدفع أكثر سكان المدينة لقصد البرك الاصطناعية الكبيرة كالبركة العامة الموجودة في حديقة “استوريا بارك”، أو البرك الصغيرة المنتشرة في بقية المنتجعات العامة والخاصة. وهذا الأمر لم يكن مطروحٍاً البتة بالنسبة لي منذ ما قبل الوباء فكيف والحال ما هو عليه الآن؟ فثمة أماكن كانت مخصصة للسباحة في شواطئ المدينة، كالشاطئ الموجود في بروكلين والذي كنت قد قصدته في زيارة سابقة. وكانت السباحة فيه اشبه بالدخول في معركة مع الأمواج العاتية، وان حالفك الحظ وتغلبت عليها فان حرس الشواطئ سرعان ما يطلقون صفاراتهم تحذيرا بعدم التوغل أكثر من أمتار قليلة داخل المياه تحسبا لوجود التيارات المائية، أو اقتراب بعض الأسماك المتوحشة كأسماك القرش وغيرها، أما شواطئ لونغ أيلاند، فإن أمواجها وإن كانت أقل عنفاً فإن التوغل في مياهها ليس أقل خطراً من التوغل في شواطئ بروكلين، وكان علينا أن نتابع البحث لنجد شاطئاً مناسباً نقصده هذا الصيف.

بعد متابعة مع بعض المجموعات التي تنظم الرحلات والمخيمات الكشفية توصلنا الى اتفاق مع المنظمين للاشتراك في رحلتين الى شواطئ نيوجرسي المعروفة بهدوئها النسبي بالرغم من وقوعها أيضاً على الأطلسي. كانت الرحلة الأولى لمدة يومين فقط وقد تزامنت مع عيد استقلال أميركا في الرابع من تموز يوليو. والتي اقتصر برنامجها على قضاء اليوم الأول على شاطئ أحد المنتجعات الخاصة (ولم يتمكن أي من المشاركين الدخول الى الماء لسوء الأحوال الجوية). ومن ثم الانتقال ليلاً الى منزل أحد الأصدقاء، وهو أحد منظمي الرحلة، والذي سمح للمشاركين بنصب خيامهم في حديقة منزله لقضاء الليل هناك. ومن ثم الذهاب ظهر اليوم التالي الى أحد المسابح لقضاء الوقت المتبقي من الرحلة هناك. 

اما أنا فكنت الأكثر حظاً بين المجموعة، اذ خصصت لي صاحبة البيت غرفة خاصة، لأنها اعتبرتني ضيفة جديدة ولم تعدني من المشتركين في رحلة التخييم 

. وكان البرنامج لتلك الليلة إطلاق المفرقعات النارية احتفالاً بعيد الاستقلال، ثم إقامة سهرة نار بعد العشاء مباشرة.

لذلك بدأ أعضاء المجموعة بتحضير العشاء الذي كان متنوعاً بتنوع المشاركين في ذلك المخيم وإن اعتمد الشواء كطبق اساسي على انواعه؛ فتبرع طبيب هندي مع زوجته بتقديم الشواء للموجودين على الطريقة الهندية مع اضافة الكثير من التوابل والفلفل الحار. وعلى فرن ثاني وقف آخر يحضر نوعاً آخر من المشاوي على الطريقة الصينية. كما حضّر مشارك اميركي من أصل فلسطيني المشاوي على الطريقتين اللبنانية والفلسطينية معاً، أما أطباق السلطة الشهية، فقد حضرتها مونيكا وهي سيدة أميركية شابة من أصل أوروبي (سويسرا) كان يحلو لها ان تتسامر معي من وقت لآخر ببعض الكلمات الفرنسية لعلمها اني لم اتقن الانكليزية بعد. تجاوز عدد المشاركين الثلاثين شخصاً فكان بينهم الهندي والصيني والأوروبي بالإضافة إلى مجموعة من الأميركيين من أصول عربية؛ من مصر ولبنان وفلسطين وسوريا، الذين حرصوا بعد العشاء أن يشبكوا ايديهم، ويشتركوا معاً في أداء رقصة الدبكة، على موسيقى بعض الأغاني اللبنانية المشهورة. 

صبيحة اليوم التالي(الأحد) كان الطقس قد تحسن قليلا. بعد تناول الفطور والاستراحة بعض الوقت قررنا العودة الى الشاطئ، وكانت وجهتنا ذلك اليوم منتجعاً عاماً على الأطلسي بالتأكيد (bel mar).

بقدر ما كان حماسي كبيرا للوصول الى ذلك الشاطئ، بقدر ما كانت خيبتي كبيرة.

الشاطئ رمليّ طويل جدا رصت عليه مئات المظلات الواقية من الشمس. تحتها وحولها تمددت مئات الأجساد، منها من كان يستظل تحت الشماسي، ومنها من استسلم لأشعة الشمس دون أي حراك. اما الصغار، فقد تجمعوا قرب الشاطئ، على الرمال القريبة من مرمى الأمواج العاتية والهادرة، يلاعبونها في مدها وجذرها دون أن يجرؤوا على التوغل داخلها.

نظرت حولي بحيرة وأنا أتساءل في سري هل أجلس مع هؤلاء الأولاد أم اتسمر تحت أشعة الشمس كما يفعل معظم مرتادي هذا المكان بعد ان قطعت مئات الأميال للوصول الى هنا بهدف السباحة؟ وبدون تردد وجدت نفسي داخل الماء، وكلي تصميم على السباحة مهما كان الثمن.

اعترف ان الثمن كان باهظاً… أقل من دقيقة على دخولي الماء كانت موجة بعلو أكثر من ثلاثة أمتار تحملني وتقذفني على رمل الشاطئ، استفقت من الصدمة وبعد أن تأكدت من خلو جسمي من الكسور والكدمات، انسحبت وانا أردد الحمد لله جاءت سليمة! 

بعد ان استرحت قليلا واستعدت انفاسي تمشيت مع احدى الصديقات على الرمال ومر في ذاكرتي شريط من الذكريات استرجعت خلالها صورة شواطئنا الهادئة والجميلة في لبنان. الممتدة من عكار شمالاً حتى الناقورة جنوباً. تلك الشواطئ التي يحرم المواطن اللبناني (العادي والبسيط) من التمتع بالسباحة عليها، لان الدولة سمحت لبعض المتنفذين بوضع يدهم على الأماكن البحرية العامة وتحويلها الى منتجعات خاصة، لا يستطيع الدخول اليها الا طبقة محدودة من الناس. في حين هي بالأصل عامة ولكل الناس. والمفروض ان تبقى كذلك، شأن هذا المسبح العام الذي يقصده مئات المواطنين من نيوجرسي وجوارها. ويدخلون اليه مقابل مبالغ زهيدة، هي لتغطية أجور المراقبين، ولصيانة المكان والمحافظة على نظافته.

في المساء عدنا ادراجنا الى نيويورك بعد أن اتفقنا على تحديد موعد الرحلة الثانية الى شاطئ آخر من شواطئ نيوجرسي والذي تم تحديده في الأيام الثلاثة الأخيرة من نفس الشهر على أمل أن يكون حظنا أفضل مع السباحة على شواطئ الأطلسي في الرحلة القادمة.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s