اعترف بظلك كي تنجو

اعترف بظلك كي تنجو

فردوس عبد الرحمن 

اللوحة: الفنان الإنجليزي هنري فوسيلي

كان كل شيء في الوجود يهدده.. صوت العربات في الشارع، أصواِت البشر حين تعلو قليلًا، الأمراض التي يصاب بها أحباؤه ، كل شيء، كل شئ.. كان رهيفًا لدرجة تفوق التصور.. انتابته منذ كان في الجامعة نوبات من الفزع والتشنج.. لم تغادره حتى مات وهو في الثامنة والعشرين من عمره، ثبت بالفحص الإكلينيكي أنه غير مصاب بالصرع المخي، حيث كانت تلك الأعراض تتشابه كثيرًا معه. في البداية.. تصورت أنها أعراض هيستيرية ولكني بعد أن قدمت قصته في البرنامج وتواصلت مع زوجته.. أدركت أن الموضوع أكبر من ذلك. حيرني ذلك الشاب بل حير الأطباء حتى أن طبيبه الخاص أخذ يبحث لفترة طويلة كيف أن نوبة تشنج غير صرعية تميت شابًا في هذه السن أما أنا فقد انفعلت به وبرقته البالغة فكتبت عنه قصيدة كان منها تلك الأبيات:

            ولد بوجه مدوَّر 

           يلعب في الداخل مع رئتيه

           يتريض في شرايينه

          وعندما يريد أن يرقص

         يترك عروقه تصفق

كنت أصف نوبات التشنج المرعبة التي كانت تأتيه دون أي سبب عضوي.

يرى يونج أن (الخافية) وهى المستوى العميق من اللاشعور تمتليء بشرور حتى لكأن الشيطان نفسه يسكنها، ويكبر على الانسان أن يرى مدى الحقارة والنذالة والشره والرغبة في كل ما هو نتن بداخله، ولا يختلف عن هذا.. لص أو نبي ولكن الفرق بينهما.. هو تلك القدرة على الابحار في الظلام والتعود على رؤيته، أو عدم القدرة والجرأة على فعل هذا مطلقًا.

المثالي.. لص محتمل أو قاتل محتمل.. إنه لم يسرق أحدًا، لكنه انتحل وجوده الحقيقي على هذه الأرض بوجود آخر قشري وأجوف، أعرف أن هناك أعين تطقّ شررًا مما أقول، ولكن فليصبرن عليَّ قليلًا.. يسمي يونج هذا الظلام الداخلي “الظل” في نظريته الشهيرة “البرسونة والظل” والظل لديه هو الجانب السلبي والمعتم من الشخصية. والبصيرة لا تتأتىّ إلى الشخص الذي لم ير ظله أو جانبه المعتم، الذي لم يسقط في جُبّ وجوده، ليس ثمة إنسان حقيقي، متحرك ومتغير وفاعل إن لم يكن له ظل يعرفه ويراه هو والآخرون أحيانًا. ولنتأمل قليلًا هل من الممكن أن نرى أى ظل إن لم يكن هناك على الأقل بصيص من الضوء؟ 

هذا ما أسميه البصيرة. والشخص الذي بلا ظل أو بشكل أدق: الشخص المقموع الظل ـ الذي لايسمح لظله أن يُرى ـ هو شخص معتم، كما أنه افتراضي بمعنى أنه ليس موجودًا بشكل حقيقي، يؤثر ويتأثر بما يعيشه، إن هو إلاّ صورة جامدة لاتتحرك ولا تنضج ولا تكبر مع الزمن، لا تستفيد من الحياة ولا تفيدها.

هذا الجانب السلبي والمظلم إن لم أره وأتعرف عليه وأقبله، يظل موتورًا بداخلي، يهددني باستمرار ويمنع نموي النفسي. لقد قمع هذا الشاب ظله، فما هو ذلك الظل؟

هب أنه زارك الآن شخص لزج.. أطال  بقاءه في بيتك وظل يطلب منك أشياءك دون أن يراعي احتياجك لها.. بماذا تشعر، سواء في تلك اللحظة أو عندما تقابله في الخارج فيلتصق بك، ويستمر في طريقته هذه؟ بالتأكيد سوف تشعر بغيظ يصل إلى حد الغضب، لماذا؟ لأنه بداخلك شيء من هذا لم تره. الواقع، أنه كلما اغتظت وغضبت من سلوك ما.. فقد يكون بداخلك وقد قمعته عبر رحلتك في الحياة، لكنك لم تتخلص منه. إنه مقموع فقط ولا تراه فإذا رأيته عبر شخص آخر.. هددك وحركه بداخلك.

قال لي المعلم الروحي: كنت إذا أتاني مدمن للعلاج أشمئز منه وأشعر بغيظ شديد، حتى أنني أمسك بنفسي كي لا أصفعه، إنه يهدد بداخلي تلك الاعتمادية والراحة وعدم المسئولية.. إنها الغيرة.. هو يعمل ما بدا له وأنا أكِدّ وأجتهد طوال الوقت كي أحمل إنسانيتي، فإذا ما جاءني هذا المدمن تحركت تلك المعاني بداخلي حتى وإن لم أدركها بعقلي، فهددتني ووترتني وأصابتني بالعدوان تجاهه، أما الآن وبعد أن اجتهدت مرة أخرى في أن أرى ظلي.. ذلك المخبوء عني طوال عمري.. لم أعد أتضايق أو أشمئز من شخص سادي أو مازوخي أو مثليّ أو مدمن يأتينى للعلاج، فبداخلنا جميعًا من كل تلك الأشياء وإن لم نرها ونقبلها لن نتجاوزها أو نسمو عليها بشكل حقيقي.

دائمًا ما أربط تفسيرات المعلم الروحي بما أراه من حولي، فالشخص الأخلاقي المتزمت هو شخص مهدد بالخطيئة،هوشخص لم يتجاوزها ويرتقِ عليها لأنه لم يرها بداخله على الإطلاق، لم يعترف بها ويقبل بوجودها، لذلك هو لا يطيق رؤيتها في الآخرين مما يصل به أحياناً إلى حد القتل “من كان منكم بلا خطيئة فليرجمها بحجر”. هكذا يرى السيد المسيح الخطيئة بداخل كل إنسان ولابد من رؤيتها والاعتراف بها حتى يكون أكثر تسامحًا وقبولًا لأخيه الإنسان، فقيمة التسامح تكمن في تلك الفكرة.. بالاعترف بالظل، تكتمل الانسانية وتتسع. هؤلاء الذين كانوا ينبذونني في سنوات موتي النفسي، ويهربون مني، كانوا في الواقع يهربون من ظلالهم. لكنى الآن ، وبعد أن خضت رحلتي إلى الداخل، رأيت ظلي.. الآن كلما رأيت  تصرفًا أوغل صدري ووترني أعرف أنه كامن بداخلي، فتلك اللزوجة التي كنت أشمئز منها.. تذكرني بحالة الالتصاق التي كنت عليها، لكنني بعد أن رأيتها و قبلتها ومن ثَمَ غفرتها لنفسي، أصبحت أكثر احتمالًا لها وتسامحًا معها إن رأيتها في الآخَرين. من يقبل نفسه.. يقبل الآخرين، ومن يغفر لنفسه يغفر للآخرين. الآن أغفر للشخصية اللزجة وأتفهم حاجتها إلى الاقتراب حد الالتصاق، أما الشخصيات المدعية، فلا أقبلها على الإطلاق، الادِّعاء أكرهه جدًا وأكره صاحبه.. هل أنا مدَّعية من الداخل؟ ربما.. ولكنني مازلت لم أر هذا الادِّعاء ولم أقبله في نفسي.. علني في يوم ما.. أراه وأكف عن الغضب من هؤلاء المدَّعين. أن ترى ظلك.. أن تكون أكثر تسامحًا وأوسع صدرًا واستيعابًا للآخر.

سألتني إحدى الصديقات على صفحة الفيس بوك الخاصة ببرنامج “على ضفاف الحياة”: من هو صاحب البصيرة؟ فأجبتها: البصيرة هي أن يرى الانسان عفريته الداخلي لأنه لو لم يره ويتعرف به فسوف يفاجئه دائمًا ويسيطر عليه، أو بالتعبير الشعبي يلبسه. البصيرة هي رؤية الزبالات التي بداخلنا، كل البشر لديهم زبالات والمعرفة والقبول هي خير معين للأمان من شرها.. تلك الرؤيا نسميها البصيرة ولاحظي معي. متى نستطيع أن نرى ظلنا؟ عندما تكون إضاءة، عندما يكون نور”.

..الإلحاح من صور التهديد الأخرى للظل.. مثال ذلك الإلحاح على ذكر شخص ما، وحشر سيرته في كل مناسبة.

لي صديقة كانت تتحدث عن زوجها كثيرًا جدًا، وبشكل لا يطاق يذكرك بالوسواس القهري. فإذا وقفنا نطبخ سويًا ليس لها سيرة إلا هو، وإذا خرجنا إلى الشارع لا تذكر إلا اسمه، وإذا اجتمعنا مع غرباء تنتظر أي فرصة لتتكلم عنه. كنت أظن هذا حبًا جنونيًا وامتلاءً لا حدود له، مرت الأيام وخانها هذا الزوج، وهاهي تعترف لي أنها كانت طوال الوقت تتوقع ذلك، كانت مهددة بخيانته لها. 

في الثقافة الشعبية يكره النساء من تتكلم كثيرًا عن الشرف، ذلك الحس الفطري الذي دلهن على أن هناك شيئًا ما تخبئه، أيضًا هؤلاء الذين يكلمونك عن الله دائماً ويحشرون أقواله وأقوال الرسول (ص) في كل تفاصيل الحياة بسبب وبدون سبب، ويتنطعون عليك بمحفوظات عن الصواب والخطأ، والحلال والحرام، أعتقد أن هؤلاء مهددون في عقيدتهم ولم يستقر الإيمان بداخلهم ولم يطمئنوا له. تقول الحكمة الصينية : “من يعرف الطاو لا يتكلم عنه”.

ذلك الهاجس، وتلك الرغبة التي تستبد ببعض المتدينين، فيبالغون في الإعلان عن تدينهم، الذين يقرأون القرآن بصوت عال في المواصلات العامة. أو يرفعون أصوات الميكروفونات في الصلاة حد الضجيج والشوشرة، ويسدون الطرقات العامة، الذين يغالون في ملابسهم ولحاهم بل وعطورهم ليتشبهوا بالمؤمنين الأوائل. كل هؤلاء يعانون نوعًا من الوساس، وعدم الطمانينية في علاقتهم بالله، إنهم لا يختلفون عن تلك المرأة التي تتحدث عن زوجها كثيرًا، وهو يشعرها بالتهديد.

المؤمن مطمئن ولا يحتاج الإعلان عن إيمانه بهذا الصخب، والمهدد بموضوع يظل يلح عليه حتى في أحلامه. لي صديقة حدثتني مرات عديدة، عن أنها ترى في أحلامها أن فاتتها الصلاة. المؤمن متسامح في خطيئة الغير، ولا يتأتّى الإيمان ـ في رأيي ـ إلا برؤية الظل، في كثير من قصص الأنبياء نراهم لم يبلغوا اليقين إلا بعد أن رأوا ظلهم: داوود وسليمان ويونس وموسى رأى ظله بعدما وقع في خطيئة قتل المصري، فخرج هاربًا، وتاه في البرية، وجلس غريبًا بجوار الحائط يبكي ضعفه وهوانه: “ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ“.

أما تهديد الطاقة البدئية فهو من أشد تهديدات الظل وأبشعها، والطاقة البدئية هذه هي السلوكيات والرغبات البدائية التي مارسها الإنسان منذ القدم ولم ينجح في التخلص منها والسمو عليها إلاَّ عبر رحلة طويلة من الارتقاء الإنساني.

يرى (يونج) أن السلوك البدائي، والرغبات البدائية التي حرَمها إنسان العصر الحديث، مازال مطبوعًا في خلايا المخ، وقد جرب نظريته هذه على مجموعة من المرضى العقليين ليسمع منهم بعض الألفاظ من لغات بدائية قديمة لا يعرفون شيئًا عنها، أيضاً قام بعضهم برسم أشكال لأشياء ومعتقدات انقرضت في أزمان بعيدة. يدلل يونج ـ أيضًا ـ على نظريته هذه ببعض الأحلام التي تأتي لأشخاص عاديين وبها من الرموز والأفكار والمعتقدات ما يعود إلى أزمنة موغلة في القدم لا يعرف الحالم عنها أي شئ. في رواية الشحاذ لنجيب محفوظ، بعدما سقط عمر الحمزاوي في اللاوعي، كان يهذي ويحلم بكائنات انقرضت، ورجال بدائيين يهاجمونه وأماكن صحراوية موحشة.  كان يونج دارسًا لعلوم الأنثربولوجيا والأساطير بشكل موسّع، ومن هنا كانت نظريته عن الطاقة البدئية المحبوسة بداخل كل إنسان بعدما أخفاها العقل الحديث.

ولكن ما هو مصير كل مكبوت؟

من العبث أن تخنق شيئاً ما بداخلك.. فما من شئ في الداخل يتبدد ويفنى إلى الأبد مهما كان وضيعًا وبدائيًا ومخجلًا، وكلما أخفيته عن وعيك تضخم واستشاط وكأنه شخص بذاته من حقه أن يحيا ويتنفس ولو قليلًا، ولو بجانب ضئيل منه، ولو تأملنا لرأينا أن هذا نفسه هو الظل الذي نتكلم عنه، لذلك فالحل لا يكمن في إخفائه أو عزله أو التنكر له بل في رؤيته والتعرف عليه وقبوله وترويضه.. مجرد رؤيته وقبوله يهدئ من ذلك الصراع بيني وبينه، السماح له بأن يخرج ويتنزه قليلًا ثم يعود إلى بيته ليهدأ وينام، وكلما اعترفت به وتصالحت معه، كلما أمسكت بزمامه كما الوحش المُروّض تماما.

قتل رجل زوجته وأبناءه جميعاً ببلطة، أخذ يدق بها على رؤسهم وهم نائمون، ثم تركهم غارقين في دمائهم ليحاول قتل نفسه، فعل هذا بعد أن فقد ثروته في البورصة. هل كان هذا الرجل متوحشًا وعنيفًا إلى هذه الدرجة؟ ثبت في التحقيقات أنه كان على العكس تمامًا من ذلك، شهد الجيران بأنه كان خدومًا جدًا، بل ومهذبًا إلى أقصى الحدود، فلم يسمعوا منه لفظًا نابيًا ولم يعل صوته مطلقًا، كما شهد الأقارب بكرمه الشديد ونجدته لأي مأزوم. أعتقد أن هذا الرجل المثالي المهذب أراد أن يرسم صورة لسخصيته في منتهى الرقة والنبل، أي أنه كبت ظله إلى أبعد الحدود بل وأنكر كل ما فيه حتى يبدو لنفسه وللآخرين كذلك، إلى أن جاءته تلك المصيبة وهي فقدان ثروته فلم يجد من الثقل الإنساني لديه ما يدافع به عن وجوده القشري الهش ولم تكن لديه قوة يكبت بها أي شئ فخرج عفريته في هذه اللحظة ليبتلعه ويدمر كل شئ.

الإنسان لا يخترع نفسه كما يرى جان بول سارتر، بالعكس، هو لا يصمم جوهره، ولا يبتدع حقيقة ماهيته. وهذا هو ما يذهب إليه يونج عندما يقول: “نحن نحدث لأنفسنا” أي أننا نجد أنفسنا على ما نحن عليه ودون إرادة منا.

إذن فالطاقة البدائية المطبوعة فينا، إن لم تجد ما تتنفس من خلاله فسوف تتجمع وتخرج في لحظة مفاجئة لتدمر صاحبها.. هذا هو ما حدث بالضبط للشاب الذي ذكرته في بداية الفصل، والذي مات فجأة وهو في الثامنة والعشرين من عمره دون أي سبب عضوي. بعد وفاته عرفت حكايته من أحد أفراد أسرته، تورط هذا الولد ـ في فترة مراهقته ـ في التحرش بأخته التي تكبره بسنوات وقد استجابت له حيث كانت لها نفس الميول البدائية التي دفعتها لقبول هذا التحرش، عندما اجتاز الأخ هذه المرحلة، لم يستطع أن يغفر لنفسه، ولا عرف أن كثيرًا من المراهقين يمرون بهذا، كبت الشاب نزوعه البدائي بشكل قاس جدًا حتى أنكره تمامًا، ولم يعد يعرف عنه شيئًا، تزوج مبكرًا وسكن الفضيلة في عليائها، فكان يمشي ناظرًا إلى الأرض، يهمس في كلامه كي لا يزعج البشر من حوله، لكن تلك البدائية والتي سدّ عنها جميع المسارب، وأخفاها عن الآخرين وعن نفسه ـ أيضًا ـ لم تمت بداخله.. خرجت له في هذا الشكل الصرعي الدائم حتى أنه مات بها.. لم يكن لديه أي مرض عضوي، يدعو لتلك النوبات الصرعية العنيفة والتي قتلته في فجر أحد الأيام. 

في مسلسل “حديث الصباح والمساء” والذي كتبه الراحل محسن زايد عن رواية “حديث الصباح والمساء” لنجيب محفوظ .. في هذا المسلسل نرى داوود باشا، هذا الرجل الذي خُطِفَ من أهله وهو صغير ليُرَبَّى تربية عسكرية بالأستانة، تربية منبتة الصلة عن جذوره الشعبية في مصر، ثم يعود إلى أهله طبيبًا ثم يأخذ الباشوية فيما بعد.. نرى هذا الرجل مهدد بالانسحاق والتناثر أمام زوجته ذات النسب الأرستقراطي والتي تلمح له دائماً بنسبه الوضيع.. يلجأ داوود باشا بشكل لا واعِ إلى الاقتران بعبدته “جوهر”، لكنه يهرب بها، ويختفي معها عن كل الناس، وهنا بالتحديد تكمن عبقرية الكاتب الذي حشد شخصية داوود باشا بتفاصيل لم يكتبها نجيب محفوظ، لقد رأى محسن زايد هذه الشخصية في داخلها العميق، وفهم وكيف أنها كانت في احتياج لأن تقترن بظلها، بالمخجل فيها، الوضيع الذي بداخلها والذي أدت التربية العسكرية الصارمة إلى قمعه بل ونكرانه.. هذا الظل جسدته في تلك اللحظة “جوهر العبدة”.. اقترن بها، واختفى معها دون أن يحاول تغييرها أو الارتقاء بها، فقد ظل يكرس لها ولنفسه عبوديتها له، حتى عند نهاية رحلته، حين تصالح على الجذور ومكث في بيت العائلة الفقير، ظلت العبدة جوهر عبدة كما هي.

ونستطيع أن نطبق تلك الرؤيا على شخصية هدى هانم والتي جسدتها الفنانة (ليلى علوي) في نفس المسلسل، فبرغم اقتران (هدى هانم) بالمراكيبي، ذلك الرجل الفقير، الوضيع الأصل، بالنسبة لحسبها ونسبها، فقد جاءت هذه الشخصية “هدى هانم” غاية في النضج ومن ثَمَّ العطاء لاعترافها بظلها واحتوائها له من أول لقطة لها في المسلسل، فهي لم تشعر بالخجل أبدًا من انجذابها للمراكيبي، صانع الأحذية الفقير واستطاعت بكل جرأة أن تقترن به وتعلن هذا على الملأ دون أن تخفيه أو تهرب به بعيدًا كما فعل داوود باشا مع “جوهر”.

هذه المرأة التي لم تحتقر ظلها وأخرجته واحتوته دون خجل كانت هي الأكثر نضجًا واكتمالًا على مدار المسلسل كله بعكس “داوود باشا” الذي كان يذهب لقبر أبيه للبكاء عليه والارتجاف بين يديه مع أنه اقترن بظله “جوهر العبدة”، لكنه  أخفاه وهرب به بعيدًا فظل وجوده يرتعش حتى مات، ولعلَّ رعشة يديه ورجليه والتي جسدها الفنان “خالد النبوي” كانت رمزًا قويًا على تلك الرعشة الوجودية، ومن هنا نرى إصراره على بناء قبر من الرخام للعبدة جوهر بجوار قبره، فيترك لهذا الغرض علبة ذهب أمانة بين يدي زوجة أخيه.

لعل داوود باشا بهذه الوصية كان يهفو للاكتمال والالتئام بظله والإعلان عنه  أخيرًا بعد أن اختبأ معه حتى نهاية حياته.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s