“عثمانيون” بقبعات

“عثمانيون” بقبعات

وليد الزوكاني

اللوحة: الفنانة المغربية فاطمة طهوري

ثمة مفهومان يبدو كل منهما ملتبسا، لكنهما في الحقيقة متباينان أشد التباين، الحداثة والتحديث. 

وإذا كانت الحداثة قد فشلت فشلا ذريعاً في مجتمعاتنا العربية، ولعلها لم تدخلها أصلا، فان التحديث هو ميزتنا الرئيسة، والأمر الذي نبرع فيه. 

الحداثة ببساطة، مفهوم مضاد تماما للتقليد، وتسعى إلى نسف القديم كلياً وإفساح المجال للجديد، أما التحديث فهو العكس، إذ يسعى إلى ضمان استمرار القديم والحرص عليه، ومحاولة “تجميله” أو “تلطيفه” أو “تكييفهً” حسب متطلبات العصر. 

وفق هذين التعريفين تبدو مجتمعاتنا العربية محدثة وليست حديثة، فطبيعة السلطات السياسية هي نفسها، منذ ما قبل العثمانيين، لكن لها دساتير غير فعالة وقوانين “مخترقة” من قِبل واضعيها، وهيئات ومؤسسات سياسية ومدنية أسوة بالغرب، لكنها تابعة لسلطة الدولة وغير فاعلة على الإطلاق، والمثال على ذلك لجان حقوق الإنسان الرسمية الموجودة في كل دولة عربية، والنقابات، والحقوق المدنية، وحرية الرأي، كل ما في الغرب موجود عندنا في الشرق المتوسط، مع الحفاظ على كل أركان السلطة بشكلها الاستبدادي القديم. 

وعلى المستوى الاجتماعي، لدينا بدءا من الريبوتات الى أحدث ماركات السيارات والطائرات ووسائل الاتصال، مع الحفاظ الشديد على كل مفاهيم القرون الوسطى، والحرص الأشد على التقاليد القديمة، لا بل توظيف أحدث التكنولوجيا أحانا للحفاظ على أقدم المفاهيم. 

وهكذا في الأمثلة التي سقناهما، ظفرنا بسلطات قديمة، وبنى اجتماعية بالية لكنها محدثة. 

فنحن مازلنا عثمانيين لكننا استبدلنا الطرابيش بالقبعات، ومازلنا نسكن نفس البيوت المهترئة لكننا طليناها بأصباغ حديثة.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s