نداءات الباعة الجائلين.. إبداعات في الذاكرة الشعبية

نداءات الباعة الجائلين.. إبداعات في الذاكرة الشعبية

حنان عبد القادر

اللوحة: الفنان المصري محسن أبو العزم

حين فكرت بكتابة هذا الموضوع، أو بالأحرى حوله، تبادر لذهني فورا بائع البندورة أو كما نسميه في بلادي “بياع الطماطم”، وقبل أن أعرج على السبب الرئيس لتلك المقالة، أحب أن أعرض لك -عزيزي القارئ- شيئا سريعا عن هذا النبات، وبعض أسماء استخدمها الناس لنفس الثمرة “الطماطم”.

يقال إن نشأتها الأولى كانت في أمريكا الجنوبية، وإن الكهنة الإسبان نقلوها معهم إلى المكسيك، ثم إلى أوربا في القرن السادس عشر الميلادي، وبدأ الناس في إسبانيا وإيطاليا في زراعتها كغذاء بعدما ظلوا فترة طويلة يعدونها نباتا ساما؛ لقربها في الشكل من النباتات السامة؛ لذا تأخر استخدامها كغذاء متعارف عليه حتى بداية القرن التاسع عشر، ومن المعروف أنها تنتمي للفصيلة الباذنجانية، ويوجد منها أكثر من أربعة آلاف صنف.

 التفاحة الذهبية

هناك بعض التكهنات بأن أول ثمار للطماطم عرفت للأوربيين واستخدموها كانت صفراء اللون؛ لذا أطلق عليها الإيطاليون اسم: – Mela d’oro “التفاحة الذهبية”، أما الفرنسيون فسموها: “ amour de pomme– أي تفاح الحب” لما كانوا يعتقدون أن لثمر الطماطم خصائص تثير الشهوة الجنسية وتقوي الباه.

وتختلف مسميات ثمرة الطماطم من بلد لأخرى، ففي بلاد الشام مثلا يسمونها “البندورة”، وفي بلاد الخليج يطلقون عليها اسم: “الطماط”، أما في حوض النيل فلها مسميان معروفان: “الطماطم، والقوطة”، ويقال أنها تسمى في المغرب: “المطيشة”

وقد جاءت تسمية الطماطم بهذا الاسم من لغة الأزتيك في المكسيك الوسطى وهي مشتقة من كلمة tomatl، وتسمى في اللغة الإنجليزية (tomato)، أما تسميتها بالبندورة، فهو مأخوذ عن الإيطالية ( (pomodori

أما مسمى “القوطة” فأعتقد أن له علاقة بكيفية دخولها مصر أيام العثمانيين، حيث كانت تحمل في قفف كبيرة تسمى بالقوط، فاستخدم المصريون كلمة قوطة نسبة للقفة التي كانت تعبأ فيها؛ خاصة وأن هذا الاسم أكثر شيوعا بالإسكندرية، وهي أكبر الموانئ البحرية على المتوسط، وفي المدن الكبرى كالقاهرة.

حمرا يا طماطم.. يا مجنونة يا قوطة

نداء هو الأشهر على الإطلاق، تسمعه يتردد كلما سرت بأسواق الفاكهة والخضروات بمصر، وربما له رديفه في بلادنا العربية، يردده كثير من الباعة متفننا فيه كل حسب موهبته، في محاولة لجذب انتباه المارة لشرائها، وربما جاء وصفهم لها بالمجنونة، نظرا لتعرضها للتغير الدائم في الأسعار، ولأنها أصبحت سلعة لا يستغني عنها الناس، فباتت سلعة رئيسة في استهلاكهم اليومي.

النداء على البضائع وسيلة قديمة استخدمها الناس، سواء الباعة أنفسهم، أو من خلال منادٍ حسن الصوت ينادي لهم على بضائعهم، يطوفون بها في الشوارع والحارات تارة، ويقفون بها في الأزقة والأسواق وعلى الأرصفة تارات.

كثيرا ما استوقفني نداءاتهم المختلجة بمشاعرهم، والمختلطة بأصواتهم التي تمهر في الرقص على السلم الموسيقي ومقاماته، أحيانا ما كنت أصيخ السمع لبائع لأتبين ماذا يقول، ولا أكاد استوعب، وأحيانا أخرى يستهويني صوته وهو يشرع حنجرته بنداء شجي منغم، فأحفظه عن ظهر قلب.

إنهم الباعة الجائلون الذين حفروا في ذاكرتي نداءاتهم وأصواتهم التي مازلت أحملها مدثرة بالحنين كلما رأيت سلعة معروضة في المدائن البلاستيكية حملتني لذلك الزمان بروائحه وتداعياته، كنا نشتم رائحة الخضرة والفاكهة على بعد أمتار من بائعها، نعرف مدى طزاجتها وجمالها، الآن أصبحت في أفواهنا نعلكها وليس ثمة رائحة لها، تحولت إلى منتوجات من شمع.

الباعة الجائلون، المبدعون بالسليقة، المتفننون في ابتكار نداءاتهم التي صارت موروثا شعبيا يميزهم عن غيرهم، حتى أن موروثنا الفني الغنائي احتشد بها، فنجد أغنية للفنانة شادية لحنها الموسيقار عبد الوهاب تقول: توب الفرح يا توب، على غرار: “توم الخزين يا توم”، وكذاك “الحنة يا حنة” على غرار: “الحنة يا متحنِّي”.. إلخ.

ويحضرني – عزيزي القارئ – الكثير من تلك النداءات الجميلة، ولعلك أنت أيضا يحضرك ما هو أجمل منها، أذكر لك على سبيل المثال:

عم محمد بائع السميط، كان والدي – رحمة الله عليه – يصر أن يشتري لي منه السميط كل صباح ونحن في طريقنا للمدرسة، وعرف بفراسته حبي لصوته وهو ينادي على بضاعته بنبرة محببة: “سمييييط وجبنة، سميييييط ودقة للحلوين اللي بيحب الدقة”، ويغمزني بكيس بلاستيكي صغير فيه الدّقة التي صنعها من بذور المشمش والملح والكمون والكسبرة الجافة، كلما رأيت أحدا يبيع هذا الكعك المسمى “سميط”، أشتم رائحة دُقة عم محمد وصوته الشجي.

أما البطاطا المشوية، فلم أكن على صحبة معها، لكني دائما أتذكر بائعها الذي كان يمر بعربته المميزة في شارعنا مناديا: ” يامعسلة قوي يابطااااااااطا”

لكني قنت أحب العرقسوس، وأحب من يبيعونه، أتفقد طويلا ملابسهم، وأتأمل كيف يحملون آنياته ويصبون العرقسوس منها ويضربون بصاجاتهم ليعلموا الغافلين بوجودهم، يدقونها بنغمات مختلفة ثم ينادون: ” ياعرقسوووس.. شفا وخمير”… أتذكر معك عزيزي القارئ أغنية شعبية مصرية اتخذت من عذا النداء تقولك “ياعرقسوس شفا وخمير ياللي اللمون منك يغير ياعرقسوس”

وعندما يمتلئ الجو برائحة الجوافة التي لا تقاوم، أتذكر نداء الباعة: “الجوافة عسل ابيض، قشطة ياجوافة”، وبائع المشمش الذي ينادي على بضاعته ناسبا إياها للمكان الشهير بأجملها فيقول: ” ياللي الهوا هزه.. يا حموي يا ناعم يا مشمش”

ومثله مثل غيره من البائعين، يحاولون جذبك بنسبهم بضاعتهم لأشهر الأماكن شهرة بها، فيقولون: ” يافيومي ياعنب – سيوي يابلح زغلول يابلح – تين العامرية يابرشومي – منفلوطي يارمان – عجمي ياتين.. إلخ”

أما سنية بائعة التوت، فما كانت تظهر إلا في الربيع، وقت هجوم محصول التوت، تحمل في قفتها التوت بألوانه، أبيض وأسود وأزرق وبنفسجي، ألوان تأسرنا نحن الصغار، وطعم يحلق بنا بأجنحة من ورق التوت لنرى يرقات القز وجمال فراشاتها، كنا ننتظرها كل أمام باب منزله لتمر علينا وهي تنادي بصوتها الساحر: “التوت زي العيييييينب”، كنت أقلدها لأصحابي ونضحك ببراءة، وكل منا يردد ما يحفظه من تلك النداءات.

المتأمل في تلك النداءات، يرى ما كان يتمتع به أصحابها من إبداع بالسليقة، وسرعة بديهة، وستظل تلك النداءات المتوارثة بابا من أبواب الفن والأدب الشعبي لم يفتح على مصراعيه بعد، يحتاج منك عزيزي القارئ ومني بحثا مطولا، فللحديث بقية.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s